شهد الدولة الأردنية – كغيرها من دول الإقليم – هذه الأيام ظرفا استثنائيا دقيقا فرضته تطورات الحرب الصهيوأمريكية على إيران، وما تحمله من تداعيات سياسية وأمنية جسيمة. ويأتي ذلك في ظل سلوك عدواني إيراني قائم على انتهاك السيادة الوطنية وتهديد الأمن والسلم المجتمعي، من خلال تعمد إطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه الدولة الأردنية، رغم أنها ليست طرفا في هذه المواجهة الإقليمية، الأمر الذي يضع الأردن أمام واقع أمني حساس يستوجب أعلى درجات الجاهزية والاتزان.
ورغم حساسية هذه المرحلة وتعقيداتها، تواصل الدولة الأردنية إدارة المشهد العام بمهنية وكفاءة عالية. فمؤسسات الدولة تعمل تحت إشراف مباشر من جلالة الملك عبد الله الثاني، ضمن منظومة متكاملة الأهداف تسعى إلى ضمان استمرارية الحياة اليومية للمواطنين، وتأمين مصادر عيشهم ومتطلباتهم الأساسية من غذاء وطاقة وخدمات لا غنى عنها. وتستند هذه الجهود الوطنية إلى خبرة مؤسسية تراكمت عبر عقود من التعامل مع أزمات متعددة، مما عزز من قدرة الدولة الأردنية على إدارة هذه الظروف الاستثنائية بكفاءة واقتدار.
غير أن المخاطر التي تواجه الأردن لا تقتصر على ما يحيط به من صراعات عسكرية وتبادل للقصف بين الأطراف المتنازعة، بل تمتد إلى الداخل، حيث برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في تصاعد أصوات تدعي التحليل والخبرة، وتتنافس على الظهور عبر منصات التواصل الاجتماعي والفضاء الإعلامي لبث روايات مثقلة بالتهويل والتخويف. فبعض هذه الأصوات تروج لسيناريوهات سوداوية تتحدث عن نقص وشيك في الإمدادات الغذائية، أو ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار النفط والطاقة، دون الاستناد إلى معلومات دقيقة أو مصادر رسمية موثوقة، وما يزيد الأمر خطورة أنها تُعرض هذه الطروحات بصيغة جازمة لا تحتمل النقاش أو التقدير.
إن هذه الممارسات، وإن اتخذت من 'التحليل' غطاء لها، تفتقر إلى الحد الأدنى من المسؤولية المهنية والوطنية، إذ تسهم في زعزعة الثقة العامة وتغذية القلق المجتمعي في وقت تتطلب فيه المرحلة أعلى درجات الانضباط في الخطاب العام. فالمعلومة في زمن الأزمات ليست مجرد رأي، بل عنصر مؤثر في تشكيل الوعي الجمعي، وأي تضخيم أو تهويل قد يتحول إلى عامل إرباك يضاعف من حجم الضغوط الملقاة على عاتق الدولة، ويؤثر سلبا في جهودها الرامية إلى احتواء الظرف ومعالجته.
إن حرية الرأي والتعبير، بوصفها حقا دستوريا أصيلا، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن طبيعة الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها الدولة الأردنية. فهذه الحرية، على أهميتها، ليست مطلقة، وإنما تمارس ضمن حدود القانون وبما لا يخل بالأمن الوطني أو السلم المجتمعي. وقد استقر فقه القانون الدستوري على أن الحريات العامة تخضع لتنظيم أكثر صرامة في أوقات الأزمات، حفاظا على الكيان العام للدولة، ومنعا لتحول الحرية إلى أداة للإضرار بالمصلحة الوطنية.
وانسجاما مع هذا التوجه، لم يقف المشرع الأردني موقف المتفرج أمام مثل هذه السلوكيات، بل بادر إلى تجريمها بنصوص واضحة وصريحة. فقد نصت المادة (15) من قانون الجرائم الإلكترونية على معاقبة كل من قام قصدا بنشر أو إعادة نشر بيانات أو معلومات عبر الوسائط الرقمية تنطوي على أخبار كاذبة تستهدف الأمن الوطني أو السلم المجتمعي، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار ولا تزيد على عشرين ألف دينار أو بكلتا العقوبتين. كما نصت المادة (131) من قانون العقوبات على معاقبة كل من أذاع أنباء يعلم أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها بالأشغال المؤقتة، وفي حال كان الفاعل يعتقد صحتها، فلا تقل عقوبة الحبس عن ثلاثة أشهر.
ومن جهة أخرى، فإن الحكومة مدعوة إلى تعزيز حضورها في إدارة الخطاب العام، من خلال تكثيف الرسائل التي تطمئن المواطنين، والرد على الشائعات والادعاءات التي باتت تنتشر بوتيرة متسارعة. فغياب المعلومة الرسمية أو تأخرها يخلق فراغا تملؤه الإشاعات، ويمنح الخطاب المبالغ فيه مساحة أوسع للتأثير.
لقد أثبت الأردن، عبر تاريخه، قدرته على تجاوز الظروف الصعبة والتعامل مع الأزمات مهما بلغت حدتها، مستندا إلى وعي شعبه وصلابة مؤسساته وحكمة قيادته. واليوم، وهو يواجه هذه المرحلة الدقيقة، تزداد الحاجة إلى تماسك الجبهة الداخلية، وتعزيز الثقة، والابتعاد عن كل ما من شأنه تضليل الرأي العام أو بث القلق غير المبرر في نفوس الأردنيين الذين يتابعون عن كثب مجريات الأحداث والتطورات المتعلقة بالحرب الدائرة في الإقليم.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com
شهد الدولة الأردنية – كغيرها من دول الإقليم – هذه الأيام ظرفا استثنائيا دقيقا فرضته تطورات الحرب الصهيوأمريكية على إيران، وما تحمله من تداعيات سياسية وأمنية جسيمة. ويأتي ذلك في ظل سلوك عدواني إيراني قائم على انتهاك السيادة الوطنية وتهديد الأمن والسلم المجتمعي، من خلال تعمد إطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه الدولة الأردنية، رغم أنها ليست طرفا في هذه المواجهة الإقليمية، الأمر الذي يضع الأردن أمام واقع أمني حساس يستوجب أعلى درجات الجاهزية والاتزان.
ورغم حساسية هذه المرحلة وتعقيداتها، تواصل الدولة الأردنية إدارة المشهد العام بمهنية وكفاءة عالية. فمؤسسات الدولة تعمل تحت إشراف مباشر من جلالة الملك عبد الله الثاني، ضمن منظومة متكاملة الأهداف تسعى إلى ضمان استمرارية الحياة اليومية للمواطنين، وتأمين مصادر عيشهم ومتطلباتهم الأساسية من غذاء وطاقة وخدمات لا غنى عنها. وتستند هذه الجهود الوطنية إلى خبرة مؤسسية تراكمت عبر عقود من التعامل مع أزمات متعددة، مما عزز من قدرة الدولة الأردنية على إدارة هذه الظروف الاستثنائية بكفاءة واقتدار.
غير أن المخاطر التي تواجه الأردن لا تقتصر على ما يحيط به من صراعات عسكرية وتبادل للقصف بين الأطراف المتنازعة، بل تمتد إلى الداخل، حيث برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في تصاعد أصوات تدعي التحليل والخبرة، وتتنافس على الظهور عبر منصات التواصل الاجتماعي والفضاء الإعلامي لبث روايات مثقلة بالتهويل والتخويف. فبعض هذه الأصوات تروج لسيناريوهات سوداوية تتحدث عن نقص وشيك في الإمدادات الغذائية، أو ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار النفط والطاقة، دون الاستناد إلى معلومات دقيقة أو مصادر رسمية موثوقة، وما يزيد الأمر خطورة أنها تُعرض هذه الطروحات بصيغة جازمة لا تحتمل النقاش أو التقدير.
إن هذه الممارسات، وإن اتخذت من 'التحليل' غطاء لها، تفتقر إلى الحد الأدنى من المسؤولية المهنية والوطنية، إذ تسهم في زعزعة الثقة العامة وتغذية القلق المجتمعي في وقت تتطلب فيه المرحلة أعلى درجات الانضباط في الخطاب العام. فالمعلومة في زمن الأزمات ليست مجرد رأي، بل عنصر مؤثر في تشكيل الوعي الجمعي، وأي تضخيم أو تهويل قد يتحول إلى عامل إرباك يضاعف من حجم الضغوط الملقاة على عاتق الدولة، ويؤثر سلبا في جهودها الرامية إلى احتواء الظرف ومعالجته.
إن حرية الرأي والتعبير، بوصفها حقا دستوريا أصيلا، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن طبيعة الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها الدولة الأردنية. فهذه الحرية، على أهميتها، ليست مطلقة، وإنما تمارس ضمن حدود القانون وبما لا يخل بالأمن الوطني أو السلم المجتمعي. وقد استقر فقه القانون الدستوري على أن الحريات العامة تخضع لتنظيم أكثر صرامة في أوقات الأزمات، حفاظا على الكيان العام للدولة، ومنعا لتحول الحرية إلى أداة للإضرار بالمصلحة الوطنية.
وانسجاما مع هذا التوجه، لم يقف المشرع الأردني موقف المتفرج أمام مثل هذه السلوكيات، بل بادر إلى تجريمها بنصوص واضحة وصريحة. فقد نصت المادة (15) من قانون الجرائم الإلكترونية على معاقبة كل من قام قصدا بنشر أو إعادة نشر بيانات أو معلومات عبر الوسائط الرقمية تنطوي على أخبار كاذبة تستهدف الأمن الوطني أو السلم المجتمعي، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار ولا تزيد على عشرين ألف دينار أو بكلتا العقوبتين. كما نصت المادة (131) من قانون العقوبات على معاقبة كل من أذاع أنباء يعلم أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها بالأشغال المؤقتة، وفي حال كان الفاعل يعتقد صحتها، فلا تقل عقوبة الحبس عن ثلاثة أشهر.
ومن جهة أخرى، فإن الحكومة مدعوة إلى تعزيز حضورها في إدارة الخطاب العام، من خلال تكثيف الرسائل التي تطمئن المواطنين، والرد على الشائعات والادعاءات التي باتت تنتشر بوتيرة متسارعة. فغياب المعلومة الرسمية أو تأخرها يخلق فراغا تملؤه الإشاعات، ويمنح الخطاب المبالغ فيه مساحة أوسع للتأثير.
لقد أثبت الأردن، عبر تاريخه، قدرته على تجاوز الظروف الصعبة والتعامل مع الأزمات مهما بلغت حدتها، مستندا إلى وعي شعبه وصلابة مؤسساته وحكمة قيادته. واليوم، وهو يواجه هذه المرحلة الدقيقة، تزداد الحاجة إلى تماسك الجبهة الداخلية، وتعزيز الثقة، والابتعاد عن كل ما من شأنه تضليل الرأي العام أو بث القلق غير المبرر في نفوس الأردنيين الذين يتابعون عن كثب مجريات الأحداث والتطورات المتعلقة بالحرب الدائرة في الإقليم.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com
شهد الدولة الأردنية – كغيرها من دول الإقليم – هذه الأيام ظرفا استثنائيا دقيقا فرضته تطورات الحرب الصهيوأمريكية على إيران، وما تحمله من تداعيات سياسية وأمنية جسيمة. ويأتي ذلك في ظل سلوك عدواني إيراني قائم على انتهاك السيادة الوطنية وتهديد الأمن والسلم المجتمعي، من خلال تعمد إطلاق الصواريخ والمسيرات باتجاه الدولة الأردنية، رغم أنها ليست طرفا في هذه المواجهة الإقليمية، الأمر الذي يضع الأردن أمام واقع أمني حساس يستوجب أعلى درجات الجاهزية والاتزان.
ورغم حساسية هذه المرحلة وتعقيداتها، تواصل الدولة الأردنية إدارة المشهد العام بمهنية وكفاءة عالية. فمؤسسات الدولة تعمل تحت إشراف مباشر من جلالة الملك عبد الله الثاني، ضمن منظومة متكاملة الأهداف تسعى إلى ضمان استمرارية الحياة اليومية للمواطنين، وتأمين مصادر عيشهم ومتطلباتهم الأساسية من غذاء وطاقة وخدمات لا غنى عنها. وتستند هذه الجهود الوطنية إلى خبرة مؤسسية تراكمت عبر عقود من التعامل مع أزمات متعددة، مما عزز من قدرة الدولة الأردنية على إدارة هذه الظروف الاستثنائية بكفاءة واقتدار.
غير أن المخاطر التي تواجه الأردن لا تقتصر على ما يحيط به من صراعات عسكرية وتبادل للقصف بين الأطراف المتنازعة، بل تمتد إلى الداخل، حيث برزت ظاهرة مقلقة تتمثل في تصاعد أصوات تدعي التحليل والخبرة، وتتنافس على الظهور عبر منصات التواصل الاجتماعي والفضاء الإعلامي لبث روايات مثقلة بالتهويل والتخويف. فبعض هذه الأصوات تروج لسيناريوهات سوداوية تتحدث عن نقص وشيك في الإمدادات الغذائية، أو ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار النفط والطاقة، دون الاستناد إلى معلومات دقيقة أو مصادر رسمية موثوقة، وما يزيد الأمر خطورة أنها تُعرض هذه الطروحات بصيغة جازمة لا تحتمل النقاش أو التقدير.
إن هذه الممارسات، وإن اتخذت من 'التحليل' غطاء لها، تفتقر إلى الحد الأدنى من المسؤولية المهنية والوطنية، إذ تسهم في زعزعة الثقة العامة وتغذية القلق المجتمعي في وقت تتطلب فيه المرحلة أعلى درجات الانضباط في الخطاب العام. فالمعلومة في زمن الأزمات ليست مجرد رأي، بل عنصر مؤثر في تشكيل الوعي الجمعي، وأي تضخيم أو تهويل قد يتحول إلى عامل إرباك يضاعف من حجم الضغوط الملقاة على عاتق الدولة، ويؤثر سلبا في جهودها الرامية إلى احتواء الظرف ومعالجته.
إن حرية الرأي والتعبير، بوصفها حقا دستوريا أصيلا، لا يمكن النظر إليها بمعزل عن طبيعة الأوضاع الاستثنائية التي تمر بها الدولة الأردنية. فهذه الحرية، على أهميتها، ليست مطلقة، وإنما تمارس ضمن حدود القانون وبما لا يخل بالأمن الوطني أو السلم المجتمعي. وقد استقر فقه القانون الدستوري على أن الحريات العامة تخضع لتنظيم أكثر صرامة في أوقات الأزمات، حفاظا على الكيان العام للدولة، ومنعا لتحول الحرية إلى أداة للإضرار بالمصلحة الوطنية.
وانسجاما مع هذا التوجه، لم يقف المشرع الأردني موقف المتفرج أمام مثل هذه السلوكيات، بل بادر إلى تجريمها بنصوص واضحة وصريحة. فقد نصت المادة (15) من قانون الجرائم الإلكترونية على معاقبة كل من قام قصدا بنشر أو إعادة نشر بيانات أو معلومات عبر الوسائط الرقمية تنطوي على أخبار كاذبة تستهدف الأمن الوطني أو السلم المجتمعي، بالحبس مدة لا تقل عن ثلاثة أشهر أو بغرامة لا تقل عن خمسة آلاف دينار ولا تزيد على عشرين ألف دينار أو بكلتا العقوبتين. كما نصت المادة (131) من قانون العقوبات على معاقبة كل من أذاع أنباء يعلم أنها كاذبة أو مبالغ فيها من شأنها أن توهن نفسية الأمة في زمن الحرب أو عند توقع نشوبها بالأشغال المؤقتة، وفي حال كان الفاعل يعتقد صحتها، فلا تقل عقوبة الحبس عن ثلاثة أشهر.
ومن جهة أخرى، فإن الحكومة مدعوة إلى تعزيز حضورها في إدارة الخطاب العام، من خلال تكثيف الرسائل التي تطمئن المواطنين، والرد على الشائعات والادعاءات التي باتت تنتشر بوتيرة متسارعة. فغياب المعلومة الرسمية أو تأخرها يخلق فراغا تملؤه الإشاعات، ويمنح الخطاب المبالغ فيه مساحة أوسع للتأثير.
لقد أثبت الأردن، عبر تاريخه، قدرته على تجاوز الظروف الصعبة والتعامل مع الأزمات مهما بلغت حدتها، مستندا إلى وعي شعبه وصلابة مؤسساته وحكمة قيادته. واليوم، وهو يواجه هذه المرحلة الدقيقة، تزداد الحاجة إلى تماسك الجبهة الداخلية، وتعزيز الثقة، والابتعاد عن كل ما من شأنه تضليل الرأي العام أو بث القلق غير المبرر في نفوس الأردنيين الذين يتابعون عن كثب مجريات الأحداث والتطورات المتعلقة بالحرب الدائرة في الإقليم.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com
التعليقات