أخبار اليوم - في أزقة غزة التي أثقلتها حرب الإبادة، ثمة قصص لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تظل حية كفصل ندي من السيرة العطرة.
'فريد محمد السنكري' (50 عاما)، رجل بسيط المظهر، عظيم الأثر، لم يملك من حطام الدنيا الكثير، لكنه ملك ما هو أثمن: أمانة تهتز لها الجبال، وقلب معلق بالمساجد، رحل الخياط الذي أمضى عمره ينسج كرامة عائلته، تاركا إرثا يرويه نجله الأكبر 'بكر' وزوجته الوفية، كنموذج للصلابة الروحية وسط الركام.
يستذكر بكر (25 عاما)، والده بفخر يغالبه الفقد، قائلا لـ 'فلسطين أون لاين': 'كان والدي يرى التربية مسؤولية يومية لا شعارات عابرة، وبفضل متابعته الحثيثة، حفظت أنا وإخوتي القرآن الكريم كاملا، فقد كان يرى فينا مشروعه الحقيقي الذي لا يهدمه قصف'.
تابع: 'لم تكن تربيته تقتصر على الروحانيات، بل امتدت لتشمل أمانة الحرب، فحين وجدت شقيقته مبلغا كبيرا من المال وذهبا في ذروة النزوح والقصف، لم يتردد الأب لحظة، وأصر على المخاطرة بنفسه والتردد على مناطق الخطر حتى أعاد الأمانة لأصحابها يدا بيد، ضاربا أروع الأمثلة في العفة رغم ضيق الحال وقسوة الحصار'.
يصمت بكر قليلا، وكأن شريط الذكريات يمر أمام عينيه، ثم يضيف بنبرة متهدجة: 'لم يكن والدي مجرد رب أسرة، بل كان بوصلتنا التي لا تخطئ في عتمة الحرب، أذكر في ليالي النزوح القاسية، كيف كان يوزع علينا الهدوء قبل الطعام، يمازحنا رغم ثقل الهم، ويؤكد لنا أن الجوع والبرد هما ضريبة الكرامة، كان يقول لي دائما: يا بكر، السيرة الطيبة هي الثوب الوحيد الذي لا يبلى، فاحرص أن تترك خلفك أثرا يحبه الله وخلقه'.
وأردف: 'لقد علمنا بفعله لا بلسانه أن الشجاعة ليست في حمل السلاح فقط، بل في الحفاظ على إنسانيتنا وصدقنا حين ينهار كل شيء حولنا، فكان يتقاسم لقمته مع الجار النازح، ويؤثر غيره على نفسه بابتسامة قلما فارقت وجهه المتعب'.
لم يتوقف عطاء السنكري عند حدود بيته، فقد عرفه الجيران بلقب 'سقاء المحاصرين' كما يصفه نجله، حيث كان يخاطر لتأمين الماء لكل من انقطعت بهم السبل في المربعات السكنية المستهدفة، كما سخر مهنته في الخياطة لخدمة كل محتاج، معتبرا أن خدمة الناس واجب لا فضل فيه، وهو ما جعله شخصية محبوبة تحظى باحترام الصغير والكبير، محولا إبرته البسيطة إلى وسيلة لتثبيت صمود الناس وترميم أوجاعهم.
ولم يكن الشهيد غريبا عن هموم جيرانه، بل كان صمام أمان لهم في أحلك الظروف.
يروي جاره يوسف الداية (38 عاما) لـ 'فلسطين أون لاين' بمرارة: 'كان العم 'أبو بكر' بمثابة الأخ الكبير لنا في الحارة، وفي ذروة القصف والنزوح، كان هو من يثبت قلوبنا، ويحثنا على الصمود وعدم مغادرة بيوتنا، مؤمنا بأن الأرض هي العرض'.
ويستذكر الداية أيام 'المجاعة' وقسوة الحصار في الشمال، قائلا: 'حين كان الجوع ينهش الأجساد، كان العم الشهيد يمر علينا صابرا محتسبا، يشد من أزرنا ويحدثنا عن أجر الصابرين ومكانة المرابطين، لم يكتف بمواساتنا بكلماته، بل كان يوزع علينا الطمأنينة قبل أن يبحث عن قوت يومه'.
بصبر وثبات، تتحدث السيدة هند السنكري (44 عاما)، عن شريك دربها: 'عشت معه 28 عاما، كان فيها عنوانا للكرم وعزة النفس، يحب الخير للناس حتى لو لم يملك في جيبه شيئا'.
وتضيف بمرارة يكسوها الرضا: 'فريد كان يداوم على النوافل والفرائض حتى لحظاته الأخيرة، وقد غرس في أبنائنا حب العلم، فمنهم اليوم الطبيب والمعلم، وهذا هو استثماره الحقيقي، جيل يحمل القرآن في صدره والأمانة في خلقه'.
وعن اللحظات الأخيرة في حياة 'أبو بكر'، يقول نجله: 'لم يتغير والدي مع اشتداد الحرب، بل ازداد طمأنينة، وكان دائما يذكرنا بالتشهد عند سماع صوت القذائف'.
واستطرد: 'في يوم السابع من يوليو 2024، صلى الفجر وقرأ ورده اليومي وخرج ليسعى لرزق عياله بكرامة، ومع اشتداد القصف، وبينما كان يهم بالعودة للمنزل، نالت منه القذائف عند باب مكان عمله، ليرتقي شهيدا وهو يرفع سبابته موحدا، بعد أن أدى صلاة الظهر في وقتها، وكأنما كان على موعد مع ربه بقلب حاضر وجسد أنهكه السعي الحلال'.
رحل الخياط، وبقيت غرزات أمانته واضحة في ثوب عائلته وجيرانه، رحل وهو يرفع سبابته، تاركا خلفه خيطا من النور لا تقطعه القذائف.
فلسطين أون لاين
أخبار اليوم - في أزقة غزة التي أثقلتها حرب الإبادة، ثمة قصص لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تظل حية كفصل ندي من السيرة العطرة.
'فريد محمد السنكري' (50 عاما)، رجل بسيط المظهر، عظيم الأثر، لم يملك من حطام الدنيا الكثير، لكنه ملك ما هو أثمن: أمانة تهتز لها الجبال، وقلب معلق بالمساجد، رحل الخياط الذي أمضى عمره ينسج كرامة عائلته، تاركا إرثا يرويه نجله الأكبر 'بكر' وزوجته الوفية، كنموذج للصلابة الروحية وسط الركام.
يستذكر بكر (25 عاما)، والده بفخر يغالبه الفقد، قائلا لـ 'فلسطين أون لاين': 'كان والدي يرى التربية مسؤولية يومية لا شعارات عابرة، وبفضل متابعته الحثيثة، حفظت أنا وإخوتي القرآن الكريم كاملا، فقد كان يرى فينا مشروعه الحقيقي الذي لا يهدمه قصف'.
تابع: 'لم تكن تربيته تقتصر على الروحانيات، بل امتدت لتشمل أمانة الحرب، فحين وجدت شقيقته مبلغا كبيرا من المال وذهبا في ذروة النزوح والقصف، لم يتردد الأب لحظة، وأصر على المخاطرة بنفسه والتردد على مناطق الخطر حتى أعاد الأمانة لأصحابها يدا بيد، ضاربا أروع الأمثلة في العفة رغم ضيق الحال وقسوة الحصار'.
يصمت بكر قليلا، وكأن شريط الذكريات يمر أمام عينيه، ثم يضيف بنبرة متهدجة: 'لم يكن والدي مجرد رب أسرة، بل كان بوصلتنا التي لا تخطئ في عتمة الحرب، أذكر في ليالي النزوح القاسية، كيف كان يوزع علينا الهدوء قبل الطعام، يمازحنا رغم ثقل الهم، ويؤكد لنا أن الجوع والبرد هما ضريبة الكرامة، كان يقول لي دائما: يا بكر، السيرة الطيبة هي الثوب الوحيد الذي لا يبلى، فاحرص أن تترك خلفك أثرا يحبه الله وخلقه'.
وأردف: 'لقد علمنا بفعله لا بلسانه أن الشجاعة ليست في حمل السلاح فقط، بل في الحفاظ على إنسانيتنا وصدقنا حين ينهار كل شيء حولنا، فكان يتقاسم لقمته مع الجار النازح، ويؤثر غيره على نفسه بابتسامة قلما فارقت وجهه المتعب'.
لم يتوقف عطاء السنكري عند حدود بيته، فقد عرفه الجيران بلقب 'سقاء المحاصرين' كما يصفه نجله، حيث كان يخاطر لتأمين الماء لكل من انقطعت بهم السبل في المربعات السكنية المستهدفة، كما سخر مهنته في الخياطة لخدمة كل محتاج، معتبرا أن خدمة الناس واجب لا فضل فيه، وهو ما جعله شخصية محبوبة تحظى باحترام الصغير والكبير، محولا إبرته البسيطة إلى وسيلة لتثبيت صمود الناس وترميم أوجاعهم.
ولم يكن الشهيد غريبا عن هموم جيرانه، بل كان صمام أمان لهم في أحلك الظروف.
يروي جاره يوسف الداية (38 عاما) لـ 'فلسطين أون لاين' بمرارة: 'كان العم 'أبو بكر' بمثابة الأخ الكبير لنا في الحارة، وفي ذروة القصف والنزوح، كان هو من يثبت قلوبنا، ويحثنا على الصمود وعدم مغادرة بيوتنا، مؤمنا بأن الأرض هي العرض'.
ويستذكر الداية أيام 'المجاعة' وقسوة الحصار في الشمال، قائلا: 'حين كان الجوع ينهش الأجساد، كان العم الشهيد يمر علينا صابرا محتسبا، يشد من أزرنا ويحدثنا عن أجر الصابرين ومكانة المرابطين، لم يكتف بمواساتنا بكلماته، بل كان يوزع علينا الطمأنينة قبل أن يبحث عن قوت يومه'.
بصبر وثبات، تتحدث السيدة هند السنكري (44 عاما)، عن شريك دربها: 'عشت معه 28 عاما، كان فيها عنوانا للكرم وعزة النفس، يحب الخير للناس حتى لو لم يملك في جيبه شيئا'.
وتضيف بمرارة يكسوها الرضا: 'فريد كان يداوم على النوافل والفرائض حتى لحظاته الأخيرة، وقد غرس في أبنائنا حب العلم، فمنهم اليوم الطبيب والمعلم، وهذا هو استثماره الحقيقي، جيل يحمل القرآن في صدره والأمانة في خلقه'.
وعن اللحظات الأخيرة في حياة 'أبو بكر'، يقول نجله: 'لم يتغير والدي مع اشتداد الحرب، بل ازداد طمأنينة، وكان دائما يذكرنا بالتشهد عند سماع صوت القذائف'.
واستطرد: 'في يوم السابع من يوليو 2024، صلى الفجر وقرأ ورده اليومي وخرج ليسعى لرزق عياله بكرامة، ومع اشتداد القصف، وبينما كان يهم بالعودة للمنزل، نالت منه القذائف عند باب مكان عمله، ليرتقي شهيدا وهو يرفع سبابته موحدا، بعد أن أدى صلاة الظهر في وقتها، وكأنما كان على موعد مع ربه بقلب حاضر وجسد أنهكه السعي الحلال'.
رحل الخياط، وبقيت غرزات أمانته واضحة في ثوب عائلته وجيرانه، رحل وهو يرفع سبابته، تاركا خلفه خيطا من النور لا تقطعه القذائف.
فلسطين أون لاين
أخبار اليوم - في أزقة غزة التي أثقلتها حرب الإبادة، ثمة قصص لا تنتهي برحيل أصحابها، بل تظل حية كفصل ندي من السيرة العطرة.
'فريد محمد السنكري' (50 عاما)، رجل بسيط المظهر، عظيم الأثر، لم يملك من حطام الدنيا الكثير، لكنه ملك ما هو أثمن: أمانة تهتز لها الجبال، وقلب معلق بالمساجد، رحل الخياط الذي أمضى عمره ينسج كرامة عائلته، تاركا إرثا يرويه نجله الأكبر 'بكر' وزوجته الوفية، كنموذج للصلابة الروحية وسط الركام.
يستذكر بكر (25 عاما)، والده بفخر يغالبه الفقد، قائلا لـ 'فلسطين أون لاين': 'كان والدي يرى التربية مسؤولية يومية لا شعارات عابرة، وبفضل متابعته الحثيثة، حفظت أنا وإخوتي القرآن الكريم كاملا، فقد كان يرى فينا مشروعه الحقيقي الذي لا يهدمه قصف'.
تابع: 'لم تكن تربيته تقتصر على الروحانيات، بل امتدت لتشمل أمانة الحرب، فحين وجدت شقيقته مبلغا كبيرا من المال وذهبا في ذروة النزوح والقصف، لم يتردد الأب لحظة، وأصر على المخاطرة بنفسه والتردد على مناطق الخطر حتى أعاد الأمانة لأصحابها يدا بيد، ضاربا أروع الأمثلة في العفة رغم ضيق الحال وقسوة الحصار'.
يصمت بكر قليلا، وكأن شريط الذكريات يمر أمام عينيه، ثم يضيف بنبرة متهدجة: 'لم يكن والدي مجرد رب أسرة، بل كان بوصلتنا التي لا تخطئ في عتمة الحرب، أذكر في ليالي النزوح القاسية، كيف كان يوزع علينا الهدوء قبل الطعام، يمازحنا رغم ثقل الهم، ويؤكد لنا أن الجوع والبرد هما ضريبة الكرامة، كان يقول لي دائما: يا بكر، السيرة الطيبة هي الثوب الوحيد الذي لا يبلى، فاحرص أن تترك خلفك أثرا يحبه الله وخلقه'.
وأردف: 'لقد علمنا بفعله لا بلسانه أن الشجاعة ليست في حمل السلاح فقط، بل في الحفاظ على إنسانيتنا وصدقنا حين ينهار كل شيء حولنا، فكان يتقاسم لقمته مع الجار النازح، ويؤثر غيره على نفسه بابتسامة قلما فارقت وجهه المتعب'.
لم يتوقف عطاء السنكري عند حدود بيته، فقد عرفه الجيران بلقب 'سقاء المحاصرين' كما يصفه نجله، حيث كان يخاطر لتأمين الماء لكل من انقطعت بهم السبل في المربعات السكنية المستهدفة، كما سخر مهنته في الخياطة لخدمة كل محتاج، معتبرا أن خدمة الناس واجب لا فضل فيه، وهو ما جعله شخصية محبوبة تحظى باحترام الصغير والكبير، محولا إبرته البسيطة إلى وسيلة لتثبيت صمود الناس وترميم أوجاعهم.
ولم يكن الشهيد غريبا عن هموم جيرانه، بل كان صمام أمان لهم في أحلك الظروف.
يروي جاره يوسف الداية (38 عاما) لـ 'فلسطين أون لاين' بمرارة: 'كان العم 'أبو بكر' بمثابة الأخ الكبير لنا في الحارة، وفي ذروة القصف والنزوح، كان هو من يثبت قلوبنا، ويحثنا على الصمود وعدم مغادرة بيوتنا، مؤمنا بأن الأرض هي العرض'.
ويستذكر الداية أيام 'المجاعة' وقسوة الحصار في الشمال، قائلا: 'حين كان الجوع ينهش الأجساد، كان العم الشهيد يمر علينا صابرا محتسبا، يشد من أزرنا ويحدثنا عن أجر الصابرين ومكانة المرابطين، لم يكتف بمواساتنا بكلماته، بل كان يوزع علينا الطمأنينة قبل أن يبحث عن قوت يومه'.
بصبر وثبات، تتحدث السيدة هند السنكري (44 عاما)، عن شريك دربها: 'عشت معه 28 عاما، كان فيها عنوانا للكرم وعزة النفس، يحب الخير للناس حتى لو لم يملك في جيبه شيئا'.
وتضيف بمرارة يكسوها الرضا: 'فريد كان يداوم على النوافل والفرائض حتى لحظاته الأخيرة، وقد غرس في أبنائنا حب العلم، فمنهم اليوم الطبيب والمعلم، وهذا هو استثماره الحقيقي، جيل يحمل القرآن في صدره والأمانة في خلقه'.
وعن اللحظات الأخيرة في حياة 'أبو بكر'، يقول نجله: 'لم يتغير والدي مع اشتداد الحرب، بل ازداد طمأنينة، وكان دائما يذكرنا بالتشهد عند سماع صوت القذائف'.
واستطرد: 'في يوم السابع من يوليو 2024، صلى الفجر وقرأ ورده اليومي وخرج ليسعى لرزق عياله بكرامة، ومع اشتداد القصف، وبينما كان يهم بالعودة للمنزل، نالت منه القذائف عند باب مكان عمله، ليرتقي شهيدا وهو يرفع سبابته موحدا، بعد أن أدى صلاة الظهر في وقتها، وكأنما كان على موعد مع ربه بقلب حاضر وجسد أنهكه السعي الحلال'.
رحل الخياط، وبقيت غرزات أمانته واضحة في ثوب عائلته وجيرانه، رحل وهو يرفع سبابته، تاركا خلفه خيطا من النور لا تقطعه القذائف.
فلسطين أون لاين
التعليقات