أخبار اليوم - كانت الليلة الأولى للحرب على غزة قد بدأت لتوها. سهرةٌ عائليٌّة انفضت في منزل الجدّ عوني الدوس، قبل أن يصعد ابنه محمد مع طفليه وزوجته إلى شقتهم، استعدادًا للنوم، لكن الشاب بات فجأة تحت الأنقاض، يتشبث بالحياة وسط جراحه وأنفاسه المحبوسة، ويصرخ: 'راكان.. عبد الرحمن..'.
في غمرة الدخان، والركام الجاثم على صدره، تحسس المكان الذي كان دافئًا قبل ثوانٍ، يبحث عن طفليه، وزوجته، أملا في ألا يتركوه وحيدًا، يمد يده النازفة لعل أحدًا يلتقطها، فيصطدم بصوت شخير، قائلا في نفسه: 'أحدهم يلفظ روحه'.
فقد وعيه للحظات، بينما عقله يموج بعشرات الأفكار عن ثلاثة أجيال من عائلته كانت في المنزل، وحاصره واقعٌ جديد، لم يخطر بباله يومًا، بات هو دون اختيار منه، شاهدًا عليه، و'ضحية' لمآسيه.
يوم مفصلي
في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، وتحديدا في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فوجئ الثلاثيني محمد وعائلته بتطورات دراماتيكية للأحداث: غارات إسرائيلية، تهديد ووعيد من مسؤولي الاحتلال، شهداء ومصابون تسيل دماؤهم في الشوارع. أدركت العائلة أن ثمة عدوانًا جديدًا قد بدأ.
'توجه أخي عادل صباحًا لشراء بعض الحاجيات وكيسين من الدقيق، خشية تطور الأمور'. يعود محمد لـ 'فلسطين أون لاين'، بهذه الكلمات إلى يوم مفصلي في حياته. هكذا ظنوا أنها حرب تشبه سابقاتها.
عند المغرب، اجتمع الجد الدوس وزوجته وأبناؤه الذكور وأحفاده جميعًا في صالة بيته كما اعتادوا يوميا. وفي منزل العائلة، يقطن الرجل في الطابق الثاني، بينما يتقاسم ابناه عادل وعمر الطابق الأول، ويقيم ابناه محمد وأسامة في الدور الثالث.
بحذرٍ وريبة على وقع العدوان، تفرق الجمع. كلٌّ إلى شقته باستثناء أخيهم مهند، الأعزب الوحيد في العائلة، بقي في غرفته. لم يكن محمد يعلم أن هذه الخطوات البسيطة نحو السرير ستكون الأخيرة في حضن العائلة كاملة.
بنبرة خاوية، يقول محمد: جلست في غرفتي، حينها كان طفلي راكان (4 أعوام) يلعب بهاتفي الجوال، وشقيقه الأصغر عبد الرحمن يلعب على كتفي، وجلست زوجتي مقابلنا.
كانت زوجته حاملا، في منتصف الشهر التاسع، وتنتظر لحظة الولادة بعد أسبوعين، تمتم محمد في أذنها:
- الله يستر.
- يارب.. أجابت بخوف.
قطعت دعاءها ضربة جوية إسرائيلية لمنزل العائلة دون تحذير.
سمع محمد صوت الانهيار فقط، وشعر بأنه طار في الجو. كل ذلك حدث في ثوان. سقطوا على السرير نفسه، وفوقهم الردم.
تحدث مع زوجته بصوت متشقق: 'فيكِ اشي؟' فأجابت: 'لا، مخنوقة من الردم بس'.
للوهلة الأولى لم يستوعب محمد ما حدث. كتم الغبار والأتربة أنفاسه. نادى راكان وعبد الرحمن وزوجته في ظلام دامس. تحسس المكان من حوله، فوجد ثلاثتهم.
كان راكان أبعد منهما قليلا وبالكاد عثر عليه. سمع صوت أحدهم كأنه يحتضر، قال في نفسه: هذا إما عبود أو راكان. لكنه كان عبود يشخر بسبب الاختناق، ولم يستشهد.
بدأ محمد يفقد وعيه، ثم استرده سريعا، يُمني نفسه لو أنه يستطيع إزالة الركام الجاثم عليه وعلى عائلته.
هرع الناس وفرق الدفاع المدني وانتشلوا الجميع من تحت الأنقاض، إلى مركبات الإسعاف. استغرق محمد الليل كله، وهو ينادي: أبي، أمي، إخوتي: عادل، عمر، أسامة، مهند.
فاجعة
في صباح اليوم التالي، وعلى وقع استمرار العدوان، أخبره أقرباؤه بالفاجعة بينما يعالج في المستشفى. استشهد الجميع، باستثناء زوجته وطفله عبد الرحمن.
يقول محمد: ثبتني الله في تلك اللحظة. أحضروا لي راكان لأودعه. يصمت لوهلة، ويتابع: إصابتي حرمتني من وداع معظم أفراد العائلة.
انتشلت جثامين الشهداء في ليلة المجزرة ذاتها. لكن محمد يقول: ربما بقيت يد شهيد، لسنا متأكدين، لأنها تمزقت، ولم يبق منها أثر، لم ينتشل أهلي كاملين.
كانت الغارة كزلزال، اهتزت له الأرض بعد إصابة المبنى بصاروخين، وحولته إلى أثر بعد عين، أو كما يشبهه محمد بـ'الكفتة'.
في اليوم التالي لإصابتها، خضعت زوجته لعملية توليد قيسري، وأنجبت طفلتها 'ابتسام'.
'كنا في حيرة قبل الحرب ماذا نسمها؟، لدرجة أن ولادتها اقتربت ولم نحسم أمرنا، لكنها حين ولدت جاء اسمها معها، على اسم جدتها الشهيدة'، يتابع بابتسامة يرسمها بالكاد على وجهه.
أصيب محمد بجروح بليغة وبتر في قدمه، وجرح في الرأس والكتف، وخضع لثلاث عمليات جراحية.
رحلة تشرد
مع إصاباته الجسدية والنفسية، واجه محمد الحرب مرتين.
أجبر مع عائلته على النزوح مرات عدة، تحت النار وأوامر الإخلاء القسري الإسرائيلية، حاملاً معه ذكريات الحياة الضائعة، في رحلة تشرد ممتدة.
وفي خضم نزوحه في السنة الأولى للحرب، أصيبت طفلته ابتسام بتشجنات، وانقطعت عن الرضاعة، لتتبين بعد فحوصات طبية، إصابتها بنزيف في الدماغ.
مكث معها في المستشفى شهرا، ثم سافرت زوجته مع طفليه: عبد الرحمن وابتسام، عبر معبر رفح الحدودي مع مصر للعلاج، دون أن يتمكن هو من مرافقتهم.
وهكذا حتى احتلت (إسرائيل) المعبر من الجانب الفلسطيني في مايو/أيار 2024، وحال إغلاقه بينه وبين زوجته وطفليه، ليواصل حياة بلا حياة.
طيف دائم الحضور
لم يبق لمحمد سوى بعض الصور والمقتنيات، والكثير من الذكريات.
في شقة مدمرة جزئيا، استأجرها أخيرا ليقيم فيها غرب مدينة غزة مع عائلة زوجته، يجوب الحنين مشاعره، ويقض مضجعه.
يخلع الشاب حذاءه ليريح قدمه اليسرى المبتورة، دون أن يجد ما يريح قلبه. يستذكر راكان، قائلا بدمع براق: لا أحد مثله، أرجو أن يرزقني الله بطفل مثله تماما.
'راكان، كان نابضا بالحياة، يضحك ويلعب ويحفظ سور القرآن'. اندفع محمد في حديثه عن طفله الشهيد.
ينفطر قلبه أيضا على والده السبعيني، الذي تشارك معه حلو الحياة ومرها. يضيء محمد 'كشاف الهاتف الجوال' وسط الانقطاع المستمر للكهرباء، مستذكرا بلسان ثقيل كيف كانا يفلحان أرضا اشتراها أخواه عادل، وممدوح الذي يقيم خارج فلسطين منذ زمن: 'جمعتنا مواقف جميلة، وكنا سعيدين بحصاد الزيتون'.
أما أمه، فطيفها دائم الحضور في خياله. 'عندما أرى سيدة في الشارع تمشي وتضع منديلا أبيض، أتخيل أمي'، يقول بنبرة دافئة.
بينما ابتسام، الابنة الكبرى لأخيه الأربعيني الشهيد عادل فكانت تدرس الثانوية العامة، انتظرت الوصول إلى هذه المرحلة بفارغ الصبر.
توقعت العائلة أن تحصل على 98% في 'التوجيهي'، وكانت شقيقتها روند (16 عاما) متفوقة أيضًا وأخوهما عوني (12 عاما) كان ذكيا، هكذا يصفهما محمد.
استشهد كذلك شقيقاهم الأوسط أحمد (11 عاما)، وزيد ذو الأعوام الأربعة آنذاك.
يمسك محمد دموعه، مستذكرا أيضا أشقاءه الشهداء عمر ومهند، وأسامة، الذي استشهدت زوجته وطفلهما آدم.
إبادة متعمدة
مع كل خطوة على قدمه المبتورة، وكل ذكرى تمر في ذهنه، أدرك محمد أن حياته لم تعد كما كانت. كل شيء فقد قيمته، حتى الضحك أصبح مجرد صدى بعيد. لم يعد يزاحم من أجل الدنيا.
يوزع النظرات في مكان إقامته الجديد، كأنما يتحسس فراغا في قلبه. يقول: الحياة تغيرت 180 درجة، وأكثر.
يضم يديه بعدما لسعه البرد لقرب الشقة المتضررة من البحر وانعدام وسائل التدفئة، مضيفا: فقد الأهل يسبب صدمة كبيرة، وحزنا، لا تستطيع الحديث مع غيرك، ممكن أن تضحك لكن ليس من قلبك، تتذكرهم، تضع رأسك على الوسادة وأنت تبكي، لا ولن تنساهم.
يقول: قصفوا البيت بعد اجتماعنا كلنا. كنت قبل المجزرة أصطحب طفلي للبقالة، وكذلك أخي عمر، لكن الاحتلال اختار استهداف المنزل بينما كنا في سهرة عائلية.
لم يتوقع أن يبيد الاحتلال عائلته، لكنه فعلها في اليوم الأول من الحرب، التي أباد خلالها آلاف الأسر بالكامل أو لم ينجُ منها سوى فردٍ واحد، وفق بيان للمكتب الإعلامي الحكومي في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
بخطوات ثقيلة، بدأ محمد محاولاته للعودة إلى الحياة من خلال العمل سائقا، أما أمنيته فهي الاجتماع بزوجته وطفليه المغتربين.
وفي كل خطوة، يقفز أمام عينيه مشهد اجتماع العائلة، ولعب طفله راكان على السرير، ولسان حاله يقول ما قاله الشاعر محمود درويش يوما: 'ونحن لَم نَحلُم.. بأكثَر مِن حَياةٍ كَالحَياة!'.
فلسطين أون لاين
أخبار اليوم - كانت الليلة الأولى للحرب على غزة قد بدأت لتوها. سهرةٌ عائليٌّة انفضت في منزل الجدّ عوني الدوس، قبل أن يصعد ابنه محمد مع طفليه وزوجته إلى شقتهم، استعدادًا للنوم، لكن الشاب بات فجأة تحت الأنقاض، يتشبث بالحياة وسط جراحه وأنفاسه المحبوسة، ويصرخ: 'راكان.. عبد الرحمن..'.
في غمرة الدخان، والركام الجاثم على صدره، تحسس المكان الذي كان دافئًا قبل ثوانٍ، يبحث عن طفليه، وزوجته، أملا في ألا يتركوه وحيدًا، يمد يده النازفة لعل أحدًا يلتقطها، فيصطدم بصوت شخير، قائلا في نفسه: 'أحدهم يلفظ روحه'.
فقد وعيه للحظات، بينما عقله يموج بعشرات الأفكار عن ثلاثة أجيال من عائلته كانت في المنزل، وحاصره واقعٌ جديد، لم يخطر بباله يومًا، بات هو دون اختيار منه، شاهدًا عليه، و'ضحية' لمآسيه.
يوم مفصلي
في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، وتحديدا في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فوجئ الثلاثيني محمد وعائلته بتطورات دراماتيكية للأحداث: غارات إسرائيلية، تهديد ووعيد من مسؤولي الاحتلال، شهداء ومصابون تسيل دماؤهم في الشوارع. أدركت العائلة أن ثمة عدوانًا جديدًا قد بدأ.
'توجه أخي عادل صباحًا لشراء بعض الحاجيات وكيسين من الدقيق، خشية تطور الأمور'. يعود محمد لـ 'فلسطين أون لاين'، بهذه الكلمات إلى يوم مفصلي في حياته. هكذا ظنوا أنها حرب تشبه سابقاتها.
عند المغرب، اجتمع الجد الدوس وزوجته وأبناؤه الذكور وأحفاده جميعًا في صالة بيته كما اعتادوا يوميا. وفي منزل العائلة، يقطن الرجل في الطابق الثاني، بينما يتقاسم ابناه عادل وعمر الطابق الأول، ويقيم ابناه محمد وأسامة في الدور الثالث.
بحذرٍ وريبة على وقع العدوان، تفرق الجمع. كلٌّ إلى شقته باستثناء أخيهم مهند، الأعزب الوحيد في العائلة، بقي في غرفته. لم يكن محمد يعلم أن هذه الخطوات البسيطة نحو السرير ستكون الأخيرة في حضن العائلة كاملة.
بنبرة خاوية، يقول محمد: جلست في غرفتي، حينها كان طفلي راكان (4 أعوام) يلعب بهاتفي الجوال، وشقيقه الأصغر عبد الرحمن يلعب على كتفي، وجلست زوجتي مقابلنا.
كانت زوجته حاملا، في منتصف الشهر التاسع، وتنتظر لحظة الولادة بعد أسبوعين، تمتم محمد في أذنها:
- الله يستر.
- يارب.. أجابت بخوف.
قطعت دعاءها ضربة جوية إسرائيلية لمنزل العائلة دون تحذير.
سمع محمد صوت الانهيار فقط، وشعر بأنه طار في الجو. كل ذلك حدث في ثوان. سقطوا على السرير نفسه، وفوقهم الردم.
تحدث مع زوجته بصوت متشقق: 'فيكِ اشي؟' فأجابت: 'لا، مخنوقة من الردم بس'.
للوهلة الأولى لم يستوعب محمد ما حدث. كتم الغبار والأتربة أنفاسه. نادى راكان وعبد الرحمن وزوجته في ظلام دامس. تحسس المكان من حوله، فوجد ثلاثتهم.
كان راكان أبعد منهما قليلا وبالكاد عثر عليه. سمع صوت أحدهم كأنه يحتضر، قال في نفسه: هذا إما عبود أو راكان. لكنه كان عبود يشخر بسبب الاختناق، ولم يستشهد.
بدأ محمد يفقد وعيه، ثم استرده سريعا، يُمني نفسه لو أنه يستطيع إزالة الركام الجاثم عليه وعلى عائلته.
هرع الناس وفرق الدفاع المدني وانتشلوا الجميع من تحت الأنقاض، إلى مركبات الإسعاف. استغرق محمد الليل كله، وهو ينادي: أبي، أمي، إخوتي: عادل، عمر، أسامة، مهند.
فاجعة
في صباح اليوم التالي، وعلى وقع استمرار العدوان، أخبره أقرباؤه بالفاجعة بينما يعالج في المستشفى. استشهد الجميع، باستثناء زوجته وطفله عبد الرحمن.
يقول محمد: ثبتني الله في تلك اللحظة. أحضروا لي راكان لأودعه. يصمت لوهلة، ويتابع: إصابتي حرمتني من وداع معظم أفراد العائلة.
انتشلت جثامين الشهداء في ليلة المجزرة ذاتها. لكن محمد يقول: ربما بقيت يد شهيد، لسنا متأكدين، لأنها تمزقت، ولم يبق منها أثر، لم ينتشل أهلي كاملين.
كانت الغارة كزلزال، اهتزت له الأرض بعد إصابة المبنى بصاروخين، وحولته إلى أثر بعد عين، أو كما يشبهه محمد بـ'الكفتة'.
في اليوم التالي لإصابتها، خضعت زوجته لعملية توليد قيسري، وأنجبت طفلتها 'ابتسام'.
'كنا في حيرة قبل الحرب ماذا نسمها؟، لدرجة أن ولادتها اقتربت ولم نحسم أمرنا، لكنها حين ولدت جاء اسمها معها، على اسم جدتها الشهيدة'، يتابع بابتسامة يرسمها بالكاد على وجهه.
أصيب محمد بجروح بليغة وبتر في قدمه، وجرح في الرأس والكتف، وخضع لثلاث عمليات جراحية.
رحلة تشرد
مع إصاباته الجسدية والنفسية، واجه محمد الحرب مرتين.
أجبر مع عائلته على النزوح مرات عدة، تحت النار وأوامر الإخلاء القسري الإسرائيلية، حاملاً معه ذكريات الحياة الضائعة، في رحلة تشرد ممتدة.
وفي خضم نزوحه في السنة الأولى للحرب، أصيبت طفلته ابتسام بتشجنات، وانقطعت عن الرضاعة، لتتبين بعد فحوصات طبية، إصابتها بنزيف في الدماغ.
مكث معها في المستشفى شهرا، ثم سافرت زوجته مع طفليه: عبد الرحمن وابتسام، عبر معبر رفح الحدودي مع مصر للعلاج، دون أن يتمكن هو من مرافقتهم.
وهكذا حتى احتلت (إسرائيل) المعبر من الجانب الفلسطيني في مايو/أيار 2024، وحال إغلاقه بينه وبين زوجته وطفليه، ليواصل حياة بلا حياة.
طيف دائم الحضور
لم يبق لمحمد سوى بعض الصور والمقتنيات، والكثير من الذكريات.
في شقة مدمرة جزئيا، استأجرها أخيرا ليقيم فيها غرب مدينة غزة مع عائلة زوجته، يجوب الحنين مشاعره، ويقض مضجعه.
يخلع الشاب حذاءه ليريح قدمه اليسرى المبتورة، دون أن يجد ما يريح قلبه. يستذكر راكان، قائلا بدمع براق: لا أحد مثله، أرجو أن يرزقني الله بطفل مثله تماما.
'راكان، كان نابضا بالحياة، يضحك ويلعب ويحفظ سور القرآن'. اندفع محمد في حديثه عن طفله الشهيد.
ينفطر قلبه أيضا على والده السبعيني، الذي تشارك معه حلو الحياة ومرها. يضيء محمد 'كشاف الهاتف الجوال' وسط الانقطاع المستمر للكهرباء، مستذكرا بلسان ثقيل كيف كانا يفلحان أرضا اشتراها أخواه عادل، وممدوح الذي يقيم خارج فلسطين منذ زمن: 'جمعتنا مواقف جميلة، وكنا سعيدين بحصاد الزيتون'.
أما أمه، فطيفها دائم الحضور في خياله. 'عندما أرى سيدة في الشارع تمشي وتضع منديلا أبيض، أتخيل أمي'، يقول بنبرة دافئة.
بينما ابتسام، الابنة الكبرى لأخيه الأربعيني الشهيد عادل فكانت تدرس الثانوية العامة، انتظرت الوصول إلى هذه المرحلة بفارغ الصبر.
توقعت العائلة أن تحصل على 98% في 'التوجيهي'، وكانت شقيقتها روند (16 عاما) متفوقة أيضًا وأخوهما عوني (12 عاما) كان ذكيا، هكذا يصفهما محمد.
استشهد كذلك شقيقاهم الأوسط أحمد (11 عاما)، وزيد ذو الأعوام الأربعة آنذاك.
يمسك محمد دموعه، مستذكرا أيضا أشقاءه الشهداء عمر ومهند، وأسامة، الذي استشهدت زوجته وطفلهما آدم.
إبادة متعمدة
مع كل خطوة على قدمه المبتورة، وكل ذكرى تمر في ذهنه، أدرك محمد أن حياته لم تعد كما كانت. كل شيء فقد قيمته، حتى الضحك أصبح مجرد صدى بعيد. لم يعد يزاحم من أجل الدنيا.
يوزع النظرات في مكان إقامته الجديد، كأنما يتحسس فراغا في قلبه. يقول: الحياة تغيرت 180 درجة، وأكثر.
يضم يديه بعدما لسعه البرد لقرب الشقة المتضررة من البحر وانعدام وسائل التدفئة، مضيفا: فقد الأهل يسبب صدمة كبيرة، وحزنا، لا تستطيع الحديث مع غيرك، ممكن أن تضحك لكن ليس من قلبك، تتذكرهم، تضع رأسك على الوسادة وأنت تبكي، لا ولن تنساهم.
يقول: قصفوا البيت بعد اجتماعنا كلنا. كنت قبل المجزرة أصطحب طفلي للبقالة، وكذلك أخي عمر، لكن الاحتلال اختار استهداف المنزل بينما كنا في سهرة عائلية.
لم يتوقع أن يبيد الاحتلال عائلته، لكنه فعلها في اليوم الأول من الحرب، التي أباد خلالها آلاف الأسر بالكامل أو لم ينجُ منها سوى فردٍ واحد، وفق بيان للمكتب الإعلامي الحكومي في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
بخطوات ثقيلة، بدأ محمد محاولاته للعودة إلى الحياة من خلال العمل سائقا، أما أمنيته فهي الاجتماع بزوجته وطفليه المغتربين.
وفي كل خطوة، يقفز أمام عينيه مشهد اجتماع العائلة، ولعب طفله راكان على السرير، ولسان حاله يقول ما قاله الشاعر محمود درويش يوما: 'ونحن لَم نَحلُم.. بأكثَر مِن حَياةٍ كَالحَياة!'.
فلسطين أون لاين
أخبار اليوم - كانت الليلة الأولى للحرب على غزة قد بدأت لتوها. سهرةٌ عائليٌّة انفضت في منزل الجدّ عوني الدوس، قبل أن يصعد ابنه محمد مع طفليه وزوجته إلى شقتهم، استعدادًا للنوم، لكن الشاب بات فجأة تحت الأنقاض، يتشبث بالحياة وسط جراحه وأنفاسه المحبوسة، ويصرخ: 'راكان.. عبد الرحمن..'.
في غمرة الدخان، والركام الجاثم على صدره، تحسس المكان الذي كان دافئًا قبل ثوانٍ، يبحث عن طفليه، وزوجته، أملا في ألا يتركوه وحيدًا، يمد يده النازفة لعل أحدًا يلتقطها، فيصطدم بصوت شخير، قائلا في نفسه: 'أحدهم يلفظ روحه'.
فقد وعيه للحظات، بينما عقله يموج بعشرات الأفكار عن ثلاثة أجيال من عائلته كانت في المنزل، وحاصره واقعٌ جديد، لم يخطر بباله يومًا، بات هو دون اختيار منه، شاهدًا عليه، و'ضحية' لمآسيه.
يوم مفصلي
في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، وتحديدا في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، فوجئ الثلاثيني محمد وعائلته بتطورات دراماتيكية للأحداث: غارات إسرائيلية، تهديد ووعيد من مسؤولي الاحتلال، شهداء ومصابون تسيل دماؤهم في الشوارع. أدركت العائلة أن ثمة عدوانًا جديدًا قد بدأ.
'توجه أخي عادل صباحًا لشراء بعض الحاجيات وكيسين من الدقيق، خشية تطور الأمور'. يعود محمد لـ 'فلسطين أون لاين'، بهذه الكلمات إلى يوم مفصلي في حياته. هكذا ظنوا أنها حرب تشبه سابقاتها.
عند المغرب، اجتمع الجد الدوس وزوجته وأبناؤه الذكور وأحفاده جميعًا في صالة بيته كما اعتادوا يوميا. وفي منزل العائلة، يقطن الرجل في الطابق الثاني، بينما يتقاسم ابناه عادل وعمر الطابق الأول، ويقيم ابناه محمد وأسامة في الدور الثالث.
بحذرٍ وريبة على وقع العدوان، تفرق الجمع. كلٌّ إلى شقته باستثناء أخيهم مهند، الأعزب الوحيد في العائلة، بقي في غرفته. لم يكن محمد يعلم أن هذه الخطوات البسيطة نحو السرير ستكون الأخيرة في حضن العائلة كاملة.
بنبرة خاوية، يقول محمد: جلست في غرفتي، حينها كان طفلي راكان (4 أعوام) يلعب بهاتفي الجوال، وشقيقه الأصغر عبد الرحمن يلعب على كتفي، وجلست زوجتي مقابلنا.
كانت زوجته حاملا، في منتصف الشهر التاسع، وتنتظر لحظة الولادة بعد أسبوعين، تمتم محمد في أذنها:
- الله يستر.
- يارب.. أجابت بخوف.
قطعت دعاءها ضربة جوية إسرائيلية لمنزل العائلة دون تحذير.
سمع محمد صوت الانهيار فقط، وشعر بأنه طار في الجو. كل ذلك حدث في ثوان. سقطوا على السرير نفسه، وفوقهم الردم.
تحدث مع زوجته بصوت متشقق: 'فيكِ اشي؟' فأجابت: 'لا، مخنوقة من الردم بس'.
للوهلة الأولى لم يستوعب محمد ما حدث. كتم الغبار والأتربة أنفاسه. نادى راكان وعبد الرحمن وزوجته في ظلام دامس. تحسس المكان من حوله، فوجد ثلاثتهم.
كان راكان أبعد منهما قليلا وبالكاد عثر عليه. سمع صوت أحدهم كأنه يحتضر، قال في نفسه: هذا إما عبود أو راكان. لكنه كان عبود يشخر بسبب الاختناق، ولم يستشهد.
بدأ محمد يفقد وعيه، ثم استرده سريعا، يُمني نفسه لو أنه يستطيع إزالة الركام الجاثم عليه وعلى عائلته.
هرع الناس وفرق الدفاع المدني وانتشلوا الجميع من تحت الأنقاض، إلى مركبات الإسعاف. استغرق محمد الليل كله، وهو ينادي: أبي، أمي، إخوتي: عادل، عمر، أسامة، مهند.
فاجعة
في صباح اليوم التالي، وعلى وقع استمرار العدوان، أخبره أقرباؤه بالفاجعة بينما يعالج في المستشفى. استشهد الجميع، باستثناء زوجته وطفله عبد الرحمن.
يقول محمد: ثبتني الله في تلك اللحظة. أحضروا لي راكان لأودعه. يصمت لوهلة، ويتابع: إصابتي حرمتني من وداع معظم أفراد العائلة.
انتشلت جثامين الشهداء في ليلة المجزرة ذاتها. لكن محمد يقول: ربما بقيت يد شهيد، لسنا متأكدين، لأنها تمزقت، ولم يبق منها أثر، لم ينتشل أهلي كاملين.
كانت الغارة كزلزال، اهتزت له الأرض بعد إصابة المبنى بصاروخين، وحولته إلى أثر بعد عين، أو كما يشبهه محمد بـ'الكفتة'.
في اليوم التالي لإصابتها، خضعت زوجته لعملية توليد قيسري، وأنجبت طفلتها 'ابتسام'.
'كنا في حيرة قبل الحرب ماذا نسمها؟، لدرجة أن ولادتها اقتربت ولم نحسم أمرنا، لكنها حين ولدت جاء اسمها معها، على اسم جدتها الشهيدة'، يتابع بابتسامة يرسمها بالكاد على وجهه.
أصيب محمد بجروح بليغة وبتر في قدمه، وجرح في الرأس والكتف، وخضع لثلاث عمليات جراحية.
رحلة تشرد
مع إصاباته الجسدية والنفسية، واجه محمد الحرب مرتين.
أجبر مع عائلته على النزوح مرات عدة، تحت النار وأوامر الإخلاء القسري الإسرائيلية، حاملاً معه ذكريات الحياة الضائعة، في رحلة تشرد ممتدة.
وفي خضم نزوحه في السنة الأولى للحرب، أصيبت طفلته ابتسام بتشجنات، وانقطعت عن الرضاعة، لتتبين بعد فحوصات طبية، إصابتها بنزيف في الدماغ.
مكث معها في المستشفى شهرا، ثم سافرت زوجته مع طفليه: عبد الرحمن وابتسام، عبر معبر رفح الحدودي مع مصر للعلاج، دون أن يتمكن هو من مرافقتهم.
وهكذا حتى احتلت (إسرائيل) المعبر من الجانب الفلسطيني في مايو/أيار 2024، وحال إغلاقه بينه وبين زوجته وطفليه، ليواصل حياة بلا حياة.
طيف دائم الحضور
لم يبق لمحمد سوى بعض الصور والمقتنيات، والكثير من الذكريات.
في شقة مدمرة جزئيا، استأجرها أخيرا ليقيم فيها غرب مدينة غزة مع عائلة زوجته، يجوب الحنين مشاعره، ويقض مضجعه.
يخلع الشاب حذاءه ليريح قدمه اليسرى المبتورة، دون أن يجد ما يريح قلبه. يستذكر راكان، قائلا بدمع براق: لا أحد مثله، أرجو أن يرزقني الله بطفل مثله تماما.
'راكان، كان نابضا بالحياة، يضحك ويلعب ويحفظ سور القرآن'. اندفع محمد في حديثه عن طفله الشهيد.
ينفطر قلبه أيضا على والده السبعيني، الذي تشارك معه حلو الحياة ومرها. يضيء محمد 'كشاف الهاتف الجوال' وسط الانقطاع المستمر للكهرباء، مستذكرا بلسان ثقيل كيف كانا يفلحان أرضا اشتراها أخواه عادل، وممدوح الذي يقيم خارج فلسطين منذ زمن: 'جمعتنا مواقف جميلة، وكنا سعيدين بحصاد الزيتون'.
أما أمه، فطيفها دائم الحضور في خياله. 'عندما أرى سيدة في الشارع تمشي وتضع منديلا أبيض، أتخيل أمي'، يقول بنبرة دافئة.
بينما ابتسام، الابنة الكبرى لأخيه الأربعيني الشهيد عادل فكانت تدرس الثانوية العامة، انتظرت الوصول إلى هذه المرحلة بفارغ الصبر.
توقعت العائلة أن تحصل على 98% في 'التوجيهي'، وكانت شقيقتها روند (16 عاما) متفوقة أيضًا وأخوهما عوني (12 عاما) كان ذكيا، هكذا يصفهما محمد.
استشهد كذلك شقيقاهم الأوسط أحمد (11 عاما)، وزيد ذو الأعوام الأربعة آنذاك.
يمسك محمد دموعه، مستذكرا أيضا أشقاءه الشهداء عمر ومهند، وأسامة، الذي استشهدت زوجته وطفلهما آدم.
إبادة متعمدة
مع كل خطوة على قدمه المبتورة، وكل ذكرى تمر في ذهنه، أدرك محمد أن حياته لم تعد كما كانت. كل شيء فقد قيمته، حتى الضحك أصبح مجرد صدى بعيد. لم يعد يزاحم من أجل الدنيا.
يوزع النظرات في مكان إقامته الجديد، كأنما يتحسس فراغا في قلبه. يقول: الحياة تغيرت 180 درجة، وأكثر.
يضم يديه بعدما لسعه البرد لقرب الشقة المتضررة من البحر وانعدام وسائل التدفئة، مضيفا: فقد الأهل يسبب صدمة كبيرة، وحزنا، لا تستطيع الحديث مع غيرك، ممكن أن تضحك لكن ليس من قلبك، تتذكرهم، تضع رأسك على الوسادة وأنت تبكي، لا ولن تنساهم.
يقول: قصفوا البيت بعد اجتماعنا كلنا. كنت قبل المجزرة أصطحب طفلي للبقالة، وكذلك أخي عمر، لكن الاحتلال اختار استهداف المنزل بينما كنا في سهرة عائلية.
لم يتوقع أن يبيد الاحتلال عائلته، لكنه فعلها في اليوم الأول من الحرب، التي أباد خلالها آلاف الأسر بالكامل أو لم ينجُ منها سوى فردٍ واحد، وفق بيان للمكتب الإعلامي الحكومي في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
بخطوات ثقيلة، بدأ محمد محاولاته للعودة إلى الحياة من خلال العمل سائقا، أما أمنيته فهي الاجتماع بزوجته وطفليه المغتربين.
وفي كل خطوة، يقفز أمام عينيه مشهد اجتماع العائلة، ولعب طفله راكان على السرير، ولسان حاله يقول ما قاله الشاعر محمود درويش يوما: 'ونحن لَم نَحلُم.. بأكثَر مِن حَياةٍ كَالحَياة!'.
فلسطين أون لاين
التعليقات