أخبار اليوم - بين عامي 2006 و 2022، عاش المنتخب الفرنسي أكبر مغامرة له: من مأساة برلين إلى الانتصار في روسيا، مروراً بجحيم كنيسنا.
من النطحة في برلين إلى الثلاثية في الدوحة، رحلة فرنسا بين عامي 2006 و2022؛ هي حكاية انهيار ونهضة.. إنها قصة أمة حوّلت العار إلى قوة، وصاغت هويةً أصبحت فيها المرونة أعظم فنونها.
في التاسع من يوليو 2006، بالعاصمة الألمانية برلين؛ دوّت صافرة نهاية مباراة فرنسا وإيطاليا، كـ'جرس الموت في مأساة إغريقية'.
هذه الصافرة أكدت سقوط أسطورة زين الدين زيدان، مع نهاية وحشية لعصر منتخب فرنسا الذهبي.
'بطاقة حمراء، نظرة فارغة وكأس مُلامس لكن لم يُمس'.. كلها مظاهر شكلت الصورة المُتجمدة عبر الزمن، للسقوط الفرنسي الكبير في نهائي كأس العالم 2006.
وبعد ستة عشر عامًا وتحديدًا في 18 ديسمبر 2022، في الدوحة القطرية؛ دوّت صافرة هزيمة أخرى للفرنسيين، لكنها كانت بطعم الانتصار في روعتها هذه المرة.
إنها هزيمة لا تُنهي المسيرة، بل تؤكد وجود سلالة كروية جديدة للفرنسيين؛ بقيادة الملك كيليان مبابي، صاحب الثلاثية المُذهلة في الشباك الأرجنتينية.
وبين نهائيي كأس العالم 2006 و2022؛ عاشت فرنسا واحدة من أكثر الملاحم إثارة في تاريخ كرة القدم الدولية، في العصر الحديث.
دورة كاملة من الموت والولادة من جديد، من عار مُطلق إلى مجد أبدي.. إنها قصة منتخب وطني أعاد بناء روحه بدقة، وتخلص من شياطينه، وصاغ هوية جديدة أكثر صلابة وعملية؛ بعد أن وصل إلى الحضيض.
لم تبدأ مغامرة كأس العالم 2006 بانفجار، بل بهمسة قلق.. فرنسا التي تقدم بها العمر وافتقرت للإلهام؛ تأهلت بصعوبة من دور المجموعات بتعادلين، مما أثار شكوكًا كبيرة حول قدرتها على الفوز باللقب.
لكن.. هذا الفريق تم إنقاذه من الانهيار؛ بفضل عودة المخضرمين 'كلود ماكيليلي وليليان تورام'، وقبل كل شيء زين الدين زيدان.
وبعد عودته من اعتزاله الدولي قبل عام، اعتُبر تواجد زيدان بمثابة المنقذ للفرنسيين؛ حيث صرّح تيري هنري وقتها، قائلًا: 'الله موجود، وقد عاد إلى المنتخب الفرنسي'.
عبارة هنري كشفت عن خلل بنيوي كبير في فرنسا؛ وهو اعتماد الفريق شبه الكامل، على رجل واحد فقط.
وكانت المباراة النهائية لبطولة كأس العالم 2006، على ملعب برلين الأولمبي، المسرح الأمثل لأداء المايسترو الأروع؛ ففي الدقيقة السابعة افتتح زيدان التسجيل بـ'ركلة جزاء' على طريقة بانينكا، في لفتةٍ جريئة تجسد عبقريته وثقته المطلقة.
سيطرت فرنسا على مجريات المباراة، واعترف مدافع إيطاليا ماركو ماتيراتزي لاحقًا؛ بتفوق 'الديوك' في تلك الليلة، دون أدنى شك.
وفي الوقت الإضافي.. سدد زيدان رأسية قوية أبعدها الحارس الإيطالي جيانلويجي بوفون بأعجوبة؛ حيث كانت هذه اللحظة، هي التي يجب أن يتحقق فيها الحلم الفرنسي بالتتويج باللقب.
وبدلًا من ذلك؛ وجد ماتيراتزي نفسه على الأرض في الدقيقة 110، بدون تنافس على الكرة.. ليتساءل الجميع: 'ماذا حدث؟!'.
ما حدث وقتها كان واحدة من أشهر الوقائع في تاريخ اللعبة؛ استفزاز لفظي من ماتيراتزي حول شقيقة زيدان، قوبل برد سريع كالبرق، وذلك بنطحة عنيفة ووحشية من الأسطورة الفرنسية على صدر اللاعب الإيطالي.
رُفعت البطاقة الحمراء.. وأصبحت صورة زيدان وهو يمشي ورأسه منحنٍ أمام الكأس عائدًا إلى غرفة الملابس، رمزًا للهزيمة المأساوية.
انهار الفريق الفرنسي نفسيًا بعد فقدان قائده، وخسر بركلات الترجيح.
رد الفعل الوطني في فرنسا، كان عبارة عن حالة من الصدمة؛ لكن رغم ذلك.. لم يُدمر هذا التصرف أسطورة زيدان في البلاد، بل أضاف بُعدًا إنسانيًا جعل إرثه أقوى.
وبالنسبة للمنتخب الفرنسي نفسه، كانت العواقب وخيمة.. انتهى 'جيل زيدان'؛ فقد خلق رحيل الرجل الوحيد القادر على الحفاظ على تماسك الفريق، فراغًا هائلاً في السلطة.
ولم يكن أحد مستعدًا لتولي زمام الأمور وقتها؛ وبُذرت بذور 'هزيمة كنيسنا'، على أرضية ملعب برلين.
فترة ما بعد عام 2006، كانت بمثابة التدهور البطيء والمؤلم؛ حيث كانت بطولة أمم أوروبا 2008 كارثية، وذلك بخروج منتخب فرنسا من الدور الأول وبهدفٍ واحد فقط.
هذه البطولة اُختتِمت بعرض زواج مفاجئ من المدرب ريمون دومينيك، على الهواء مباشرة؛ بعد دقائق من الهزيمة أمام إيطاليا.
وفي الوقت نفسه.. شاب تأهل المنتخب الفرنسي لكأس العالم 2010، الكثير من الجدل؛ وذلك بسبب لمسة يد هنري الشهيرة، في مباراة الملحق ضد أيرلندا.
لذا؛ كان هذا الفريق الفرنسي يُعاني من أزمة شرعية، قبل وصوله إلى جنوب أفريقيا.
وبعد تعادل باهت مع أوروجواي وهزيمة أمام المكسيك؛ طغت أزمة مؤسسية على الأزمة الرياضية.. ففي استراحة الشوط الأول من مباراة المكسيك، اندلع شجار عنيف بين نيكولاس أنيلكا ودومينيك.
أشعلت الإهانات، التي نُشرت على الصفحة الأولى من صحيفة 'ليكيب'، فتيل الأزمة؛ حيث قرر الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، طرد أنيلكا من المنتخب.
وفي 20 يونيو 2010.. سطّر المنتخب الفرنسي لكرة القدم فصلًا مظلمًا في تاريخه؛ ففي ملعب تدريب 'نايسنا'، رفض اللاعبون مغادرة حافلتهم.. أُسدلت الستائر؛ بينما كانت كاميرات من مختلف أنحاء العالم، تُصوّر مشهدًا سرياليًا.
أثار مدرب اللياقة البدنية روبرت دوفرن، غضبًا شديدًا، فألقى ساعته، واضطرّوا للفصل بينه وبين قائد الفريق باتريس إيفرا.
أما دومينيك، فقد أُجبِر على قراءة بيان كتبه اللاعبون للصحافة؛ ليُمثّل ذلك انهيارًا تامًا للسلطة المؤسسية، وعملًا غير مسبوق من التحدي؛ حيث تمرّد لاعبون أثرياء، في خضمّ بطولة كأس العالم.
الخروج من الدور الأول في بطولة كأس العالم 2010؛ كان مجرد إجراء شكلي، وعادت فرنسا إلى ديارها مُخزية.
فُتح تحقيق برلماني - وهو أمر نادر الحدوث في المسائل الرياضية -، وأصبح المنتخب الفرنسي أضحوكة عالمية ورمزًا للخلل والأنانية؛ فما حدث في 'نايسنا' تجاوز حدود الرياضة، لقد كان إفلاسًا لنظامٍ بأكمله.
ورث لوران بلان فريقًا مُنهكًا؛ حيث عُيّن على وجه السرعة خلفًا لدومينيك، وكُلّف بطل العالم عام 1998 بمهمة تطهير الفريق من العناصر السامة، واستعادة بعض الكرامة.
بلان بدأ ولايته بقرارات قوية، تمثّلت في عدم استدعاء أي من أبطال واقعة 'كنيسنا'؛ لكن سرعان ما واجه المدرب عاصفة أخرى، وهي 'فضيحة الحصص'.
التسريبات كشفت عن أن الاتحاد الفرنسي لكرة القدم فكّر في تقليص عدد اللاعبين مزدوجي الجنسية، في مراكز التدريب؛ وهو نقاش حسّاس هزّ أركان كرة القدم في البلاد، والتي يُفترض أنها رائدة التنوع.
أصبحت بطولة أمم أوروبا 2012 في أوكرانيا وبولندا، بمثابة الاختبار الحقيقي؛ حيث تمكّن المنتخب الفرنسي الذي أضعفه رحيل لاعبين أساسيين مثل كريم بنزيما، من بلوغ ربع النهائي.
لكن الهزيمة أمام إسبانيا، حاملة لقب بطولة العالم وبطلة أوروبا مرتين؛ كشفت عن حدود المشروع.
نجح بلان في تثبيت الفريق دون أن يقوده نحو القمة؛ حيث كانت فرنسا بحاجة إلى رجلٍ لا يقتصر دوره على إخماد الحرائق، بل يتعداه إلى إعادة بناء الأسس.
في يوليو 2012، عُيّن ديدييه ديشان مدربًا للمنتخب الفرنسي؛ حيث بدا الاختيار شبه حتمي؛ فبطل العالم 1998 وبطل أوروبا 2000 كقائد، جسّد القيادة وعقلية الفوز.
لكن أيضًا.. ديشان شخصية مثيرة للجدل؛ فهو لاعب خط وسط دفاعي سابق ذو أسلوب لعب عملي، لطالما سخر منه الناس؛ ولا سيما إريك كانتونا الذي لقّبه بـ'حامل الماء'، والعامل الذي يقوم بالأعمال الشاقة دون أن يلمع.
ومع ذلك، كانت هذه العقلية العملية تحديدًا، والتضحية لخدمة الفريق؛ هي ما جعلت ديشان النموذج الأمثل لفرنسا، ما بعد 'كنيسنا'.
فرض ديشان رؤيته فورًا؛ والتي تمثّلت في أن تماسك الفريق هو الأهم، لا نجوم فوق المساءلة، ولا تساهل مع السلوك المنحرف.
لم يسعَ ديشان إلى كرة القدم الجميلة التي يُقدّرها بعض المُتعصبين؛ بل بنى فريقًا متماسكًا يصعب هزيمته، قادر على تحمل الصعاب والتكيف معها.
أثارت براغماتيته بعض الانتقادات؛ لكنه لم يكترث، فالنتائج هي كل ما يهمه.
كانت بطولة كأس العالم 2014 في البرازيل، بمثابة اختبار قاسٍ لديشان.. أبهر المنتخب الفرنسي المُتجدد والطموح، بأدائه الهجومي في دور المجموعات.
كان بنزيما في أوج عطائه بقميص المنتخب، مدعومًا بحيوية المواهب الشابة وقتها؛ مثل أنطوان جريزمان وبول بوجبا.
لكن في ربع النهائي أمام ألمانيا، سقطت فرنسا.. كان الإحباط شديدًا، لكن التقييم كان مُشجعًا؛ فلقد اكتسب الفريق زخمًا.
مثّلت بطولة أمم أوروبا 2016، التي استضافتها فرنسا، فرصة ذهبية، ولكنها كانت أيضًا فخًا منيعًا.. كان ضغط الإعلام هائلًا، وتوقعت البلاد بأسرها الفوز باللقب على أرضها.
أدار ديشان الفريق بحزم شديد.. استبعد لاعبين غير منضبطين مثل حاتم بن عرفة وبنزيما، الذي تورط في فضيحة ابتزاز ماتيو فالبوينا بشريط جنسي، والتي تصدرت عناوين الصحف الفرنسية؛ حيث أعطى المدرب الأولوية للاستقرار، على حساب التألق الفردي.
كان الأداء تحت السيطرة حتى المباراة النهائية.. أقصت فرنسا، أيرلندا وأيسلندا تباعًا، والأهم من ذلك ألمانيا في نصف النهائي.
اهتز ملعب فرنسا؛ لكن المباراة النهائية ضد البرتغال، تحولت إلى كابوس.
غادر الأسطورة كريستيانو رونالدو الملعب مصابًا في الشوط الأول؛ ومع ذلك.. كانت البرتغال هي من انتزعت الفوز في الوقت الإضافي بهدف إيدر.
كان الإحباط هائلاً بعد هزيمة فرنسا الثالثة في النهائي، خلال عشر سنوات.
لكن على عكس عام 2006، لم تُؤدِّ هذه الهزيمة إلى انهيار الفريق.. أظهر منتخب فرنسا قوة ذهنية ومرونة.. صمدت الأسس التي وضعها ديشان، حيث كانت هذه القدرة على امتصاص الصدمات دون الانهيار، ثمرة عمله الدؤوب على تماسك الفريق.
بطولة كأس العالم 2018 في روسيا، كانت بمثابة تحفة ديشان.. أثبت المدرب أسلوبه، الذي غالبًا ما يُنتقد لافتقاره إلى الجمالية، ويُوصف بأنه 'قبيح'.
تخلت فرنسا عن الاستحواذ على الكرة - 49% فقط في المتوسط -؛ ما جعلها تحتل المركز العشرين في البطولة، لصالح خط دفاعي متماسك، مصمم لسد المساحات وشن هجمات مرتدة مدمرة.
صُمم هذا النظام خصيصًا للاعبيه: العمل الدؤوب لنجولو كانتي وبليز ماتويدي، ورؤية بوجبا، ولعب أوليفييه جيرو المحوري؛ وقبل كل شيء السرعة الخاطفة لجريزمان، والموهبة الشابة وقتها مبابي.
كانت مسيرة الفريق في الأدوار الإقصائية نموذجًا للإدارة التكتيكية: فوضى مُنظمة ضد الأرجنتين (4-3)؛ السيطرة على أوروجواي (2-0)؛ والانضباط الحديدي أمام بلجيكا (1-0)؛ والفعالية الحاسمة في المباراة النهائية ضد كرواتيا (4-2).
هذا الفوز كان ثمرة جهود عدة رجال؛ من بينهم ديشان، العقل المدبر الذي أسكت منتقديه بإثبات صحة هوسه ببناء فريق 'يصعب هزيمته'، إلى جانب مبابي النجم الصاعد الذي سطع نجمه على الساحة العالمية.
أيضًا.. كان جيرو رمزًا لهذا الانتصار؛ فبصفته عنصرًا أساسيًا في الفريق، لم يسجل هدفًا واحدًا في البطولة، في تضحية كانت لتُعتبر مستحيلة بالنسبة للأفراد المنفردين في الأجيال السابقة.
لم يكن انتصار 2018 مجرد قوز رياضي، بل كان انتصارًا فكريًا، وبرهانًا على أن الفريق الموحد والمنضبط قادر على التفوق على مجموعة من المواهب المتفرقة.. كان هذا هو الانتقام الأمثل لـ'كنيسنا'.
انتصار 2018 لم يكن وليد الصدفة.. كان ذلك ثمرة نظام تطوير استثنائي، جوهرته المعهد الوطني لكرة القدم في كليرفونتين، الواقع في منطقة باريس؛ حيث أصبح هذا المركز التدريبي والتطويري، مرجعًا عالميًا.
أثمرت فلسفة الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، التي تركز على تطوير لاعبين متكاملين فنيًا، أذكياء تكتيكيًا، ومتعددي المهارات، عن قاعدة مواهب لا مثيل لها.. وهذا ما يفسر قدرة فرنسا على تحمل خسارة العديد من اللاعبين العالميين مثل 'بوجبا، كانتي، وبنزيما'، قبيل انطلاق كأس العالم، ومع ذلك الوصول إلى المباراة النهائية.
إذا كان عام 2018 قد كشف عن موهبة فذة، فقد أكدت السنوات اللاحقة بزوغ نجم جديد.
مبابي.. أصغر هداف لفرنسا في كأس العالم، وثاني أصغر لاعب في التاريخ بعد بيليه، يسجل في نهائي؛ انتقل من كونه موهبة واعدة إلى قائد لا يُنازع.
ثلاثيته في نهائي كأس العالم 2022، ضد منتخب الأرجنتين، والتي أجبرت المباراة على وقت إضافي بمفردها تقريبًا؛ رسخت مكانته كوريث للعظماء.
ومع ذلك.. لا يمكن سرد حقبة ديشان، دون التطرق إلى قضية بنزيما.. فبعد فضيحة الشريط الجنسي التي تورط فيها مع فالبوينا عام 2015؛ اتخذ المدير الفني لمنتخب فرنسا قرارًا جريئًا، بالاستغناء عن مهاجمه الأكثر موهبة، مُعطيًا الأولوية لتوازن الفريق.
وفي تحول عملي، استدعى بنزيما لبطولة أمم أوروبا 2021، مُقرًا بمستواه الاستثنائي مع ريال مدريد وقتها.
لكن المهاجم تعرض لإصابة قبل انطلاق كأس العالم 2022 مباشرةً، وغادر الفريق في ظروف مثيرة للجدل؛ وسط روايات متضاربة للأحداث، مما أثار جدلًا جديدًا.
تُجسد هذه القصة المفارقة الأساسية في إدارة ديشان.. البراغماتية التكيفية؛ حيث يُمكن تجاوز المبادئ، إذا كان الفوز على المحك.
شهد كأس العالم 2022 نهاية جيل أبطال العالم.. فبعد البطولة، اعتزل نجومٌ كبار مثل هوجو لوريس ورافاييل فاران دوليًا، ثم جيرو لاحقًا؛ حيث أُسدل الستار رسميًا على 'جيل جريزمان'.
في الوقت نفسه.. أكدت البطولة صعود الجيل الجديد؛ حيث برز لاعبون مثل أوريليان تشواميني كركائز أساسية، ضامنين انتقالًا سلسًا واستمرارًا للتميز.
كانت المباراة النهائية لكأس العالم 2022 ضد الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي، نقيضًا مثاليًا لمباراة برلين.. فبعد تأخر فرنسا بهدفين نظيفين وتفوق خصمها عليها تمامًا طوال 80 دقيقة، لم تستسلم.
على عكس منتخب 2006 الذي انهار بعد خسارة زيدان؛ قاد مبابي الاستثنائي منتخب 2022، لواحدة من أروع 'الريمونتادات' في تاريخ النهائيات.
هذه المرونة، وهذا الرفض القاطع للهزيمة؛ هما السمة الأبرز لعصر ديشان.. إنها الصلابة الذهنية التي صقلها جحيم 'كنيسنا'، ودموع يورو 2016.
وفي النهاية.. يُمكن تلخيص تقييم ديشان النهائي؛ بالمهندس الذي تولى قيادة فريقٍ يعاني من انهيارٍ أخلاقي ووصمة عارٍ وطنية، ليحوّله إلى قوة عالمية عظمى.
وبفضل لقب عالمي واحد، وانتصاره في دوري الأمم الأوروبية؛ أصبح ديشان أحد أعظم المدربين الدوليين.. لن يُذكر كفيلسوفٍ لكرة القدم الجميلة، بل كباني آلاتٍ للفوز.
ويبدو أن التاريخ يُعيد نفسه إلى نقطة البداية.. ديشان أعلن أنه سيترك منصبه بعد كأس العالم 2026، ولخلافته يلوح في الأفق اسم واحد فقط؛ وهو زيدان.
هذه الفرضية تبدو طبيعية؛ لدرجة أن ديشان نفسه أقرّ بها؛ بالقول: 'سيكون الخيار المثالي'، فهو الرجل الذي أشعل رحيله المأساوي في برلين، شرارة هذه الدورة الممتدة لستة عشر عامًا من الفوضى إلى إعادة البناء.
أخبار اليوم - بين عامي 2006 و 2022، عاش المنتخب الفرنسي أكبر مغامرة له: من مأساة برلين إلى الانتصار في روسيا، مروراً بجحيم كنيسنا.
من النطحة في برلين إلى الثلاثية في الدوحة، رحلة فرنسا بين عامي 2006 و2022؛ هي حكاية انهيار ونهضة.. إنها قصة أمة حوّلت العار إلى قوة، وصاغت هويةً أصبحت فيها المرونة أعظم فنونها.
في التاسع من يوليو 2006، بالعاصمة الألمانية برلين؛ دوّت صافرة نهاية مباراة فرنسا وإيطاليا، كـ'جرس الموت في مأساة إغريقية'.
هذه الصافرة أكدت سقوط أسطورة زين الدين زيدان، مع نهاية وحشية لعصر منتخب فرنسا الذهبي.
'بطاقة حمراء، نظرة فارغة وكأس مُلامس لكن لم يُمس'.. كلها مظاهر شكلت الصورة المُتجمدة عبر الزمن، للسقوط الفرنسي الكبير في نهائي كأس العالم 2006.
وبعد ستة عشر عامًا وتحديدًا في 18 ديسمبر 2022، في الدوحة القطرية؛ دوّت صافرة هزيمة أخرى للفرنسيين، لكنها كانت بطعم الانتصار في روعتها هذه المرة.
إنها هزيمة لا تُنهي المسيرة، بل تؤكد وجود سلالة كروية جديدة للفرنسيين؛ بقيادة الملك كيليان مبابي، صاحب الثلاثية المُذهلة في الشباك الأرجنتينية.
وبين نهائيي كأس العالم 2006 و2022؛ عاشت فرنسا واحدة من أكثر الملاحم إثارة في تاريخ كرة القدم الدولية، في العصر الحديث.
دورة كاملة من الموت والولادة من جديد، من عار مُطلق إلى مجد أبدي.. إنها قصة منتخب وطني أعاد بناء روحه بدقة، وتخلص من شياطينه، وصاغ هوية جديدة أكثر صلابة وعملية؛ بعد أن وصل إلى الحضيض.
لم تبدأ مغامرة كأس العالم 2006 بانفجار، بل بهمسة قلق.. فرنسا التي تقدم بها العمر وافتقرت للإلهام؛ تأهلت بصعوبة من دور المجموعات بتعادلين، مما أثار شكوكًا كبيرة حول قدرتها على الفوز باللقب.
لكن.. هذا الفريق تم إنقاذه من الانهيار؛ بفضل عودة المخضرمين 'كلود ماكيليلي وليليان تورام'، وقبل كل شيء زين الدين زيدان.
وبعد عودته من اعتزاله الدولي قبل عام، اعتُبر تواجد زيدان بمثابة المنقذ للفرنسيين؛ حيث صرّح تيري هنري وقتها، قائلًا: 'الله موجود، وقد عاد إلى المنتخب الفرنسي'.
عبارة هنري كشفت عن خلل بنيوي كبير في فرنسا؛ وهو اعتماد الفريق شبه الكامل، على رجل واحد فقط.
وكانت المباراة النهائية لبطولة كأس العالم 2006، على ملعب برلين الأولمبي، المسرح الأمثل لأداء المايسترو الأروع؛ ففي الدقيقة السابعة افتتح زيدان التسجيل بـ'ركلة جزاء' على طريقة بانينكا، في لفتةٍ جريئة تجسد عبقريته وثقته المطلقة.
سيطرت فرنسا على مجريات المباراة، واعترف مدافع إيطاليا ماركو ماتيراتزي لاحقًا؛ بتفوق 'الديوك' في تلك الليلة، دون أدنى شك.
وفي الوقت الإضافي.. سدد زيدان رأسية قوية أبعدها الحارس الإيطالي جيانلويجي بوفون بأعجوبة؛ حيث كانت هذه اللحظة، هي التي يجب أن يتحقق فيها الحلم الفرنسي بالتتويج باللقب.
وبدلًا من ذلك؛ وجد ماتيراتزي نفسه على الأرض في الدقيقة 110، بدون تنافس على الكرة.. ليتساءل الجميع: 'ماذا حدث؟!'.
ما حدث وقتها كان واحدة من أشهر الوقائع في تاريخ اللعبة؛ استفزاز لفظي من ماتيراتزي حول شقيقة زيدان، قوبل برد سريع كالبرق، وذلك بنطحة عنيفة ووحشية من الأسطورة الفرنسية على صدر اللاعب الإيطالي.
رُفعت البطاقة الحمراء.. وأصبحت صورة زيدان وهو يمشي ورأسه منحنٍ أمام الكأس عائدًا إلى غرفة الملابس، رمزًا للهزيمة المأساوية.
انهار الفريق الفرنسي نفسيًا بعد فقدان قائده، وخسر بركلات الترجيح.
رد الفعل الوطني في فرنسا، كان عبارة عن حالة من الصدمة؛ لكن رغم ذلك.. لم يُدمر هذا التصرف أسطورة زيدان في البلاد، بل أضاف بُعدًا إنسانيًا جعل إرثه أقوى.
وبالنسبة للمنتخب الفرنسي نفسه، كانت العواقب وخيمة.. انتهى 'جيل زيدان'؛ فقد خلق رحيل الرجل الوحيد القادر على الحفاظ على تماسك الفريق، فراغًا هائلاً في السلطة.
ولم يكن أحد مستعدًا لتولي زمام الأمور وقتها؛ وبُذرت بذور 'هزيمة كنيسنا'، على أرضية ملعب برلين.
فترة ما بعد عام 2006، كانت بمثابة التدهور البطيء والمؤلم؛ حيث كانت بطولة أمم أوروبا 2008 كارثية، وذلك بخروج منتخب فرنسا من الدور الأول وبهدفٍ واحد فقط.
هذه البطولة اُختتِمت بعرض زواج مفاجئ من المدرب ريمون دومينيك، على الهواء مباشرة؛ بعد دقائق من الهزيمة أمام إيطاليا.
وفي الوقت نفسه.. شاب تأهل المنتخب الفرنسي لكأس العالم 2010، الكثير من الجدل؛ وذلك بسبب لمسة يد هنري الشهيرة، في مباراة الملحق ضد أيرلندا.
لذا؛ كان هذا الفريق الفرنسي يُعاني من أزمة شرعية، قبل وصوله إلى جنوب أفريقيا.
وبعد تعادل باهت مع أوروجواي وهزيمة أمام المكسيك؛ طغت أزمة مؤسسية على الأزمة الرياضية.. ففي استراحة الشوط الأول من مباراة المكسيك، اندلع شجار عنيف بين نيكولاس أنيلكا ودومينيك.
أشعلت الإهانات، التي نُشرت على الصفحة الأولى من صحيفة 'ليكيب'، فتيل الأزمة؛ حيث قرر الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، طرد أنيلكا من المنتخب.
وفي 20 يونيو 2010.. سطّر المنتخب الفرنسي لكرة القدم فصلًا مظلمًا في تاريخه؛ ففي ملعب تدريب 'نايسنا'، رفض اللاعبون مغادرة حافلتهم.. أُسدلت الستائر؛ بينما كانت كاميرات من مختلف أنحاء العالم، تُصوّر مشهدًا سرياليًا.
أثار مدرب اللياقة البدنية روبرت دوفرن، غضبًا شديدًا، فألقى ساعته، واضطرّوا للفصل بينه وبين قائد الفريق باتريس إيفرا.
أما دومينيك، فقد أُجبِر على قراءة بيان كتبه اللاعبون للصحافة؛ ليُمثّل ذلك انهيارًا تامًا للسلطة المؤسسية، وعملًا غير مسبوق من التحدي؛ حيث تمرّد لاعبون أثرياء، في خضمّ بطولة كأس العالم.
الخروج من الدور الأول في بطولة كأس العالم 2010؛ كان مجرد إجراء شكلي، وعادت فرنسا إلى ديارها مُخزية.
فُتح تحقيق برلماني - وهو أمر نادر الحدوث في المسائل الرياضية -، وأصبح المنتخب الفرنسي أضحوكة عالمية ورمزًا للخلل والأنانية؛ فما حدث في 'نايسنا' تجاوز حدود الرياضة، لقد كان إفلاسًا لنظامٍ بأكمله.
ورث لوران بلان فريقًا مُنهكًا؛ حيث عُيّن على وجه السرعة خلفًا لدومينيك، وكُلّف بطل العالم عام 1998 بمهمة تطهير الفريق من العناصر السامة، واستعادة بعض الكرامة.
بلان بدأ ولايته بقرارات قوية، تمثّلت في عدم استدعاء أي من أبطال واقعة 'كنيسنا'؛ لكن سرعان ما واجه المدرب عاصفة أخرى، وهي 'فضيحة الحصص'.
التسريبات كشفت عن أن الاتحاد الفرنسي لكرة القدم فكّر في تقليص عدد اللاعبين مزدوجي الجنسية، في مراكز التدريب؛ وهو نقاش حسّاس هزّ أركان كرة القدم في البلاد، والتي يُفترض أنها رائدة التنوع.
أصبحت بطولة أمم أوروبا 2012 في أوكرانيا وبولندا، بمثابة الاختبار الحقيقي؛ حيث تمكّن المنتخب الفرنسي الذي أضعفه رحيل لاعبين أساسيين مثل كريم بنزيما، من بلوغ ربع النهائي.
لكن الهزيمة أمام إسبانيا، حاملة لقب بطولة العالم وبطلة أوروبا مرتين؛ كشفت عن حدود المشروع.
نجح بلان في تثبيت الفريق دون أن يقوده نحو القمة؛ حيث كانت فرنسا بحاجة إلى رجلٍ لا يقتصر دوره على إخماد الحرائق، بل يتعداه إلى إعادة بناء الأسس.
في يوليو 2012، عُيّن ديدييه ديشان مدربًا للمنتخب الفرنسي؛ حيث بدا الاختيار شبه حتمي؛ فبطل العالم 1998 وبطل أوروبا 2000 كقائد، جسّد القيادة وعقلية الفوز.
لكن أيضًا.. ديشان شخصية مثيرة للجدل؛ فهو لاعب خط وسط دفاعي سابق ذو أسلوب لعب عملي، لطالما سخر منه الناس؛ ولا سيما إريك كانتونا الذي لقّبه بـ'حامل الماء'، والعامل الذي يقوم بالأعمال الشاقة دون أن يلمع.
ومع ذلك، كانت هذه العقلية العملية تحديدًا، والتضحية لخدمة الفريق؛ هي ما جعلت ديشان النموذج الأمثل لفرنسا، ما بعد 'كنيسنا'.
فرض ديشان رؤيته فورًا؛ والتي تمثّلت في أن تماسك الفريق هو الأهم، لا نجوم فوق المساءلة، ولا تساهل مع السلوك المنحرف.
لم يسعَ ديشان إلى كرة القدم الجميلة التي يُقدّرها بعض المُتعصبين؛ بل بنى فريقًا متماسكًا يصعب هزيمته، قادر على تحمل الصعاب والتكيف معها.
أثارت براغماتيته بعض الانتقادات؛ لكنه لم يكترث، فالنتائج هي كل ما يهمه.
كانت بطولة كأس العالم 2014 في البرازيل، بمثابة اختبار قاسٍ لديشان.. أبهر المنتخب الفرنسي المُتجدد والطموح، بأدائه الهجومي في دور المجموعات.
كان بنزيما في أوج عطائه بقميص المنتخب، مدعومًا بحيوية المواهب الشابة وقتها؛ مثل أنطوان جريزمان وبول بوجبا.
لكن في ربع النهائي أمام ألمانيا، سقطت فرنسا.. كان الإحباط شديدًا، لكن التقييم كان مُشجعًا؛ فلقد اكتسب الفريق زخمًا.
مثّلت بطولة أمم أوروبا 2016، التي استضافتها فرنسا، فرصة ذهبية، ولكنها كانت أيضًا فخًا منيعًا.. كان ضغط الإعلام هائلًا، وتوقعت البلاد بأسرها الفوز باللقب على أرضها.
أدار ديشان الفريق بحزم شديد.. استبعد لاعبين غير منضبطين مثل حاتم بن عرفة وبنزيما، الذي تورط في فضيحة ابتزاز ماتيو فالبوينا بشريط جنسي، والتي تصدرت عناوين الصحف الفرنسية؛ حيث أعطى المدرب الأولوية للاستقرار، على حساب التألق الفردي.
كان الأداء تحت السيطرة حتى المباراة النهائية.. أقصت فرنسا، أيرلندا وأيسلندا تباعًا، والأهم من ذلك ألمانيا في نصف النهائي.
اهتز ملعب فرنسا؛ لكن المباراة النهائية ضد البرتغال، تحولت إلى كابوس.
غادر الأسطورة كريستيانو رونالدو الملعب مصابًا في الشوط الأول؛ ومع ذلك.. كانت البرتغال هي من انتزعت الفوز في الوقت الإضافي بهدف إيدر.
كان الإحباط هائلاً بعد هزيمة فرنسا الثالثة في النهائي، خلال عشر سنوات.
لكن على عكس عام 2006، لم تُؤدِّ هذه الهزيمة إلى انهيار الفريق.. أظهر منتخب فرنسا قوة ذهنية ومرونة.. صمدت الأسس التي وضعها ديشان، حيث كانت هذه القدرة على امتصاص الصدمات دون الانهيار، ثمرة عمله الدؤوب على تماسك الفريق.
بطولة كأس العالم 2018 في روسيا، كانت بمثابة تحفة ديشان.. أثبت المدرب أسلوبه، الذي غالبًا ما يُنتقد لافتقاره إلى الجمالية، ويُوصف بأنه 'قبيح'.
تخلت فرنسا عن الاستحواذ على الكرة - 49% فقط في المتوسط -؛ ما جعلها تحتل المركز العشرين في البطولة، لصالح خط دفاعي متماسك، مصمم لسد المساحات وشن هجمات مرتدة مدمرة.
صُمم هذا النظام خصيصًا للاعبيه: العمل الدؤوب لنجولو كانتي وبليز ماتويدي، ورؤية بوجبا، ولعب أوليفييه جيرو المحوري؛ وقبل كل شيء السرعة الخاطفة لجريزمان، والموهبة الشابة وقتها مبابي.
كانت مسيرة الفريق في الأدوار الإقصائية نموذجًا للإدارة التكتيكية: فوضى مُنظمة ضد الأرجنتين (4-3)؛ السيطرة على أوروجواي (2-0)؛ والانضباط الحديدي أمام بلجيكا (1-0)؛ والفعالية الحاسمة في المباراة النهائية ضد كرواتيا (4-2).
هذا الفوز كان ثمرة جهود عدة رجال؛ من بينهم ديشان، العقل المدبر الذي أسكت منتقديه بإثبات صحة هوسه ببناء فريق 'يصعب هزيمته'، إلى جانب مبابي النجم الصاعد الذي سطع نجمه على الساحة العالمية.
أيضًا.. كان جيرو رمزًا لهذا الانتصار؛ فبصفته عنصرًا أساسيًا في الفريق، لم يسجل هدفًا واحدًا في البطولة، في تضحية كانت لتُعتبر مستحيلة بالنسبة للأفراد المنفردين في الأجيال السابقة.
لم يكن انتصار 2018 مجرد قوز رياضي، بل كان انتصارًا فكريًا، وبرهانًا على أن الفريق الموحد والمنضبط قادر على التفوق على مجموعة من المواهب المتفرقة.. كان هذا هو الانتقام الأمثل لـ'كنيسنا'.
انتصار 2018 لم يكن وليد الصدفة.. كان ذلك ثمرة نظام تطوير استثنائي، جوهرته المعهد الوطني لكرة القدم في كليرفونتين، الواقع في منطقة باريس؛ حيث أصبح هذا المركز التدريبي والتطويري، مرجعًا عالميًا.
أثمرت فلسفة الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، التي تركز على تطوير لاعبين متكاملين فنيًا، أذكياء تكتيكيًا، ومتعددي المهارات، عن قاعدة مواهب لا مثيل لها.. وهذا ما يفسر قدرة فرنسا على تحمل خسارة العديد من اللاعبين العالميين مثل 'بوجبا، كانتي، وبنزيما'، قبيل انطلاق كأس العالم، ومع ذلك الوصول إلى المباراة النهائية.
إذا كان عام 2018 قد كشف عن موهبة فذة، فقد أكدت السنوات اللاحقة بزوغ نجم جديد.
مبابي.. أصغر هداف لفرنسا في كأس العالم، وثاني أصغر لاعب في التاريخ بعد بيليه، يسجل في نهائي؛ انتقل من كونه موهبة واعدة إلى قائد لا يُنازع.
ثلاثيته في نهائي كأس العالم 2022، ضد منتخب الأرجنتين، والتي أجبرت المباراة على وقت إضافي بمفردها تقريبًا؛ رسخت مكانته كوريث للعظماء.
ومع ذلك.. لا يمكن سرد حقبة ديشان، دون التطرق إلى قضية بنزيما.. فبعد فضيحة الشريط الجنسي التي تورط فيها مع فالبوينا عام 2015؛ اتخذ المدير الفني لمنتخب فرنسا قرارًا جريئًا، بالاستغناء عن مهاجمه الأكثر موهبة، مُعطيًا الأولوية لتوازن الفريق.
وفي تحول عملي، استدعى بنزيما لبطولة أمم أوروبا 2021، مُقرًا بمستواه الاستثنائي مع ريال مدريد وقتها.
لكن المهاجم تعرض لإصابة قبل انطلاق كأس العالم 2022 مباشرةً، وغادر الفريق في ظروف مثيرة للجدل؛ وسط روايات متضاربة للأحداث، مما أثار جدلًا جديدًا.
تُجسد هذه القصة المفارقة الأساسية في إدارة ديشان.. البراغماتية التكيفية؛ حيث يُمكن تجاوز المبادئ، إذا كان الفوز على المحك.
شهد كأس العالم 2022 نهاية جيل أبطال العالم.. فبعد البطولة، اعتزل نجومٌ كبار مثل هوجو لوريس ورافاييل فاران دوليًا، ثم جيرو لاحقًا؛ حيث أُسدل الستار رسميًا على 'جيل جريزمان'.
في الوقت نفسه.. أكدت البطولة صعود الجيل الجديد؛ حيث برز لاعبون مثل أوريليان تشواميني كركائز أساسية، ضامنين انتقالًا سلسًا واستمرارًا للتميز.
كانت المباراة النهائية لكأس العالم 2022 ضد الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي، نقيضًا مثاليًا لمباراة برلين.. فبعد تأخر فرنسا بهدفين نظيفين وتفوق خصمها عليها تمامًا طوال 80 دقيقة، لم تستسلم.
على عكس منتخب 2006 الذي انهار بعد خسارة زيدان؛ قاد مبابي الاستثنائي منتخب 2022، لواحدة من أروع 'الريمونتادات' في تاريخ النهائيات.
هذه المرونة، وهذا الرفض القاطع للهزيمة؛ هما السمة الأبرز لعصر ديشان.. إنها الصلابة الذهنية التي صقلها جحيم 'كنيسنا'، ودموع يورو 2016.
وفي النهاية.. يُمكن تلخيص تقييم ديشان النهائي؛ بالمهندس الذي تولى قيادة فريقٍ يعاني من انهيارٍ أخلاقي ووصمة عارٍ وطنية، ليحوّله إلى قوة عالمية عظمى.
وبفضل لقب عالمي واحد، وانتصاره في دوري الأمم الأوروبية؛ أصبح ديشان أحد أعظم المدربين الدوليين.. لن يُذكر كفيلسوفٍ لكرة القدم الجميلة، بل كباني آلاتٍ للفوز.
ويبدو أن التاريخ يُعيد نفسه إلى نقطة البداية.. ديشان أعلن أنه سيترك منصبه بعد كأس العالم 2026، ولخلافته يلوح في الأفق اسم واحد فقط؛ وهو زيدان.
هذه الفرضية تبدو طبيعية؛ لدرجة أن ديشان نفسه أقرّ بها؛ بالقول: 'سيكون الخيار المثالي'، فهو الرجل الذي أشعل رحيله المأساوي في برلين، شرارة هذه الدورة الممتدة لستة عشر عامًا من الفوضى إلى إعادة البناء.
أخبار اليوم - بين عامي 2006 و 2022، عاش المنتخب الفرنسي أكبر مغامرة له: من مأساة برلين إلى الانتصار في روسيا، مروراً بجحيم كنيسنا.
من النطحة في برلين إلى الثلاثية في الدوحة، رحلة فرنسا بين عامي 2006 و2022؛ هي حكاية انهيار ونهضة.. إنها قصة أمة حوّلت العار إلى قوة، وصاغت هويةً أصبحت فيها المرونة أعظم فنونها.
في التاسع من يوليو 2006، بالعاصمة الألمانية برلين؛ دوّت صافرة نهاية مباراة فرنسا وإيطاليا، كـ'جرس الموت في مأساة إغريقية'.
هذه الصافرة أكدت سقوط أسطورة زين الدين زيدان، مع نهاية وحشية لعصر منتخب فرنسا الذهبي.
'بطاقة حمراء، نظرة فارغة وكأس مُلامس لكن لم يُمس'.. كلها مظاهر شكلت الصورة المُتجمدة عبر الزمن، للسقوط الفرنسي الكبير في نهائي كأس العالم 2006.
وبعد ستة عشر عامًا وتحديدًا في 18 ديسمبر 2022، في الدوحة القطرية؛ دوّت صافرة هزيمة أخرى للفرنسيين، لكنها كانت بطعم الانتصار في روعتها هذه المرة.
إنها هزيمة لا تُنهي المسيرة، بل تؤكد وجود سلالة كروية جديدة للفرنسيين؛ بقيادة الملك كيليان مبابي، صاحب الثلاثية المُذهلة في الشباك الأرجنتينية.
وبين نهائيي كأس العالم 2006 و2022؛ عاشت فرنسا واحدة من أكثر الملاحم إثارة في تاريخ كرة القدم الدولية، في العصر الحديث.
دورة كاملة من الموت والولادة من جديد، من عار مُطلق إلى مجد أبدي.. إنها قصة منتخب وطني أعاد بناء روحه بدقة، وتخلص من شياطينه، وصاغ هوية جديدة أكثر صلابة وعملية؛ بعد أن وصل إلى الحضيض.
لم تبدأ مغامرة كأس العالم 2006 بانفجار، بل بهمسة قلق.. فرنسا التي تقدم بها العمر وافتقرت للإلهام؛ تأهلت بصعوبة من دور المجموعات بتعادلين، مما أثار شكوكًا كبيرة حول قدرتها على الفوز باللقب.
لكن.. هذا الفريق تم إنقاذه من الانهيار؛ بفضل عودة المخضرمين 'كلود ماكيليلي وليليان تورام'، وقبل كل شيء زين الدين زيدان.
وبعد عودته من اعتزاله الدولي قبل عام، اعتُبر تواجد زيدان بمثابة المنقذ للفرنسيين؛ حيث صرّح تيري هنري وقتها، قائلًا: 'الله موجود، وقد عاد إلى المنتخب الفرنسي'.
عبارة هنري كشفت عن خلل بنيوي كبير في فرنسا؛ وهو اعتماد الفريق شبه الكامل، على رجل واحد فقط.
وكانت المباراة النهائية لبطولة كأس العالم 2006، على ملعب برلين الأولمبي، المسرح الأمثل لأداء المايسترو الأروع؛ ففي الدقيقة السابعة افتتح زيدان التسجيل بـ'ركلة جزاء' على طريقة بانينكا، في لفتةٍ جريئة تجسد عبقريته وثقته المطلقة.
سيطرت فرنسا على مجريات المباراة، واعترف مدافع إيطاليا ماركو ماتيراتزي لاحقًا؛ بتفوق 'الديوك' في تلك الليلة، دون أدنى شك.
وفي الوقت الإضافي.. سدد زيدان رأسية قوية أبعدها الحارس الإيطالي جيانلويجي بوفون بأعجوبة؛ حيث كانت هذه اللحظة، هي التي يجب أن يتحقق فيها الحلم الفرنسي بالتتويج باللقب.
وبدلًا من ذلك؛ وجد ماتيراتزي نفسه على الأرض في الدقيقة 110، بدون تنافس على الكرة.. ليتساءل الجميع: 'ماذا حدث؟!'.
ما حدث وقتها كان واحدة من أشهر الوقائع في تاريخ اللعبة؛ استفزاز لفظي من ماتيراتزي حول شقيقة زيدان، قوبل برد سريع كالبرق، وذلك بنطحة عنيفة ووحشية من الأسطورة الفرنسية على صدر اللاعب الإيطالي.
رُفعت البطاقة الحمراء.. وأصبحت صورة زيدان وهو يمشي ورأسه منحنٍ أمام الكأس عائدًا إلى غرفة الملابس، رمزًا للهزيمة المأساوية.
انهار الفريق الفرنسي نفسيًا بعد فقدان قائده، وخسر بركلات الترجيح.
رد الفعل الوطني في فرنسا، كان عبارة عن حالة من الصدمة؛ لكن رغم ذلك.. لم يُدمر هذا التصرف أسطورة زيدان في البلاد، بل أضاف بُعدًا إنسانيًا جعل إرثه أقوى.
وبالنسبة للمنتخب الفرنسي نفسه، كانت العواقب وخيمة.. انتهى 'جيل زيدان'؛ فقد خلق رحيل الرجل الوحيد القادر على الحفاظ على تماسك الفريق، فراغًا هائلاً في السلطة.
ولم يكن أحد مستعدًا لتولي زمام الأمور وقتها؛ وبُذرت بذور 'هزيمة كنيسنا'، على أرضية ملعب برلين.
فترة ما بعد عام 2006، كانت بمثابة التدهور البطيء والمؤلم؛ حيث كانت بطولة أمم أوروبا 2008 كارثية، وذلك بخروج منتخب فرنسا من الدور الأول وبهدفٍ واحد فقط.
هذه البطولة اُختتِمت بعرض زواج مفاجئ من المدرب ريمون دومينيك، على الهواء مباشرة؛ بعد دقائق من الهزيمة أمام إيطاليا.
وفي الوقت نفسه.. شاب تأهل المنتخب الفرنسي لكأس العالم 2010، الكثير من الجدل؛ وذلك بسبب لمسة يد هنري الشهيرة، في مباراة الملحق ضد أيرلندا.
لذا؛ كان هذا الفريق الفرنسي يُعاني من أزمة شرعية، قبل وصوله إلى جنوب أفريقيا.
وبعد تعادل باهت مع أوروجواي وهزيمة أمام المكسيك؛ طغت أزمة مؤسسية على الأزمة الرياضية.. ففي استراحة الشوط الأول من مباراة المكسيك، اندلع شجار عنيف بين نيكولاس أنيلكا ودومينيك.
أشعلت الإهانات، التي نُشرت على الصفحة الأولى من صحيفة 'ليكيب'، فتيل الأزمة؛ حيث قرر الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، طرد أنيلكا من المنتخب.
وفي 20 يونيو 2010.. سطّر المنتخب الفرنسي لكرة القدم فصلًا مظلمًا في تاريخه؛ ففي ملعب تدريب 'نايسنا'، رفض اللاعبون مغادرة حافلتهم.. أُسدلت الستائر؛ بينما كانت كاميرات من مختلف أنحاء العالم، تُصوّر مشهدًا سرياليًا.
أثار مدرب اللياقة البدنية روبرت دوفرن، غضبًا شديدًا، فألقى ساعته، واضطرّوا للفصل بينه وبين قائد الفريق باتريس إيفرا.
أما دومينيك، فقد أُجبِر على قراءة بيان كتبه اللاعبون للصحافة؛ ليُمثّل ذلك انهيارًا تامًا للسلطة المؤسسية، وعملًا غير مسبوق من التحدي؛ حيث تمرّد لاعبون أثرياء، في خضمّ بطولة كأس العالم.
الخروج من الدور الأول في بطولة كأس العالم 2010؛ كان مجرد إجراء شكلي، وعادت فرنسا إلى ديارها مُخزية.
فُتح تحقيق برلماني - وهو أمر نادر الحدوث في المسائل الرياضية -، وأصبح المنتخب الفرنسي أضحوكة عالمية ورمزًا للخلل والأنانية؛ فما حدث في 'نايسنا' تجاوز حدود الرياضة، لقد كان إفلاسًا لنظامٍ بأكمله.
ورث لوران بلان فريقًا مُنهكًا؛ حيث عُيّن على وجه السرعة خلفًا لدومينيك، وكُلّف بطل العالم عام 1998 بمهمة تطهير الفريق من العناصر السامة، واستعادة بعض الكرامة.
بلان بدأ ولايته بقرارات قوية، تمثّلت في عدم استدعاء أي من أبطال واقعة 'كنيسنا'؛ لكن سرعان ما واجه المدرب عاصفة أخرى، وهي 'فضيحة الحصص'.
التسريبات كشفت عن أن الاتحاد الفرنسي لكرة القدم فكّر في تقليص عدد اللاعبين مزدوجي الجنسية، في مراكز التدريب؛ وهو نقاش حسّاس هزّ أركان كرة القدم في البلاد، والتي يُفترض أنها رائدة التنوع.
أصبحت بطولة أمم أوروبا 2012 في أوكرانيا وبولندا، بمثابة الاختبار الحقيقي؛ حيث تمكّن المنتخب الفرنسي الذي أضعفه رحيل لاعبين أساسيين مثل كريم بنزيما، من بلوغ ربع النهائي.
لكن الهزيمة أمام إسبانيا، حاملة لقب بطولة العالم وبطلة أوروبا مرتين؛ كشفت عن حدود المشروع.
نجح بلان في تثبيت الفريق دون أن يقوده نحو القمة؛ حيث كانت فرنسا بحاجة إلى رجلٍ لا يقتصر دوره على إخماد الحرائق، بل يتعداه إلى إعادة بناء الأسس.
في يوليو 2012، عُيّن ديدييه ديشان مدربًا للمنتخب الفرنسي؛ حيث بدا الاختيار شبه حتمي؛ فبطل العالم 1998 وبطل أوروبا 2000 كقائد، جسّد القيادة وعقلية الفوز.
لكن أيضًا.. ديشان شخصية مثيرة للجدل؛ فهو لاعب خط وسط دفاعي سابق ذو أسلوب لعب عملي، لطالما سخر منه الناس؛ ولا سيما إريك كانتونا الذي لقّبه بـ'حامل الماء'، والعامل الذي يقوم بالأعمال الشاقة دون أن يلمع.
ومع ذلك، كانت هذه العقلية العملية تحديدًا، والتضحية لخدمة الفريق؛ هي ما جعلت ديشان النموذج الأمثل لفرنسا، ما بعد 'كنيسنا'.
فرض ديشان رؤيته فورًا؛ والتي تمثّلت في أن تماسك الفريق هو الأهم، لا نجوم فوق المساءلة، ولا تساهل مع السلوك المنحرف.
لم يسعَ ديشان إلى كرة القدم الجميلة التي يُقدّرها بعض المُتعصبين؛ بل بنى فريقًا متماسكًا يصعب هزيمته، قادر على تحمل الصعاب والتكيف معها.
أثارت براغماتيته بعض الانتقادات؛ لكنه لم يكترث، فالنتائج هي كل ما يهمه.
كانت بطولة كأس العالم 2014 في البرازيل، بمثابة اختبار قاسٍ لديشان.. أبهر المنتخب الفرنسي المُتجدد والطموح، بأدائه الهجومي في دور المجموعات.
كان بنزيما في أوج عطائه بقميص المنتخب، مدعومًا بحيوية المواهب الشابة وقتها؛ مثل أنطوان جريزمان وبول بوجبا.
لكن في ربع النهائي أمام ألمانيا، سقطت فرنسا.. كان الإحباط شديدًا، لكن التقييم كان مُشجعًا؛ فلقد اكتسب الفريق زخمًا.
مثّلت بطولة أمم أوروبا 2016، التي استضافتها فرنسا، فرصة ذهبية، ولكنها كانت أيضًا فخًا منيعًا.. كان ضغط الإعلام هائلًا، وتوقعت البلاد بأسرها الفوز باللقب على أرضها.
أدار ديشان الفريق بحزم شديد.. استبعد لاعبين غير منضبطين مثل حاتم بن عرفة وبنزيما، الذي تورط في فضيحة ابتزاز ماتيو فالبوينا بشريط جنسي، والتي تصدرت عناوين الصحف الفرنسية؛ حيث أعطى المدرب الأولوية للاستقرار، على حساب التألق الفردي.
كان الأداء تحت السيطرة حتى المباراة النهائية.. أقصت فرنسا، أيرلندا وأيسلندا تباعًا، والأهم من ذلك ألمانيا في نصف النهائي.
اهتز ملعب فرنسا؛ لكن المباراة النهائية ضد البرتغال، تحولت إلى كابوس.
غادر الأسطورة كريستيانو رونالدو الملعب مصابًا في الشوط الأول؛ ومع ذلك.. كانت البرتغال هي من انتزعت الفوز في الوقت الإضافي بهدف إيدر.
كان الإحباط هائلاً بعد هزيمة فرنسا الثالثة في النهائي، خلال عشر سنوات.
لكن على عكس عام 2006، لم تُؤدِّ هذه الهزيمة إلى انهيار الفريق.. أظهر منتخب فرنسا قوة ذهنية ومرونة.. صمدت الأسس التي وضعها ديشان، حيث كانت هذه القدرة على امتصاص الصدمات دون الانهيار، ثمرة عمله الدؤوب على تماسك الفريق.
بطولة كأس العالم 2018 في روسيا، كانت بمثابة تحفة ديشان.. أثبت المدرب أسلوبه، الذي غالبًا ما يُنتقد لافتقاره إلى الجمالية، ويُوصف بأنه 'قبيح'.
تخلت فرنسا عن الاستحواذ على الكرة - 49% فقط في المتوسط -؛ ما جعلها تحتل المركز العشرين في البطولة، لصالح خط دفاعي متماسك، مصمم لسد المساحات وشن هجمات مرتدة مدمرة.
صُمم هذا النظام خصيصًا للاعبيه: العمل الدؤوب لنجولو كانتي وبليز ماتويدي، ورؤية بوجبا، ولعب أوليفييه جيرو المحوري؛ وقبل كل شيء السرعة الخاطفة لجريزمان، والموهبة الشابة وقتها مبابي.
كانت مسيرة الفريق في الأدوار الإقصائية نموذجًا للإدارة التكتيكية: فوضى مُنظمة ضد الأرجنتين (4-3)؛ السيطرة على أوروجواي (2-0)؛ والانضباط الحديدي أمام بلجيكا (1-0)؛ والفعالية الحاسمة في المباراة النهائية ضد كرواتيا (4-2).
هذا الفوز كان ثمرة جهود عدة رجال؛ من بينهم ديشان، العقل المدبر الذي أسكت منتقديه بإثبات صحة هوسه ببناء فريق 'يصعب هزيمته'، إلى جانب مبابي النجم الصاعد الذي سطع نجمه على الساحة العالمية.
أيضًا.. كان جيرو رمزًا لهذا الانتصار؛ فبصفته عنصرًا أساسيًا في الفريق، لم يسجل هدفًا واحدًا في البطولة، في تضحية كانت لتُعتبر مستحيلة بالنسبة للأفراد المنفردين في الأجيال السابقة.
لم يكن انتصار 2018 مجرد قوز رياضي، بل كان انتصارًا فكريًا، وبرهانًا على أن الفريق الموحد والمنضبط قادر على التفوق على مجموعة من المواهب المتفرقة.. كان هذا هو الانتقام الأمثل لـ'كنيسنا'.
انتصار 2018 لم يكن وليد الصدفة.. كان ذلك ثمرة نظام تطوير استثنائي، جوهرته المعهد الوطني لكرة القدم في كليرفونتين، الواقع في منطقة باريس؛ حيث أصبح هذا المركز التدريبي والتطويري، مرجعًا عالميًا.
أثمرت فلسفة الاتحاد الفرنسي لكرة القدم، التي تركز على تطوير لاعبين متكاملين فنيًا، أذكياء تكتيكيًا، ومتعددي المهارات، عن قاعدة مواهب لا مثيل لها.. وهذا ما يفسر قدرة فرنسا على تحمل خسارة العديد من اللاعبين العالميين مثل 'بوجبا، كانتي، وبنزيما'، قبيل انطلاق كأس العالم، ومع ذلك الوصول إلى المباراة النهائية.
إذا كان عام 2018 قد كشف عن موهبة فذة، فقد أكدت السنوات اللاحقة بزوغ نجم جديد.
مبابي.. أصغر هداف لفرنسا في كأس العالم، وثاني أصغر لاعب في التاريخ بعد بيليه، يسجل في نهائي؛ انتقل من كونه موهبة واعدة إلى قائد لا يُنازع.
ثلاثيته في نهائي كأس العالم 2022، ضد منتخب الأرجنتين، والتي أجبرت المباراة على وقت إضافي بمفردها تقريبًا؛ رسخت مكانته كوريث للعظماء.
ومع ذلك.. لا يمكن سرد حقبة ديشان، دون التطرق إلى قضية بنزيما.. فبعد فضيحة الشريط الجنسي التي تورط فيها مع فالبوينا عام 2015؛ اتخذ المدير الفني لمنتخب فرنسا قرارًا جريئًا، بالاستغناء عن مهاجمه الأكثر موهبة، مُعطيًا الأولوية لتوازن الفريق.
وفي تحول عملي، استدعى بنزيما لبطولة أمم أوروبا 2021، مُقرًا بمستواه الاستثنائي مع ريال مدريد وقتها.
لكن المهاجم تعرض لإصابة قبل انطلاق كأس العالم 2022 مباشرةً، وغادر الفريق في ظروف مثيرة للجدل؛ وسط روايات متضاربة للأحداث، مما أثار جدلًا جديدًا.
تُجسد هذه القصة المفارقة الأساسية في إدارة ديشان.. البراغماتية التكيفية؛ حيث يُمكن تجاوز المبادئ، إذا كان الفوز على المحك.
شهد كأس العالم 2022 نهاية جيل أبطال العالم.. فبعد البطولة، اعتزل نجومٌ كبار مثل هوجو لوريس ورافاييل فاران دوليًا، ثم جيرو لاحقًا؛ حيث أُسدل الستار رسميًا على 'جيل جريزمان'.
في الوقت نفسه.. أكدت البطولة صعود الجيل الجديد؛ حيث برز لاعبون مثل أوريليان تشواميني كركائز أساسية، ضامنين انتقالًا سلسًا واستمرارًا للتميز.
كانت المباراة النهائية لكأس العالم 2022 ضد الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي، نقيضًا مثاليًا لمباراة برلين.. فبعد تأخر فرنسا بهدفين نظيفين وتفوق خصمها عليها تمامًا طوال 80 دقيقة، لم تستسلم.
على عكس منتخب 2006 الذي انهار بعد خسارة زيدان؛ قاد مبابي الاستثنائي منتخب 2022، لواحدة من أروع 'الريمونتادات' في تاريخ النهائيات.
هذه المرونة، وهذا الرفض القاطع للهزيمة؛ هما السمة الأبرز لعصر ديشان.. إنها الصلابة الذهنية التي صقلها جحيم 'كنيسنا'، ودموع يورو 2016.
وفي النهاية.. يُمكن تلخيص تقييم ديشان النهائي؛ بالمهندس الذي تولى قيادة فريقٍ يعاني من انهيارٍ أخلاقي ووصمة عارٍ وطنية، ليحوّله إلى قوة عالمية عظمى.
وبفضل لقب عالمي واحد، وانتصاره في دوري الأمم الأوروبية؛ أصبح ديشان أحد أعظم المدربين الدوليين.. لن يُذكر كفيلسوفٍ لكرة القدم الجميلة، بل كباني آلاتٍ للفوز.
ويبدو أن التاريخ يُعيد نفسه إلى نقطة البداية.. ديشان أعلن أنه سيترك منصبه بعد كأس العالم 2026، ولخلافته يلوح في الأفق اسم واحد فقط؛ وهو زيدان.
هذه الفرضية تبدو طبيعية؛ لدرجة أن ديشان نفسه أقرّ بها؛ بالقول: 'سيكون الخيار المثالي'، فهو الرجل الذي أشعل رحيله المأساوي في برلين، شرارة هذه الدورة الممتدة لستة عشر عامًا من الفوضى إلى إعادة البناء.
التعليقات