أخبار اليوم - عواد الفالح - في كل مرة يُفتح فيها ملف الضمان الاجتماعي، يعود السؤال نفسه إلى الشارع بصيغة أكثر حدّة: من يدفع ثمن “الإصلاح” فعليًا؟ المقترحات المرتبطة بتعديلات قانون الضمان لعام 2026 فجّرت موجة رفض واسعة بين مشتركين ومتقاعدين ومغتربين، مع شعور متزايد بأن النقاش خرج من إطار “رفع سنّ” أو “زيادة سنوات” إلى جوهر أخطر: كيف تُحتسب الرواتب التقاعدية، وكم يخسر من اضطر للتقاعد المبكر، ولماذا تتبدّل القواعد بعد سنوات من الاشتراك والالتزام؟
المشهد الذي يتكرر على ألسنة كثيرين يتلخص في عبارة واحدة: القضية لم تعد “متى نتقاعد”، القضية “كم نخسر عندما نتقاعد”. ويتوقف هؤلاء عند نقطتين تتقدمان كل الاعتراضات: تعديل معاملات احتساب الراتب التقاعدي، ثم نسبة الخصم التراكمية المرتبطة بالتقاعد المبكر، حيث يرى كثيرون أن خصم 4% عن كل سنة تسبق سن الشيخوخة قد يحوّل التقاعد المبكر من خيار أمان إلى عقوبة مالية قاسية، فتخرج معادلة جديدة تقول للناس: ادفع أكثر، واعمل مدة أطول، ثم استلم أقل.
هذا الإحساس بالظلم يتضاعف حين تُطرح فكرة التطبيق بأثر رجعي أو عندما يشعر المشترك أن ما اتفق عليه منذ لحظة دخوله النظام يتغيّر وهو في منتصف الطريق. في نظرهم، أي تعديل يمسّ المشتركين القائمين يضرب جوهر الثقة، والثقة هنا رأس مال النظام كله. وحين تهتز الثقة، يبدأ الناس بالبحث عن مخارج: وقف الاشتراك الاختياري، التفكير بصرف الدفعة الواحدة، أو الانسحاب الكامل من أي التزام طويل الأمد. وهذه في رأيهم خسارة للضمان قبل أن تكون خسارة للأفراد.
في المقابل، هناك من يرى أن الاستدامة المالية ما عادت ترفًا، وأن الصندوق يحتاج مسارات تصحيح كي يستمر في الوفاء بالتزاماته. لكن الاعتراض الشعبي لا يتجه نحو فكرة الاستدامة بحد ذاتها، يتجه نحو “منطق التوزيع”: لماذا تُحمَّل الفاتورة أساسًا على فئات رواتبها متواضعة أو على موظفي القطاع الخاص الذين يدفعون لسنوات ثم يواجهون واقعًا قاسيًا في سوق العمل؟ كثيرون يذكّرون بواقع الإعلانات التي تضع سقوفًا عمرية للتوظيف تقف عند منتصف الأربعينيات، ما يجعل العمل بعد ذلك أصعب بكثير، ويحوّل انتظار سن الشيخوخة إلى مقامرة لا يملكها من يفقد عمله أو يتعرض لمرض مزمن أو لتراجع قدرته على الاستمرار في المهنة.
ومن زاوية أخرى، يتقدم ملف المغتربين والمشتركين اختياريًا كجرح مفتوح. فهؤلاء – بحسب ما يتداوله كثيرون – بنوا خططهم المالية على مسار اشتراك واضح، فإذا تغيّر المسار احتاجوا سنوات إضافية وكلفًا أكبر، مع خسارة سنوات رواتب كانوا يراهنون عليها. وفي عالم يعيش على التزامات ومواعيد وعودات نهائية إلى البلد، تبدو التعديلات كأنها تقول للمغترب: خطتك تحتاج إعادة كتابة كاملة، ثم ادفع الفاتورة وحدك.
ويتوسع الجدل ليصل إلى قضية العدالة بين الأجيال والفئات، لا في سن التقاعد فقط، بل في الفروق الحادة التي قد تنشأ بين من تقاعد قبل تاريخ محدد ومن تقاعد بعده بشهر واحد، أو بين من استوفى اشتراكات كبيرة ولم يشمله التدرج، وبين من يملك اشتراكات أقل ويحصل على مسار تدرجي. هذا النوع من المفارقات – كما يراه المعترضون – يحوّل القانون إلى شبكة استثناءات وتواريخ فاصلة أكثر من كونه قاعدة عامة تحقق الإنصاف.
وسط هذا كله، تظهر مطالبات لا تتعلق بالنص وحده، تتعلق بمنظومة الإدارة والرقابة: أين ذهبت موارد الضمان؟ من المسؤول عن أي هدر أو قرارات استثمارية فاشلة؟ ولماذا تتكرر رواية “إنقاذ الصندوق” من جيب المشترك العادي، بينما تبقى ملفات الرواتب التقاعدية العالية جدًا لبعض الفئات محل جدل دائم؟ هنا يصبح النقاش سياسيًا واجتماعيًا بقدر ما هو مالي، لأن الناس تقرأ أي تعديل على أنه اختبار للعدالة قبل أن يكون اختبارًا للأرقام.
ولأن الملف يمسّ ملايين الأردنيين، ترتفع التوقعات من مجلس النواب تحديدًا. المواطنون يريدون موقفًا واضحًا: رقابة حقيقية، مساءلة لأسباب الوصول إلى هذه اللحظة، ثم قرار تشريعي يوازن بين بقاء الصندوق وكرامة من بنوا هذا الصندوق من رواتبهم واقتطاعاتهم. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يضغط على كل هذا الضجيج: إذا كان الهدف حماية الضمان، فكيف تُحمى الثقة أولًا، وكيف يُقنع المشترك أن ما ينتظره في آخر الطريق “أمان” لا “خسارة محسوبة”؟
أخبار اليوم - عواد الفالح - في كل مرة يُفتح فيها ملف الضمان الاجتماعي، يعود السؤال نفسه إلى الشارع بصيغة أكثر حدّة: من يدفع ثمن “الإصلاح” فعليًا؟ المقترحات المرتبطة بتعديلات قانون الضمان لعام 2026 فجّرت موجة رفض واسعة بين مشتركين ومتقاعدين ومغتربين، مع شعور متزايد بأن النقاش خرج من إطار “رفع سنّ” أو “زيادة سنوات” إلى جوهر أخطر: كيف تُحتسب الرواتب التقاعدية، وكم يخسر من اضطر للتقاعد المبكر، ولماذا تتبدّل القواعد بعد سنوات من الاشتراك والالتزام؟
المشهد الذي يتكرر على ألسنة كثيرين يتلخص في عبارة واحدة: القضية لم تعد “متى نتقاعد”، القضية “كم نخسر عندما نتقاعد”. ويتوقف هؤلاء عند نقطتين تتقدمان كل الاعتراضات: تعديل معاملات احتساب الراتب التقاعدي، ثم نسبة الخصم التراكمية المرتبطة بالتقاعد المبكر، حيث يرى كثيرون أن خصم 4% عن كل سنة تسبق سن الشيخوخة قد يحوّل التقاعد المبكر من خيار أمان إلى عقوبة مالية قاسية، فتخرج معادلة جديدة تقول للناس: ادفع أكثر، واعمل مدة أطول، ثم استلم أقل.
هذا الإحساس بالظلم يتضاعف حين تُطرح فكرة التطبيق بأثر رجعي أو عندما يشعر المشترك أن ما اتفق عليه منذ لحظة دخوله النظام يتغيّر وهو في منتصف الطريق. في نظرهم، أي تعديل يمسّ المشتركين القائمين يضرب جوهر الثقة، والثقة هنا رأس مال النظام كله. وحين تهتز الثقة، يبدأ الناس بالبحث عن مخارج: وقف الاشتراك الاختياري، التفكير بصرف الدفعة الواحدة، أو الانسحاب الكامل من أي التزام طويل الأمد. وهذه في رأيهم خسارة للضمان قبل أن تكون خسارة للأفراد.
في المقابل، هناك من يرى أن الاستدامة المالية ما عادت ترفًا، وأن الصندوق يحتاج مسارات تصحيح كي يستمر في الوفاء بالتزاماته. لكن الاعتراض الشعبي لا يتجه نحو فكرة الاستدامة بحد ذاتها، يتجه نحو “منطق التوزيع”: لماذا تُحمَّل الفاتورة أساسًا على فئات رواتبها متواضعة أو على موظفي القطاع الخاص الذين يدفعون لسنوات ثم يواجهون واقعًا قاسيًا في سوق العمل؟ كثيرون يذكّرون بواقع الإعلانات التي تضع سقوفًا عمرية للتوظيف تقف عند منتصف الأربعينيات، ما يجعل العمل بعد ذلك أصعب بكثير، ويحوّل انتظار سن الشيخوخة إلى مقامرة لا يملكها من يفقد عمله أو يتعرض لمرض مزمن أو لتراجع قدرته على الاستمرار في المهنة.
ومن زاوية أخرى، يتقدم ملف المغتربين والمشتركين اختياريًا كجرح مفتوح. فهؤلاء – بحسب ما يتداوله كثيرون – بنوا خططهم المالية على مسار اشتراك واضح، فإذا تغيّر المسار احتاجوا سنوات إضافية وكلفًا أكبر، مع خسارة سنوات رواتب كانوا يراهنون عليها. وفي عالم يعيش على التزامات ومواعيد وعودات نهائية إلى البلد، تبدو التعديلات كأنها تقول للمغترب: خطتك تحتاج إعادة كتابة كاملة، ثم ادفع الفاتورة وحدك.
ويتوسع الجدل ليصل إلى قضية العدالة بين الأجيال والفئات، لا في سن التقاعد فقط، بل في الفروق الحادة التي قد تنشأ بين من تقاعد قبل تاريخ محدد ومن تقاعد بعده بشهر واحد، أو بين من استوفى اشتراكات كبيرة ولم يشمله التدرج، وبين من يملك اشتراكات أقل ويحصل على مسار تدرجي. هذا النوع من المفارقات – كما يراه المعترضون – يحوّل القانون إلى شبكة استثناءات وتواريخ فاصلة أكثر من كونه قاعدة عامة تحقق الإنصاف.
وسط هذا كله، تظهر مطالبات لا تتعلق بالنص وحده، تتعلق بمنظومة الإدارة والرقابة: أين ذهبت موارد الضمان؟ من المسؤول عن أي هدر أو قرارات استثمارية فاشلة؟ ولماذا تتكرر رواية “إنقاذ الصندوق” من جيب المشترك العادي، بينما تبقى ملفات الرواتب التقاعدية العالية جدًا لبعض الفئات محل جدل دائم؟ هنا يصبح النقاش سياسيًا واجتماعيًا بقدر ما هو مالي، لأن الناس تقرأ أي تعديل على أنه اختبار للعدالة قبل أن يكون اختبارًا للأرقام.
ولأن الملف يمسّ ملايين الأردنيين، ترتفع التوقعات من مجلس النواب تحديدًا. المواطنون يريدون موقفًا واضحًا: رقابة حقيقية، مساءلة لأسباب الوصول إلى هذه اللحظة، ثم قرار تشريعي يوازن بين بقاء الصندوق وكرامة من بنوا هذا الصندوق من رواتبهم واقتطاعاتهم. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يضغط على كل هذا الضجيج: إذا كان الهدف حماية الضمان، فكيف تُحمى الثقة أولًا، وكيف يُقنع المشترك أن ما ينتظره في آخر الطريق “أمان” لا “خسارة محسوبة”؟
أخبار اليوم - عواد الفالح - في كل مرة يُفتح فيها ملف الضمان الاجتماعي، يعود السؤال نفسه إلى الشارع بصيغة أكثر حدّة: من يدفع ثمن “الإصلاح” فعليًا؟ المقترحات المرتبطة بتعديلات قانون الضمان لعام 2026 فجّرت موجة رفض واسعة بين مشتركين ومتقاعدين ومغتربين، مع شعور متزايد بأن النقاش خرج من إطار “رفع سنّ” أو “زيادة سنوات” إلى جوهر أخطر: كيف تُحتسب الرواتب التقاعدية، وكم يخسر من اضطر للتقاعد المبكر، ولماذا تتبدّل القواعد بعد سنوات من الاشتراك والالتزام؟
المشهد الذي يتكرر على ألسنة كثيرين يتلخص في عبارة واحدة: القضية لم تعد “متى نتقاعد”، القضية “كم نخسر عندما نتقاعد”. ويتوقف هؤلاء عند نقطتين تتقدمان كل الاعتراضات: تعديل معاملات احتساب الراتب التقاعدي، ثم نسبة الخصم التراكمية المرتبطة بالتقاعد المبكر، حيث يرى كثيرون أن خصم 4% عن كل سنة تسبق سن الشيخوخة قد يحوّل التقاعد المبكر من خيار أمان إلى عقوبة مالية قاسية، فتخرج معادلة جديدة تقول للناس: ادفع أكثر، واعمل مدة أطول، ثم استلم أقل.
هذا الإحساس بالظلم يتضاعف حين تُطرح فكرة التطبيق بأثر رجعي أو عندما يشعر المشترك أن ما اتفق عليه منذ لحظة دخوله النظام يتغيّر وهو في منتصف الطريق. في نظرهم، أي تعديل يمسّ المشتركين القائمين يضرب جوهر الثقة، والثقة هنا رأس مال النظام كله. وحين تهتز الثقة، يبدأ الناس بالبحث عن مخارج: وقف الاشتراك الاختياري، التفكير بصرف الدفعة الواحدة، أو الانسحاب الكامل من أي التزام طويل الأمد. وهذه في رأيهم خسارة للضمان قبل أن تكون خسارة للأفراد.
في المقابل، هناك من يرى أن الاستدامة المالية ما عادت ترفًا، وأن الصندوق يحتاج مسارات تصحيح كي يستمر في الوفاء بالتزاماته. لكن الاعتراض الشعبي لا يتجه نحو فكرة الاستدامة بحد ذاتها، يتجه نحو “منطق التوزيع”: لماذا تُحمَّل الفاتورة أساسًا على فئات رواتبها متواضعة أو على موظفي القطاع الخاص الذين يدفعون لسنوات ثم يواجهون واقعًا قاسيًا في سوق العمل؟ كثيرون يذكّرون بواقع الإعلانات التي تضع سقوفًا عمرية للتوظيف تقف عند منتصف الأربعينيات، ما يجعل العمل بعد ذلك أصعب بكثير، ويحوّل انتظار سن الشيخوخة إلى مقامرة لا يملكها من يفقد عمله أو يتعرض لمرض مزمن أو لتراجع قدرته على الاستمرار في المهنة.
ومن زاوية أخرى، يتقدم ملف المغتربين والمشتركين اختياريًا كجرح مفتوح. فهؤلاء – بحسب ما يتداوله كثيرون – بنوا خططهم المالية على مسار اشتراك واضح، فإذا تغيّر المسار احتاجوا سنوات إضافية وكلفًا أكبر، مع خسارة سنوات رواتب كانوا يراهنون عليها. وفي عالم يعيش على التزامات ومواعيد وعودات نهائية إلى البلد، تبدو التعديلات كأنها تقول للمغترب: خطتك تحتاج إعادة كتابة كاملة، ثم ادفع الفاتورة وحدك.
ويتوسع الجدل ليصل إلى قضية العدالة بين الأجيال والفئات، لا في سن التقاعد فقط، بل في الفروق الحادة التي قد تنشأ بين من تقاعد قبل تاريخ محدد ومن تقاعد بعده بشهر واحد، أو بين من استوفى اشتراكات كبيرة ولم يشمله التدرج، وبين من يملك اشتراكات أقل ويحصل على مسار تدرجي. هذا النوع من المفارقات – كما يراه المعترضون – يحوّل القانون إلى شبكة استثناءات وتواريخ فاصلة أكثر من كونه قاعدة عامة تحقق الإنصاف.
وسط هذا كله، تظهر مطالبات لا تتعلق بالنص وحده، تتعلق بمنظومة الإدارة والرقابة: أين ذهبت موارد الضمان؟ من المسؤول عن أي هدر أو قرارات استثمارية فاشلة؟ ولماذا تتكرر رواية “إنقاذ الصندوق” من جيب المشترك العادي، بينما تبقى ملفات الرواتب التقاعدية العالية جدًا لبعض الفئات محل جدل دائم؟ هنا يصبح النقاش سياسيًا واجتماعيًا بقدر ما هو مالي، لأن الناس تقرأ أي تعديل على أنه اختبار للعدالة قبل أن يكون اختبارًا للأرقام.
ولأن الملف يمسّ ملايين الأردنيين، ترتفع التوقعات من مجلس النواب تحديدًا. المواطنون يريدون موقفًا واضحًا: رقابة حقيقية، مساءلة لأسباب الوصول إلى هذه اللحظة، ثم قرار تشريعي يوازن بين بقاء الصندوق وكرامة من بنوا هذا الصندوق من رواتبهم واقتطاعاتهم. وفي النهاية، يبقى السؤال الذي يضغط على كل هذا الضجيج: إذا كان الهدف حماية الضمان، فكيف تُحمى الثقة أولًا، وكيف يُقنع المشترك أن ما ينتظره في آخر الطريق “أمان” لا “خسارة محسوبة”؟
التعليقات