اخبار اليوم - لم تكن رائحة الياسمين في غزة يوماً مجرد تفصيل عابر في حفلات الزفاف، بل كانت إعلاناً جماعياً بأن الحياة ما زالت قادرة على أن تزهر رغم الحصار والخذلان وتراكم الوجع. في الأزقة الضيقة التي اعتادت أن تحفظ أسرار الفرح والخوف معاً، كانت العروس تمشي بخطوات خفيفة بين أصوات الزغاريد، تسبقها ابتسامة أمّها وترقب جدّتها، ويحيط بها حلم صغير اسمه “بداية جديدة”. هناك، كانت الزفّة تشبه انتصاراً مؤقتاً على القلق، وكانت فساتين الزفاف البيضاء تُخاط من خيوط الأمل أكثر مما تُخاط من القماش.
لكن في غزة، لا تبقى الحكايات كما تبدأ.
كانت هي، مثل كثيرات قبلها، تحلم بزفاف بسيط يليق بمدينتها المتعبة. اختارت فستانها بعناية، وأمضت ساعات طويلة تتأمل تفاصيله، وكأنها تحاول أن تُثبّت لحظة الفرح داخل ذاكرة لن ترحمها الأيام. لم يكن الفستان فخماً، لكنه كان كافياً ليحمل أحلام فتاة انتظرت طويلاً أن تُنادى باسمها مسبوقاً بلقب “العروس”. كانت تخطط لزفّة تمر من الشارع الذي لعبت فيه طفلة، وتصل إلى بيتٍ أرادت أن يكون بداية لحياة هادئة، حياة لا تُقاس بعدد الغارات ولا تُعدّ فيها الأيام وفق نشرات الأخبار.
غير أن الحرب لا تعترف بمواعيد الفرح.
في ليلة كانت تستعد فيها لتجربة فستانها للمرة الأخيرة، تسللت أصوات الانفجارات إلى قلب البيت قبل أن تصل إلى النوافذ. اهتزت الجدران، وسقط شيء ما داخلها لم يكن حجراً ولا زجاجاً، بل ذلك اليقين القديم بأن الفرح يمكن أن يُؤجَّل لكنه لا يُلغى. في تلك اللحظة، صار الفستان الأبيض شاهداً صامتاً على تحول قاسٍ؛ لم يعد رمزاً لبداية حياة، بل أصبح قطعة قماش تحاول أن تحمي نفسها من غبار يتسلل إلى كل شيء.
لم تعد العروس تفكر في تفاصيل الزينة أو لون الورود أو عدد المدعوين. صار السؤال الوحيد الذي يطاردها: هل سيبقى البيت قائماً حتى موعد الزفاف؟ كانت تُمسك بفستانها كلما اشتدت الغارات، وكأنها تتمسك بجزء من حلم يوشك أن يتبخر. حاولت أن تنظفه من الغبار أكثر من مرة، لكنها أدركت أن الغبار في غزة ليس مجرد ذرات تراب، بل ذاكرة حرب تلتصق بالأشياء والبشر معاً.
في الأيام التالية، تحوّل البيت الذي كان من المفترض أن يستقبل الضيوف إلى ملاذ مؤقت لعائلة تبحث عن زاوية آمنة. صار الفستان معلقاً في زاوية الغرفة، يراقب صمتاً ثقيلاً يخيّم على المكان. لم تعد الزغاريد تُسمع، بل استبدلتها صفارات الإسعاف وأصوات الطائرات. ومع ذلك، لم تتخلَّ العروس عن فستانها، كانت تنظر إليه كأنها تنظر إلى نسخة أخرى من نفسها، نسخة لم تستسلم بعد.
في غزة، تتغير معاني الأشياء بسرعة مذهلة. الفستان الذي صُمم ليُدهش الحضور أصبح قطعة تحفظ حكاية صمود. والعروس التي كانت تحلم بزفّة ياسمين صارت تحلم بليلة هادئة فقط، ليلة لا تُقاطعها أصوات القصف، ولا تُضطر فيها إلى احتضان خوفها بدلاً من أحلامها. ومع كل يوم يمر، كانت تتعلم أن الفرح هنا لا يُلغى، لكنه يُعاد تعريفه باستمرار.
لم تكن قصتها استثناءً، بل جزءاً من لوحة أوسع ترسمها الحرب فوق وجوه نساء كثيرات. في غزة، ترتدي بعض العرائس فساتينهن تحت ضوء الشموع، وتلتقط أخريات صور زفافهن بين أنقاض بيوت فقدنها قبل أيام. هناك، يصبح الزفاف فعلاً من أفعال المقاومة، ويصبح الإصرار على الفرح تحدياً صريحاً للموت.
ومع ذلك، بقي في قلبها شيء يشبه الياسمين الأول. كانت تؤمن أن الفستان الذي خبّأ غبار الحرب يمكن أن يُرتدى يوماً ما، لا ليخفي آثار الدمار، بل ليعلن أن الحياة أقوى من كل ما حاول كسرها. كانت تدرك أن طريقها إلى الفرح لن يكون معبداً كما تخيلت، لكنه سيبقى طريقها الخاص، الطريق الذي تسير فيه آلاف النساء في غزة، يحملن أحلامهن على أكتاف أنهكها الانتظار ولم يطفئها الألم.
في نهاية الحكاية، لا تبدو العروس مجرد فتاة تستعد لزفافها، بل تصبح صورة لمدينة كاملة تحاول أن ترتدي الأبيض رغم كل شيء. مدينة تعرف أن الياسمين قد يتأخر في الإزهار، لكنه لا ينسى أن يعود. وفي كل مرة تُرفع فيها زغرودة وسط الركام، تُكتب سطور جديدة في قصة غزة، قصة تُثبت أن الفرح هناك ليس رفاهية، بل فعل بقاء، وأن العرائس اللواتي يمشين نحو أحلامهن وسط الغبار، إنما يمشين نحو الحياة نفسها، مهما بدا الطريق محفوفاً بالرماد.
فلسطين أون لاين
اخبار اليوم - لم تكن رائحة الياسمين في غزة يوماً مجرد تفصيل عابر في حفلات الزفاف، بل كانت إعلاناً جماعياً بأن الحياة ما زالت قادرة على أن تزهر رغم الحصار والخذلان وتراكم الوجع. في الأزقة الضيقة التي اعتادت أن تحفظ أسرار الفرح والخوف معاً، كانت العروس تمشي بخطوات خفيفة بين أصوات الزغاريد، تسبقها ابتسامة أمّها وترقب جدّتها، ويحيط بها حلم صغير اسمه “بداية جديدة”. هناك، كانت الزفّة تشبه انتصاراً مؤقتاً على القلق، وكانت فساتين الزفاف البيضاء تُخاط من خيوط الأمل أكثر مما تُخاط من القماش.
لكن في غزة، لا تبقى الحكايات كما تبدأ.
كانت هي، مثل كثيرات قبلها، تحلم بزفاف بسيط يليق بمدينتها المتعبة. اختارت فستانها بعناية، وأمضت ساعات طويلة تتأمل تفاصيله، وكأنها تحاول أن تُثبّت لحظة الفرح داخل ذاكرة لن ترحمها الأيام. لم يكن الفستان فخماً، لكنه كان كافياً ليحمل أحلام فتاة انتظرت طويلاً أن تُنادى باسمها مسبوقاً بلقب “العروس”. كانت تخطط لزفّة تمر من الشارع الذي لعبت فيه طفلة، وتصل إلى بيتٍ أرادت أن يكون بداية لحياة هادئة، حياة لا تُقاس بعدد الغارات ولا تُعدّ فيها الأيام وفق نشرات الأخبار.
غير أن الحرب لا تعترف بمواعيد الفرح.
في ليلة كانت تستعد فيها لتجربة فستانها للمرة الأخيرة، تسللت أصوات الانفجارات إلى قلب البيت قبل أن تصل إلى النوافذ. اهتزت الجدران، وسقط شيء ما داخلها لم يكن حجراً ولا زجاجاً، بل ذلك اليقين القديم بأن الفرح يمكن أن يُؤجَّل لكنه لا يُلغى. في تلك اللحظة، صار الفستان الأبيض شاهداً صامتاً على تحول قاسٍ؛ لم يعد رمزاً لبداية حياة، بل أصبح قطعة قماش تحاول أن تحمي نفسها من غبار يتسلل إلى كل شيء.
لم تعد العروس تفكر في تفاصيل الزينة أو لون الورود أو عدد المدعوين. صار السؤال الوحيد الذي يطاردها: هل سيبقى البيت قائماً حتى موعد الزفاف؟ كانت تُمسك بفستانها كلما اشتدت الغارات، وكأنها تتمسك بجزء من حلم يوشك أن يتبخر. حاولت أن تنظفه من الغبار أكثر من مرة، لكنها أدركت أن الغبار في غزة ليس مجرد ذرات تراب، بل ذاكرة حرب تلتصق بالأشياء والبشر معاً.
في الأيام التالية، تحوّل البيت الذي كان من المفترض أن يستقبل الضيوف إلى ملاذ مؤقت لعائلة تبحث عن زاوية آمنة. صار الفستان معلقاً في زاوية الغرفة، يراقب صمتاً ثقيلاً يخيّم على المكان. لم تعد الزغاريد تُسمع، بل استبدلتها صفارات الإسعاف وأصوات الطائرات. ومع ذلك، لم تتخلَّ العروس عن فستانها، كانت تنظر إليه كأنها تنظر إلى نسخة أخرى من نفسها، نسخة لم تستسلم بعد.
في غزة، تتغير معاني الأشياء بسرعة مذهلة. الفستان الذي صُمم ليُدهش الحضور أصبح قطعة تحفظ حكاية صمود. والعروس التي كانت تحلم بزفّة ياسمين صارت تحلم بليلة هادئة فقط، ليلة لا تُقاطعها أصوات القصف، ولا تُضطر فيها إلى احتضان خوفها بدلاً من أحلامها. ومع كل يوم يمر، كانت تتعلم أن الفرح هنا لا يُلغى، لكنه يُعاد تعريفه باستمرار.
لم تكن قصتها استثناءً، بل جزءاً من لوحة أوسع ترسمها الحرب فوق وجوه نساء كثيرات. في غزة، ترتدي بعض العرائس فساتينهن تحت ضوء الشموع، وتلتقط أخريات صور زفافهن بين أنقاض بيوت فقدنها قبل أيام. هناك، يصبح الزفاف فعلاً من أفعال المقاومة، ويصبح الإصرار على الفرح تحدياً صريحاً للموت.
ومع ذلك، بقي في قلبها شيء يشبه الياسمين الأول. كانت تؤمن أن الفستان الذي خبّأ غبار الحرب يمكن أن يُرتدى يوماً ما، لا ليخفي آثار الدمار، بل ليعلن أن الحياة أقوى من كل ما حاول كسرها. كانت تدرك أن طريقها إلى الفرح لن يكون معبداً كما تخيلت، لكنه سيبقى طريقها الخاص، الطريق الذي تسير فيه آلاف النساء في غزة، يحملن أحلامهن على أكتاف أنهكها الانتظار ولم يطفئها الألم.
في نهاية الحكاية، لا تبدو العروس مجرد فتاة تستعد لزفافها، بل تصبح صورة لمدينة كاملة تحاول أن ترتدي الأبيض رغم كل شيء. مدينة تعرف أن الياسمين قد يتأخر في الإزهار، لكنه لا ينسى أن يعود. وفي كل مرة تُرفع فيها زغرودة وسط الركام، تُكتب سطور جديدة في قصة غزة، قصة تُثبت أن الفرح هناك ليس رفاهية، بل فعل بقاء، وأن العرائس اللواتي يمشين نحو أحلامهن وسط الغبار، إنما يمشين نحو الحياة نفسها، مهما بدا الطريق محفوفاً بالرماد.
فلسطين أون لاين
اخبار اليوم - لم تكن رائحة الياسمين في غزة يوماً مجرد تفصيل عابر في حفلات الزفاف، بل كانت إعلاناً جماعياً بأن الحياة ما زالت قادرة على أن تزهر رغم الحصار والخذلان وتراكم الوجع. في الأزقة الضيقة التي اعتادت أن تحفظ أسرار الفرح والخوف معاً، كانت العروس تمشي بخطوات خفيفة بين أصوات الزغاريد، تسبقها ابتسامة أمّها وترقب جدّتها، ويحيط بها حلم صغير اسمه “بداية جديدة”. هناك، كانت الزفّة تشبه انتصاراً مؤقتاً على القلق، وكانت فساتين الزفاف البيضاء تُخاط من خيوط الأمل أكثر مما تُخاط من القماش.
لكن في غزة، لا تبقى الحكايات كما تبدأ.
كانت هي، مثل كثيرات قبلها، تحلم بزفاف بسيط يليق بمدينتها المتعبة. اختارت فستانها بعناية، وأمضت ساعات طويلة تتأمل تفاصيله، وكأنها تحاول أن تُثبّت لحظة الفرح داخل ذاكرة لن ترحمها الأيام. لم يكن الفستان فخماً، لكنه كان كافياً ليحمل أحلام فتاة انتظرت طويلاً أن تُنادى باسمها مسبوقاً بلقب “العروس”. كانت تخطط لزفّة تمر من الشارع الذي لعبت فيه طفلة، وتصل إلى بيتٍ أرادت أن يكون بداية لحياة هادئة، حياة لا تُقاس بعدد الغارات ولا تُعدّ فيها الأيام وفق نشرات الأخبار.
غير أن الحرب لا تعترف بمواعيد الفرح.
في ليلة كانت تستعد فيها لتجربة فستانها للمرة الأخيرة، تسللت أصوات الانفجارات إلى قلب البيت قبل أن تصل إلى النوافذ. اهتزت الجدران، وسقط شيء ما داخلها لم يكن حجراً ولا زجاجاً، بل ذلك اليقين القديم بأن الفرح يمكن أن يُؤجَّل لكنه لا يُلغى. في تلك اللحظة، صار الفستان الأبيض شاهداً صامتاً على تحول قاسٍ؛ لم يعد رمزاً لبداية حياة، بل أصبح قطعة قماش تحاول أن تحمي نفسها من غبار يتسلل إلى كل شيء.
لم تعد العروس تفكر في تفاصيل الزينة أو لون الورود أو عدد المدعوين. صار السؤال الوحيد الذي يطاردها: هل سيبقى البيت قائماً حتى موعد الزفاف؟ كانت تُمسك بفستانها كلما اشتدت الغارات، وكأنها تتمسك بجزء من حلم يوشك أن يتبخر. حاولت أن تنظفه من الغبار أكثر من مرة، لكنها أدركت أن الغبار في غزة ليس مجرد ذرات تراب، بل ذاكرة حرب تلتصق بالأشياء والبشر معاً.
في الأيام التالية، تحوّل البيت الذي كان من المفترض أن يستقبل الضيوف إلى ملاذ مؤقت لعائلة تبحث عن زاوية آمنة. صار الفستان معلقاً في زاوية الغرفة، يراقب صمتاً ثقيلاً يخيّم على المكان. لم تعد الزغاريد تُسمع، بل استبدلتها صفارات الإسعاف وأصوات الطائرات. ومع ذلك، لم تتخلَّ العروس عن فستانها، كانت تنظر إليه كأنها تنظر إلى نسخة أخرى من نفسها، نسخة لم تستسلم بعد.
في غزة، تتغير معاني الأشياء بسرعة مذهلة. الفستان الذي صُمم ليُدهش الحضور أصبح قطعة تحفظ حكاية صمود. والعروس التي كانت تحلم بزفّة ياسمين صارت تحلم بليلة هادئة فقط، ليلة لا تُقاطعها أصوات القصف، ولا تُضطر فيها إلى احتضان خوفها بدلاً من أحلامها. ومع كل يوم يمر، كانت تتعلم أن الفرح هنا لا يُلغى، لكنه يُعاد تعريفه باستمرار.
لم تكن قصتها استثناءً، بل جزءاً من لوحة أوسع ترسمها الحرب فوق وجوه نساء كثيرات. في غزة، ترتدي بعض العرائس فساتينهن تحت ضوء الشموع، وتلتقط أخريات صور زفافهن بين أنقاض بيوت فقدنها قبل أيام. هناك، يصبح الزفاف فعلاً من أفعال المقاومة، ويصبح الإصرار على الفرح تحدياً صريحاً للموت.
ومع ذلك، بقي في قلبها شيء يشبه الياسمين الأول. كانت تؤمن أن الفستان الذي خبّأ غبار الحرب يمكن أن يُرتدى يوماً ما، لا ليخفي آثار الدمار، بل ليعلن أن الحياة أقوى من كل ما حاول كسرها. كانت تدرك أن طريقها إلى الفرح لن يكون معبداً كما تخيلت، لكنه سيبقى طريقها الخاص، الطريق الذي تسير فيه آلاف النساء في غزة، يحملن أحلامهن على أكتاف أنهكها الانتظار ولم يطفئها الألم.
في نهاية الحكاية، لا تبدو العروس مجرد فتاة تستعد لزفافها، بل تصبح صورة لمدينة كاملة تحاول أن ترتدي الأبيض رغم كل شيء. مدينة تعرف أن الياسمين قد يتأخر في الإزهار، لكنه لا ينسى أن يعود. وفي كل مرة تُرفع فيها زغرودة وسط الركام، تُكتب سطور جديدة في قصة غزة، قصة تُثبت أن الفرح هناك ليس رفاهية، بل فعل بقاء، وأن العرائس اللواتي يمشين نحو أحلامهن وسط الغبار، إنما يمشين نحو الحياة نفسها، مهما بدا الطريق محفوفاً بالرماد.
فلسطين أون لاين
التعليقات