أخبار اليوم - قبل أن يشرق الصباح كاملًا، يُعِدّ محمود حماد الغربال وأدوات الحفر، لا للتنقيب عن ذهبٍ أو آثارٍ تُباع أو تُستبدل، بل للبحث عن بقايا عائلته التي أُبيدت في مجزرة إسرائيلية خلال الحرب على قطاع غزة.
وبعد أكثر من عامين على استشهاد زوجته في غارة جوية، وجد محمود تحت الركام ما تبقّى من حكايتهما؛ دبلةً، ومحبسًا، وسنسالًا رفيعًا محفورًا عليه بحروفٍ لم يمحُها القصف: اسمها نِعمة.
داخل ساحةٍ رمليةٍ مكشوفة تبقّت من منزله في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، لم يعد الدمار مشهدًا يوميًا عابرًا في حياة الشاب البالغ (38 عامًا)، بل واقعًا مريرًا يُخفي وراءه حكايةً مؤلمة. أمضى أسابيع طويلة في البحث والتنقيب عن رُفات نِعمة وجنينها بأدواتٍ بدائية.
في الصباحات الباردة، ينحني ويغرس ركبتيه في أرضٍ رمليةٍ رطبة، يُحضر الغربال ويضع فيه الرمال، ثم يبدأ بهزّه بقوة؛ فمرةً يعثر على بقايا جسدٍ متحلل، ومراتٍ أخرى يجد متعلقاتٍ لزوجته، في طريقةٍ ابتكرها بعد أن ضاقت به السبل لانتشال الرفات من تحت الركام.
أصل الحكاية
تعود حكاية هذه العائلة إلى الشهر الثالث من حرب الإبادة الجماعية، حين بلغت ذروتها عقب انهيار وقف إطلاق النار الأول مطلع ديسمبر/ كانون الأول 2023، ولم يعد يُسمع في أرجاء القطاع الساحلي سوى دوي الانفجارات الناتجة عن الغارات الجوية الإسرائيلية، وأصوات الآليات العسكرية المتوغلة في عمق المناطق السكنية.
ومع اشتداد القصف واستهداف المنازل المأهولة بالمدنيين، لم ينتظر محمود كثيرًا، ففضّل نقل زوجته وأطفاله إلى منزل أحد الأقارب في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة.
لكن بعد أيام قليلة فقط، قررت زوجته العودة إلى منزلها صباح الخامس من ديسمبر.
يقول محمود لـ 'فلسطين أون لاين': 'فجأة وجدتها أمام باب البيت في حي الصبرة. لم أكن أريد لها العودة إلى هنا، لكنها كانت مُصرّة. أتذكر جيدًا ما قالته لي: أخبرتني أنها تريد أن نموت معًا'.
في ذلك الوقت، كانت نِعمة، البالغة (35 عامًا)، تُعاني مخاضًا عسيرًا اشتد عليها مع الخوف من القصف الذي لم يهدأ. رافقها زوجها ببطء إلى غرفتها، وهناك اطمأن عليها وتحدثا وضحكا معًا، واستعدا للذهاب إلى المستشفى.
في صباح اليوم التالي، جلس محمود بجوار زوجته، يحيط بهما أبناؤهما: إسماعيل (16 عامًا)، محمد (14 عامًا)، جنى (12 عامًا)، غيث (10 أعوام)، وجودي (8 أعوام). وبينما بدا إرهاق المخاض واضحًا على نِعمة، ظل الخوف مسيطرًا عليها وعلى أطفالها جرّاء القصف وهدير الطائرات الحربية التي كانت تحلّق على ارتفاعات منخفضة.
وكان من المفترض أن يتوجها إلى مستشفى الصحابة في حي الدرج وسط مدينة غزة لإجراء عملية ولادة قيصرية، كما حدث في ولاداتها السابقة.
وقبل أن يغادر الغرفة بدقائق، نادته نِعمة وطلبت منه أن يودعها وأبناءها. رفع حاجبيه مستغربًا، وعاد ليسألها عن شعورها، فاحتضنته ولوّحت له بيدها قائلة: 'مع السلامة'. حاول تهدئتها وطلب منها أن ترتاح قليلًا، ووعدها بالعودة بعد دقائق، ثم صعد إلى الطابق العلوي حيث كان سيلتقي شقيقه أحمد لمتابعة الأخبار.
'انهار كل شيء'
لم يُدرك محمود حينها معنى كلمات زوجته، لكن المشهد الذي ما يزال عالقًا في ذاكرته جعله قلقًا.
وبعد نحو نصف ساعة، بينما كان يتابع عبر شاشة تلفاز صغيرة تطورات الحرب في غزة، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ انهار المنزل المكوّن من خمسة طوابق فوق رؤوس ساكنيه بعدما استهدفته طائرات الاحتلال بغارة مباشرة دمّرته بالكامل.
يقول: 'وجدت نفسي محاطًا بالركام والغبار… لم أسمع أصوات انفجارات، فقط انهار كل شيء'.
تحت الركام، حاول محمود التقاط أنفاسه بصعوبة، وكان بالكاد قادرًا على الزحف بين الشقوق والفراغات متجاوزًا الكتل الإسمنتية الثقيلة.
ويضيف: 'عندما وصلت إلى حافة الركام رأيت سحابة دخان سوداء عالية غطت المكان بالكامل. حينها أدركت معنى ما قالته لي نِعمة، وعرفت أنها استُشهدت مع أبنائي'.
نجا محمود من الغارة بأعجوبة، لكنه أصيب إصابات بالغة؛ فقد كان وجهه مغطى بالدماء وجسده مكسوًا بغبار القصف، فنُقل إلى المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) وسط المدينة، حيث اكتشف الأطباء إصابته بكسور حادة في أضلاع الصدر جعلت تنفّسه مؤلمًا وصعبًا.
ولم تكن زوجته وأطفاله وحدهم ضحايا الغارة؛ إذ أُبيدت أيضًا أسرة شقيقه أحمد حماد (30 عامًا)، وزوجته إسراء صالح (28 عامًا)، وأطفالهما الأربعة: نسيم (10 أعوام)، محمد (8 أعوام)، ساجد (6 أعوام)، وسند (عامان).
وبينما تمكنت فرق الإنقاذ بمساعدة الجيران من انتشال جثامين أحمد وزوجته وأطفالهما، لم يُعثر لمحمود إلا على جثمان ابنه البكر إسماعيل، الذي قذفه الانفجار عشرات الأمتار بعيدًا عن المنزل. أما جثامين أشقائه الصغار فقد تلاشت، ولم يُعثر منها سوى على بقايا ملابس محترقة.
ودُفنت جثامين الضحايا في اليوم نفسه في مقبرة الفالوجة شمالي القطاع، دون أن يتمكن محمود من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهم، إذ بقي لأسابيع طريح سرير العلاج في المستشفى.
البحث بين الركام
بعد خروجه من المستشفى، رفض محمود مغادرة مدينة غزة رغم تهديدات جيش الاحتلال بالنزوح جنوبًا.
يقول: 'قررت البقاء قرب منزلي المدمر لأبحث عن رفات زوجتي وأدفنها'.
ومع تعمد الاحتلال استهداف آليات الدفاع المدني والبلديات خلال الحرب، لم يجد محمود سوى العمل بيديه، فبدأ يرفع الكتل الإسمنتية الثقيلة مستخدمًا أدوات بدائية، بمساعدة بعض أصدقائه.
ويقول إنه أزال مئات الأطنان من الخرسانة حتى وصل إلى قاع الغرفة التي كانت ترقد فيها زوجته حين دفنتها قنابل الطائرات مع جنينها.
رفات وذكريات
بين الرمال التي تفوح منها رائحة الموت، عثر محمود على أجزاء من جمجمة زوجته وقطع من عظامها التي تغيّر لونها وبدأت بالتلاشي، فواصل الحفر في أعماق المكان بحثًا عن بقية الرفات.
لم تكن أدوات البناء التي يستخدمها –مثل 'الكريك' و'الطورية'– كافية للعثور على العظام الصغيرة، فاستعان بغربال يشبه ذاك الذي كانت أمه تستخدمه لتنقية الطحين، لكنه أصبح بالنسبة إليه وسيلة أخيرة للبحث عن الرفات.
في المكان الذي يُنقّب فيه، يسود الصمت إلا من صوت الحجارة وهي ترتطم ببعضها. كل حجر يُقلَّب وكل ذرة تراب تُغربل تحمل صدمة جديدة، ومع ذلك يواصل عمله بصبرٍ موجع.
وخلال بحثه مؤخرًا، عثر على ما اعتبره أثمن ما بقي له: دبلة، ومحبس، وسنسال يحمل اسم نِعمة، كانت قد تلقّتها يوم زفافهما في التاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني 2007.
يقول: 'هذه أجمل ذكرى عثرت عليها بين الرفات. كانت دائمًا ترتديها… لم أرها يومًا من دونها منذ زواجنا. رفاتها سأدفنه إلى جوار ابننا إسماعيل، لكن خاتميها وسنسالها لن أفرّط بها'.
ورغم الألم، يصر محمود على البقاء في خيمة مهترئة نصبها بجوار منزله المدمر.
ويقول: 'لن أترك المكان… هنا ضحكات أخي أحمد وأطفاله، هنا صوت ابني إسماعيل وهو يردد أناشيد تتحدى الاحتلال، وهنا آخر عناق لزوجتي'.
في زمن الحرب التي تجاوزت حدود النزاع التقليدي وصُنّفت قانونيًا وحقوقيًا إبادة جماعية، لا تنتهي القصص عند الموت؛ فكثير منها يبدأ بعده، مثل حكاية محمود الذي أنقذ، بغربالٍ مهترئ، ما تبقى من ذكريات لن يمحوها مرور السنين.
فلسطين أون لاين
أخبار اليوم - قبل أن يشرق الصباح كاملًا، يُعِدّ محمود حماد الغربال وأدوات الحفر، لا للتنقيب عن ذهبٍ أو آثارٍ تُباع أو تُستبدل، بل للبحث عن بقايا عائلته التي أُبيدت في مجزرة إسرائيلية خلال الحرب على قطاع غزة.
وبعد أكثر من عامين على استشهاد زوجته في غارة جوية، وجد محمود تحت الركام ما تبقّى من حكايتهما؛ دبلةً، ومحبسًا، وسنسالًا رفيعًا محفورًا عليه بحروفٍ لم يمحُها القصف: اسمها نِعمة.
داخل ساحةٍ رمليةٍ مكشوفة تبقّت من منزله في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، لم يعد الدمار مشهدًا يوميًا عابرًا في حياة الشاب البالغ (38 عامًا)، بل واقعًا مريرًا يُخفي وراءه حكايةً مؤلمة. أمضى أسابيع طويلة في البحث والتنقيب عن رُفات نِعمة وجنينها بأدواتٍ بدائية.
في الصباحات الباردة، ينحني ويغرس ركبتيه في أرضٍ رمليةٍ رطبة، يُحضر الغربال ويضع فيه الرمال، ثم يبدأ بهزّه بقوة؛ فمرةً يعثر على بقايا جسدٍ متحلل، ومراتٍ أخرى يجد متعلقاتٍ لزوجته، في طريقةٍ ابتكرها بعد أن ضاقت به السبل لانتشال الرفات من تحت الركام.
أصل الحكاية
تعود حكاية هذه العائلة إلى الشهر الثالث من حرب الإبادة الجماعية، حين بلغت ذروتها عقب انهيار وقف إطلاق النار الأول مطلع ديسمبر/ كانون الأول 2023، ولم يعد يُسمع في أرجاء القطاع الساحلي سوى دوي الانفجارات الناتجة عن الغارات الجوية الإسرائيلية، وأصوات الآليات العسكرية المتوغلة في عمق المناطق السكنية.
ومع اشتداد القصف واستهداف المنازل المأهولة بالمدنيين، لم ينتظر محمود كثيرًا، ففضّل نقل زوجته وأطفاله إلى منزل أحد الأقارب في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة.
لكن بعد أيام قليلة فقط، قررت زوجته العودة إلى منزلها صباح الخامس من ديسمبر.
يقول محمود لـ 'فلسطين أون لاين': 'فجأة وجدتها أمام باب البيت في حي الصبرة. لم أكن أريد لها العودة إلى هنا، لكنها كانت مُصرّة. أتذكر جيدًا ما قالته لي: أخبرتني أنها تريد أن نموت معًا'.
في ذلك الوقت، كانت نِعمة، البالغة (35 عامًا)، تُعاني مخاضًا عسيرًا اشتد عليها مع الخوف من القصف الذي لم يهدأ. رافقها زوجها ببطء إلى غرفتها، وهناك اطمأن عليها وتحدثا وضحكا معًا، واستعدا للذهاب إلى المستشفى.
في صباح اليوم التالي، جلس محمود بجوار زوجته، يحيط بهما أبناؤهما: إسماعيل (16 عامًا)، محمد (14 عامًا)، جنى (12 عامًا)، غيث (10 أعوام)، وجودي (8 أعوام). وبينما بدا إرهاق المخاض واضحًا على نِعمة، ظل الخوف مسيطرًا عليها وعلى أطفالها جرّاء القصف وهدير الطائرات الحربية التي كانت تحلّق على ارتفاعات منخفضة.
وكان من المفترض أن يتوجها إلى مستشفى الصحابة في حي الدرج وسط مدينة غزة لإجراء عملية ولادة قيصرية، كما حدث في ولاداتها السابقة.
وقبل أن يغادر الغرفة بدقائق، نادته نِعمة وطلبت منه أن يودعها وأبناءها. رفع حاجبيه مستغربًا، وعاد ليسألها عن شعورها، فاحتضنته ولوّحت له بيدها قائلة: 'مع السلامة'. حاول تهدئتها وطلب منها أن ترتاح قليلًا، ووعدها بالعودة بعد دقائق، ثم صعد إلى الطابق العلوي حيث كان سيلتقي شقيقه أحمد لمتابعة الأخبار.
'انهار كل شيء'
لم يُدرك محمود حينها معنى كلمات زوجته، لكن المشهد الذي ما يزال عالقًا في ذاكرته جعله قلقًا.
وبعد نحو نصف ساعة، بينما كان يتابع عبر شاشة تلفاز صغيرة تطورات الحرب في غزة، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ انهار المنزل المكوّن من خمسة طوابق فوق رؤوس ساكنيه بعدما استهدفته طائرات الاحتلال بغارة مباشرة دمّرته بالكامل.
يقول: 'وجدت نفسي محاطًا بالركام والغبار… لم أسمع أصوات انفجارات، فقط انهار كل شيء'.
تحت الركام، حاول محمود التقاط أنفاسه بصعوبة، وكان بالكاد قادرًا على الزحف بين الشقوق والفراغات متجاوزًا الكتل الإسمنتية الثقيلة.
ويضيف: 'عندما وصلت إلى حافة الركام رأيت سحابة دخان سوداء عالية غطت المكان بالكامل. حينها أدركت معنى ما قالته لي نِعمة، وعرفت أنها استُشهدت مع أبنائي'.
نجا محمود من الغارة بأعجوبة، لكنه أصيب إصابات بالغة؛ فقد كان وجهه مغطى بالدماء وجسده مكسوًا بغبار القصف، فنُقل إلى المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) وسط المدينة، حيث اكتشف الأطباء إصابته بكسور حادة في أضلاع الصدر جعلت تنفّسه مؤلمًا وصعبًا.
ولم تكن زوجته وأطفاله وحدهم ضحايا الغارة؛ إذ أُبيدت أيضًا أسرة شقيقه أحمد حماد (30 عامًا)، وزوجته إسراء صالح (28 عامًا)، وأطفالهما الأربعة: نسيم (10 أعوام)، محمد (8 أعوام)، ساجد (6 أعوام)، وسند (عامان).
وبينما تمكنت فرق الإنقاذ بمساعدة الجيران من انتشال جثامين أحمد وزوجته وأطفالهما، لم يُعثر لمحمود إلا على جثمان ابنه البكر إسماعيل، الذي قذفه الانفجار عشرات الأمتار بعيدًا عن المنزل. أما جثامين أشقائه الصغار فقد تلاشت، ولم يُعثر منها سوى على بقايا ملابس محترقة.
ودُفنت جثامين الضحايا في اليوم نفسه في مقبرة الفالوجة شمالي القطاع، دون أن يتمكن محمود من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهم، إذ بقي لأسابيع طريح سرير العلاج في المستشفى.
البحث بين الركام
بعد خروجه من المستشفى، رفض محمود مغادرة مدينة غزة رغم تهديدات جيش الاحتلال بالنزوح جنوبًا.
يقول: 'قررت البقاء قرب منزلي المدمر لأبحث عن رفات زوجتي وأدفنها'.
ومع تعمد الاحتلال استهداف آليات الدفاع المدني والبلديات خلال الحرب، لم يجد محمود سوى العمل بيديه، فبدأ يرفع الكتل الإسمنتية الثقيلة مستخدمًا أدوات بدائية، بمساعدة بعض أصدقائه.
ويقول إنه أزال مئات الأطنان من الخرسانة حتى وصل إلى قاع الغرفة التي كانت ترقد فيها زوجته حين دفنتها قنابل الطائرات مع جنينها.
رفات وذكريات
بين الرمال التي تفوح منها رائحة الموت، عثر محمود على أجزاء من جمجمة زوجته وقطع من عظامها التي تغيّر لونها وبدأت بالتلاشي، فواصل الحفر في أعماق المكان بحثًا عن بقية الرفات.
لم تكن أدوات البناء التي يستخدمها –مثل 'الكريك' و'الطورية'– كافية للعثور على العظام الصغيرة، فاستعان بغربال يشبه ذاك الذي كانت أمه تستخدمه لتنقية الطحين، لكنه أصبح بالنسبة إليه وسيلة أخيرة للبحث عن الرفات.
في المكان الذي يُنقّب فيه، يسود الصمت إلا من صوت الحجارة وهي ترتطم ببعضها. كل حجر يُقلَّب وكل ذرة تراب تُغربل تحمل صدمة جديدة، ومع ذلك يواصل عمله بصبرٍ موجع.
وخلال بحثه مؤخرًا، عثر على ما اعتبره أثمن ما بقي له: دبلة، ومحبس، وسنسال يحمل اسم نِعمة، كانت قد تلقّتها يوم زفافهما في التاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني 2007.
يقول: 'هذه أجمل ذكرى عثرت عليها بين الرفات. كانت دائمًا ترتديها… لم أرها يومًا من دونها منذ زواجنا. رفاتها سأدفنه إلى جوار ابننا إسماعيل، لكن خاتميها وسنسالها لن أفرّط بها'.
ورغم الألم، يصر محمود على البقاء في خيمة مهترئة نصبها بجوار منزله المدمر.
ويقول: 'لن أترك المكان… هنا ضحكات أخي أحمد وأطفاله، هنا صوت ابني إسماعيل وهو يردد أناشيد تتحدى الاحتلال، وهنا آخر عناق لزوجتي'.
في زمن الحرب التي تجاوزت حدود النزاع التقليدي وصُنّفت قانونيًا وحقوقيًا إبادة جماعية، لا تنتهي القصص عند الموت؛ فكثير منها يبدأ بعده، مثل حكاية محمود الذي أنقذ، بغربالٍ مهترئ، ما تبقى من ذكريات لن يمحوها مرور السنين.
فلسطين أون لاين
أخبار اليوم - قبل أن يشرق الصباح كاملًا، يُعِدّ محمود حماد الغربال وأدوات الحفر، لا للتنقيب عن ذهبٍ أو آثارٍ تُباع أو تُستبدل، بل للبحث عن بقايا عائلته التي أُبيدت في مجزرة إسرائيلية خلال الحرب على قطاع غزة.
وبعد أكثر من عامين على استشهاد زوجته في غارة جوية، وجد محمود تحت الركام ما تبقّى من حكايتهما؛ دبلةً، ومحبسًا، وسنسالًا رفيعًا محفورًا عليه بحروفٍ لم يمحُها القصف: اسمها نِعمة.
داخل ساحةٍ رمليةٍ مكشوفة تبقّت من منزله في حي الصبرة جنوب مدينة غزة، لم يعد الدمار مشهدًا يوميًا عابرًا في حياة الشاب البالغ (38 عامًا)، بل واقعًا مريرًا يُخفي وراءه حكايةً مؤلمة. أمضى أسابيع طويلة في البحث والتنقيب عن رُفات نِعمة وجنينها بأدواتٍ بدائية.
في الصباحات الباردة، ينحني ويغرس ركبتيه في أرضٍ رمليةٍ رطبة، يُحضر الغربال ويضع فيه الرمال، ثم يبدأ بهزّه بقوة؛ فمرةً يعثر على بقايا جسدٍ متحلل، ومراتٍ أخرى يجد متعلقاتٍ لزوجته، في طريقةٍ ابتكرها بعد أن ضاقت به السبل لانتشال الرفات من تحت الركام.
أصل الحكاية
تعود حكاية هذه العائلة إلى الشهر الثالث من حرب الإبادة الجماعية، حين بلغت ذروتها عقب انهيار وقف إطلاق النار الأول مطلع ديسمبر/ كانون الأول 2023، ولم يعد يُسمع في أرجاء القطاع الساحلي سوى دوي الانفجارات الناتجة عن الغارات الجوية الإسرائيلية، وأصوات الآليات العسكرية المتوغلة في عمق المناطق السكنية.
ومع اشتداد القصف واستهداف المنازل المأهولة بالمدنيين، لم ينتظر محمود كثيرًا، ففضّل نقل زوجته وأطفاله إلى منزل أحد الأقارب في مخيم جباليا شمالي قطاع غزة.
لكن بعد أيام قليلة فقط، قررت زوجته العودة إلى منزلها صباح الخامس من ديسمبر.
يقول محمود لـ 'فلسطين أون لاين': 'فجأة وجدتها أمام باب البيت في حي الصبرة. لم أكن أريد لها العودة إلى هنا، لكنها كانت مُصرّة. أتذكر جيدًا ما قالته لي: أخبرتني أنها تريد أن نموت معًا'.
في ذلك الوقت، كانت نِعمة، البالغة (35 عامًا)، تُعاني مخاضًا عسيرًا اشتد عليها مع الخوف من القصف الذي لم يهدأ. رافقها زوجها ببطء إلى غرفتها، وهناك اطمأن عليها وتحدثا وضحكا معًا، واستعدا للذهاب إلى المستشفى.
في صباح اليوم التالي، جلس محمود بجوار زوجته، يحيط بهما أبناؤهما: إسماعيل (16 عامًا)، محمد (14 عامًا)، جنى (12 عامًا)، غيث (10 أعوام)، وجودي (8 أعوام). وبينما بدا إرهاق المخاض واضحًا على نِعمة، ظل الخوف مسيطرًا عليها وعلى أطفالها جرّاء القصف وهدير الطائرات الحربية التي كانت تحلّق على ارتفاعات منخفضة.
وكان من المفترض أن يتوجها إلى مستشفى الصحابة في حي الدرج وسط مدينة غزة لإجراء عملية ولادة قيصرية، كما حدث في ولاداتها السابقة.
وقبل أن يغادر الغرفة بدقائق، نادته نِعمة وطلبت منه أن يودعها وأبناءها. رفع حاجبيه مستغربًا، وعاد ليسألها عن شعورها، فاحتضنته ولوّحت له بيدها قائلة: 'مع السلامة'. حاول تهدئتها وطلب منها أن ترتاح قليلًا، ووعدها بالعودة بعد دقائق، ثم صعد إلى الطابق العلوي حيث كان سيلتقي شقيقه أحمد لمتابعة الأخبار.
'انهار كل شيء'
لم يُدرك محمود حينها معنى كلمات زوجته، لكن المشهد الذي ما يزال عالقًا في ذاكرته جعله قلقًا.
وبعد نحو نصف ساعة، بينما كان يتابع عبر شاشة تلفاز صغيرة تطورات الحرب في غزة، حدث ما لم يكن في الحسبان؛ إذ انهار المنزل المكوّن من خمسة طوابق فوق رؤوس ساكنيه بعدما استهدفته طائرات الاحتلال بغارة مباشرة دمّرته بالكامل.
يقول: 'وجدت نفسي محاطًا بالركام والغبار… لم أسمع أصوات انفجارات، فقط انهار كل شيء'.
تحت الركام، حاول محمود التقاط أنفاسه بصعوبة، وكان بالكاد قادرًا على الزحف بين الشقوق والفراغات متجاوزًا الكتل الإسمنتية الثقيلة.
ويضيف: 'عندما وصلت إلى حافة الركام رأيت سحابة دخان سوداء عالية غطت المكان بالكامل. حينها أدركت معنى ما قالته لي نِعمة، وعرفت أنها استُشهدت مع أبنائي'.
نجا محمود من الغارة بأعجوبة، لكنه أصيب إصابات بالغة؛ فقد كان وجهه مغطى بالدماء وجسده مكسوًا بغبار القصف، فنُقل إلى المستشفى الأهلي العربي (المعمداني) وسط المدينة، حيث اكتشف الأطباء إصابته بكسور حادة في أضلاع الصدر جعلت تنفّسه مؤلمًا وصعبًا.
ولم تكن زوجته وأطفاله وحدهم ضحايا الغارة؛ إذ أُبيدت أيضًا أسرة شقيقه أحمد حماد (30 عامًا)، وزوجته إسراء صالح (28 عامًا)، وأطفالهما الأربعة: نسيم (10 أعوام)، محمد (8 أعوام)، ساجد (6 أعوام)، وسند (عامان).
وبينما تمكنت فرق الإنقاذ بمساعدة الجيران من انتشال جثامين أحمد وزوجته وأطفالهما، لم يُعثر لمحمود إلا على جثمان ابنه البكر إسماعيل، الذي قذفه الانفجار عشرات الأمتار بعيدًا عن المنزل. أما جثامين أشقائه الصغار فقد تلاشت، ولم يُعثر منها سوى على بقايا ملابس محترقة.
ودُفنت جثامين الضحايا في اليوم نفسه في مقبرة الفالوجة شمالي القطاع، دون أن يتمكن محمود من إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهم، إذ بقي لأسابيع طريح سرير العلاج في المستشفى.
البحث بين الركام
بعد خروجه من المستشفى، رفض محمود مغادرة مدينة غزة رغم تهديدات جيش الاحتلال بالنزوح جنوبًا.
يقول: 'قررت البقاء قرب منزلي المدمر لأبحث عن رفات زوجتي وأدفنها'.
ومع تعمد الاحتلال استهداف آليات الدفاع المدني والبلديات خلال الحرب، لم يجد محمود سوى العمل بيديه، فبدأ يرفع الكتل الإسمنتية الثقيلة مستخدمًا أدوات بدائية، بمساعدة بعض أصدقائه.
ويقول إنه أزال مئات الأطنان من الخرسانة حتى وصل إلى قاع الغرفة التي كانت ترقد فيها زوجته حين دفنتها قنابل الطائرات مع جنينها.
رفات وذكريات
بين الرمال التي تفوح منها رائحة الموت، عثر محمود على أجزاء من جمجمة زوجته وقطع من عظامها التي تغيّر لونها وبدأت بالتلاشي، فواصل الحفر في أعماق المكان بحثًا عن بقية الرفات.
لم تكن أدوات البناء التي يستخدمها –مثل 'الكريك' و'الطورية'– كافية للعثور على العظام الصغيرة، فاستعان بغربال يشبه ذاك الذي كانت أمه تستخدمه لتنقية الطحين، لكنه أصبح بالنسبة إليه وسيلة أخيرة للبحث عن الرفات.
في المكان الذي يُنقّب فيه، يسود الصمت إلا من صوت الحجارة وهي ترتطم ببعضها. كل حجر يُقلَّب وكل ذرة تراب تُغربل تحمل صدمة جديدة، ومع ذلك يواصل عمله بصبرٍ موجع.
وخلال بحثه مؤخرًا، عثر على ما اعتبره أثمن ما بقي له: دبلة، ومحبس، وسنسال يحمل اسم نِعمة، كانت قد تلقّتها يوم زفافهما في التاسع من نوفمبر/ تشرين الثاني 2007.
يقول: 'هذه أجمل ذكرى عثرت عليها بين الرفات. كانت دائمًا ترتديها… لم أرها يومًا من دونها منذ زواجنا. رفاتها سأدفنه إلى جوار ابننا إسماعيل، لكن خاتميها وسنسالها لن أفرّط بها'.
ورغم الألم، يصر محمود على البقاء في خيمة مهترئة نصبها بجوار منزله المدمر.
ويقول: 'لن أترك المكان… هنا ضحكات أخي أحمد وأطفاله، هنا صوت ابني إسماعيل وهو يردد أناشيد تتحدى الاحتلال، وهنا آخر عناق لزوجتي'.
في زمن الحرب التي تجاوزت حدود النزاع التقليدي وصُنّفت قانونيًا وحقوقيًا إبادة جماعية، لا تنتهي القصص عند الموت؛ فكثير منها يبدأ بعده، مثل حكاية محمود الذي أنقذ، بغربالٍ مهترئ، ما تبقى من ذكريات لن يمحوها مرور السنين.
فلسطين أون لاين
التعليقات