بقلم: الدكتور المهندس مصطفى الخشيني – مواطن أردني مغترب
يُعدّ الحق في التقاضي العمود الفقري الذي تستند إليه الدولة المدنية الحديثة، وقد كفله الدستور الأردني بعبارة قاطعة في المادة (101): 'المحاكم مفتوحة للجميع'. إلا أن المسافة بين النص الدستوري والواقع الإجرائي بدأت تتسع، لتكشف عن 'فجوة' تحولت بمرور الوقت إلى عائق يحول بين المواطن وقاضيه الطبيعي، خاصة حينما تصبح الإجراءات النقابية 'قيداً' لا 'تنظيماً'.
إن مراجعة المنظومة التشريعية السائدة تكشف عن مفارقة تحتاج إلى وقفة وطنية جادة، يمكن تلخيصها في المحاور التالية:
أولاً: 'الوساطة الإلزامية'.. المحامي بوابة وحيدة للعدالة
لقد أحسن المشرّع الأردني حين فرض تمثيل المحامي في أغلب درجات التقاضي (بموجب المادة 63 من قانون أصول المحاكمات والمادة 41 من قانون النقابة)، وذلك لضمان جودة العدالة. لكن هذا 'الإلزام' حوّل المحامي إلى 'بوابة حصرية' للوصول إلى القضاء؛ فالمواطن قانوناً لا يملك حق العبور إلى منصة القضاء إلا من خلال هذا المسار المهني.
ثانياً: المادة 60.. حين يتحول التنظيم إلى 'تحصين'
تظهر المعضلة الحقيقية عند حدوث خلاف مهني بين المواطن ومحاميه؛ هنا تبرز المادة (60) من قانون النقابة التي تشترط الحصول على 'إذن خطي من النقيب' لمقاضاة محامٍ أو حتى توكيل زميل له.
هذا النص، الذي وُضع لغايات تنظيمية ومنع الكيدية، تحول في التطبيق العملي إلى 'عائق إجرائي' لعدة أسباب:
1. المواطن ملزم قانوناً بمحامٍ خاصة لمن هو مغترب خارج الوطن.
2. المحامي ممنوع من قبول القضية دون إذن.
3. النقابة – في حالات رصدناها – تمارس 'الصمت الإداري' تجاه طلبات الإذن.
النتيجة: المواطن يجد نفسه في حالة 'إنكار عدالة'؛ فلا هو قادر على التقاضي بنفسه بسبب غربته او بسبب عدم درايته باللاجراءات المطلوبة منه ، ولا هو قادر على إيجاد محامٍ يقبل قضيته دون إذن معلق!
ثالثاً: 'القرار السلبي'.. الصمت الذي يُجهض الحقوق
في تجربتي كمواطن مغترب، تقدمت بأربع مراسلات رسمية لنقابة المحامين تضمنت شكوى مسلكية وطلب إذن تقاضي، ولكن ما واجهته كان غياب 'الاستجابة الإجرائية'؛ فلا رقم وارد، ولا قيد للشكوى، ولا قرار باذن توكيل محامي أو القبول لشكواي.
هذا 'المسلك' يُكيف قانوناً بأنه 'قرار إداري سلبي'؛ وهو أخطر أنواع القرارات لأنه بلا مبرر، وبلا توقيت، ويحرم المواطن من أبسط حقوقه في الطعن بالقرار أو معرفة مصير مصلحته القانونية.
رابعاً: الخلل الإداري.. تعطيل الأنظمة الداخلية
إن الامتناع عن منح 'رقم وارد' للمراسلات الرسمية لا يعد مجرد خطأ إداري، بل هو تعطيل للمواد (42) و (55) من النظام الداخلي للنقابة، والتي تُلزم المجلس بالنظر في الشكاوى والبت فيها. إن غياب التوثيق الإداري يعني عملياً حجب المظلمة عن الوصول إلى 'صاحب القرار'، مما يُفرغ العمل النقابي من محتواه الرقابي.
خامساً: لماذا القضية ليست 'شخصية'؟
إن الحديث عن هذه الفجوة ليس نقداً لشخص، بل هو دفاع عن 'منظومة'. فالمغترب الأردني، والشركات، والمستثمرون، يعتمدون على 'شفافية الإجراءات' كضمانة لحقوقهم. إن ترك المادة (60) دون حوكمة زمنية وإجرائية يحولها إلى أداة قد تُفهم على أنها 'حصانة غير مبررة'، مما قد يؤدي لتآكل ثقة المواطن في المؤسسات المهنية.
سادساً: خارطة طريق للإصلاح
إن العدالة لا تُدار بالصمت، لذا نضع أمام أصحاب القرار والمشرعين هذه المطالب الوطنية:
1. مراجعة المادة 60: لضمان ألا تظل حقاً مطلقاً دون سقف زمني للرد.
2. أتمتة الشكاوى لدى النقابة: إطلاق منصة رقمية تمنح المواطن والمغترب 'رقم وارد' تلقائي وتتيح تتبع المعاملة.
3. تفعيل الرقابة: ضمان خضوع الإجراءات الإدارية للنقابات لرقابة القضاء الإداري بفاعلية أكبر.
ختاماً:
نقابة المحامين هي 'قلعة الحقوق'، ونقدنا لها نابع من الحرص على هيبتها ودورها القيادي. إن قوة المؤسسات تكمن في قدرتها على مراجعة إجراءاتها بما يخدم العدالة المطلقة. فالعدالة التي تتأخر بسبب إجراء إداري، هي عدالة منقوصة.. ونحن نؤمن بأن الأردن، بقيادته ومنظومته القانونية، قادر على سد هذه الفجوات لتبقى المحاكم – فعلياً لا نصاً – مفتوحة للجميع.
نسال الله ان يسدد خطانا واعمالنا لما يحبه الله ويرضاه, ولما فيه مصلحة بلدنا الغالي على قلوبنا جميعا.
بقلم: الدكتور المهندس مصطفى الخشيني – مواطن أردني مغترب
يُعدّ الحق في التقاضي العمود الفقري الذي تستند إليه الدولة المدنية الحديثة، وقد كفله الدستور الأردني بعبارة قاطعة في المادة (101): 'المحاكم مفتوحة للجميع'. إلا أن المسافة بين النص الدستوري والواقع الإجرائي بدأت تتسع، لتكشف عن 'فجوة' تحولت بمرور الوقت إلى عائق يحول بين المواطن وقاضيه الطبيعي، خاصة حينما تصبح الإجراءات النقابية 'قيداً' لا 'تنظيماً'.
إن مراجعة المنظومة التشريعية السائدة تكشف عن مفارقة تحتاج إلى وقفة وطنية جادة، يمكن تلخيصها في المحاور التالية:
أولاً: 'الوساطة الإلزامية'.. المحامي بوابة وحيدة للعدالة
لقد أحسن المشرّع الأردني حين فرض تمثيل المحامي في أغلب درجات التقاضي (بموجب المادة 63 من قانون أصول المحاكمات والمادة 41 من قانون النقابة)، وذلك لضمان جودة العدالة. لكن هذا 'الإلزام' حوّل المحامي إلى 'بوابة حصرية' للوصول إلى القضاء؛ فالمواطن قانوناً لا يملك حق العبور إلى منصة القضاء إلا من خلال هذا المسار المهني.
ثانياً: المادة 60.. حين يتحول التنظيم إلى 'تحصين'
تظهر المعضلة الحقيقية عند حدوث خلاف مهني بين المواطن ومحاميه؛ هنا تبرز المادة (60) من قانون النقابة التي تشترط الحصول على 'إذن خطي من النقيب' لمقاضاة محامٍ أو حتى توكيل زميل له.
هذا النص، الذي وُضع لغايات تنظيمية ومنع الكيدية، تحول في التطبيق العملي إلى 'عائق إجرائي' لعدة أسباب:
1. المواطن ملزم قانوناً بمحامٍ خاصة لمن هو مغترب خارج الوطن.
2. المحامي ممنوع من قبول القضية دون إذن.
3. النقابة – في حالات رصدناها – تمارس 'الصمت الإداري' تجاه طلبات الإذن.
النتيجة: المواطن يجد نفسه في حالة 'إنكار عدالة'؛ فلا هو قادر على التقاضي بنفسه بسبب غربته او بسبب عدم درايته باللاجراءات المطلوبة منه ، ولا هو قادر على إيجاد محامٍ يقبل قضيته دون إذن معلق!
ثالثاً: 'القرار السلبي'.. الصمت الذي يُجهض الحقوق
في تجربتي كمواطن مغترب، تقدمت بأربع مراسلات رسمية لنقابة المحامين تضمنت شكوى مسلكية وطلب إذن تقاضي، ولكن ما واجهته كان غياب 'الاستجابة الإجرائية'؛ فلا رقم وارد، ولا قيد للشكوى، ولا قرار باذن توكيل محامي أو القبول لشكواي.
هذا 'المسلك' يُكيف قانوناً بأنه 'قرار إداري سلبي'؛ وهو أخطر أنواع القرارات لأنه بلا مبرر، وبلا توقيت، ويحرم المواطن من أبسط حقوقه في الطعن بالقرار أو معرفة مصير مصلحته القانونية.
رابعاً: الخلل الإداري.. تعطيل الأنظمة الداخلية
إن الامتناع عن منح 'رقم وارد' للمراسلات الرسمية لا يعد مجرد خطأ إداري، بل هو تعطيل للمواد (42) و (55) من النظام الداخلي للنقابة، والتي تُلزم المجلس بالنظر في الشكاوى والبت فيها. إن غياب التوثيق الإداري يعني عملياً حجب المظلمة عن الوصول إلى 'صاحب القرار'، مما يُفرغ العمل النقابي من محتواه الرقابي.
خامساً: لماذا القضية ليست 'شخصية'؟
إن الحديث عن هذه الفجوة ليس نقداً لشخص، بل هو دفاع عن 'منظومة'. فالمغترب الأردني، والشركات، والمستثمرون، يعتمدون على 'شفافية الإجراءات' كضمانة لحقوقهم. إن ترك المادة (60) دون حوكمة زمنية وإجرائية يحولها إلى أداة قد تُفهم على أنها 'حصانة غير مبررة'، مما قد يؤدي لتآكل ثقة المواطن في المؤسسات المهنية.
سادساً: خارطة طريق للإصلاح
إن العدالة لا تُدار بالصمت، لذا نضع أمام أصحاب القرار والمشرعين هذه المطالب الوطنية:
1. مراجعة المادة 60: لضمان ألا تظل حقاً مطلقاً دون سقف زمني للرد.
2. أتمتة الشكاوى لدى النقابة: إطلاق منصة رقمية تمنح المواطن والمغترب 'رقم وارد' تلقائي وتتيح تتبع المعاملة.
3. تفعيل الرقابة: ضمان خضوع الإجراءات الإدارية للنقابات لرقابة القضاء الإداري بفاعلية أكبر.
ختاماً:
نقابة المحامين هي 'قلعة الحقوق'، ونقدنا لها نابع من الحرص على هيبتها ودورها القيادي. إن قوة المؤسسات تكمن في قدرتها على مراجعة إجراءاتها بما يخدم العدالة المطلقة. فالعدالة التي تتأخر بسبب إجراء إداري، هي عدالة منقوصة.. ونحن نؤمن بأن الأردن، بقيادته ومنظومته القانونية، قادر على سد هذه الفجوات لتبقى المحاكم – فعلياً لا نصاً – مفتوحة للجميع.
نسال الله ان يسدد خطانا واعمالنا لما يحبه الله ويرضاه, ولما فيه مصلحة بلدنا الغالي على قلوبنا جميعا.
بقلم: الدكتور المهندس مصطفى الخشيني – مواطن أردني مغترب
يُعدّ الحق في التقاضي العمود الفقري الذي تستند إليه الدولة المدنية الحديثة، وقد كفله الدستور الأردني بعبارة قاطعة في المادة (101): 'المحاكم مفتوحة للجميع'. إلا أن المسافة بين النص الدستوري والواقع الإجرائي بدأت تتسع، لتكشف عن 'فجوة' تحولت بمرور الوقت إلى عائق يحول بين المواطن وقاضيه الطبيعي، خاصة حينما تصبح الإجراءات النقابية 'قيداً' لا 'تنظيماً'.
إن مراجعة المنظومة التشريعية السائدة تكشف عن مفارقة تحتاج إلى وقفة وطنية جادة، يمكن تلخيصها في المحاور التالية:
أولاً: 'الوساطة الإلزامية'.. المحامي بوابة وحيدة للعدالة
لقد أحسن المشرّع الأردني حين فرض تمثيل المحامي في أغلب درجات التقاضي (بموجب المادة 63 من قانون أصول المحاكمات والمادة 41 من قانون النقابة)، وذلك لضمان جودة العدالة. لكن هذا 'الإلزام' حوّل المحامي إلى 'بوابة حصرية' للوصول إلى القضاء؛ فالمواطن قانوناً لا يملك حق العبور إلى منصة القضاء إلا من خلال هذا المسار المهني.
ثانياً: المادة 60.. حين يتحول التنظيم إلى 'تحصين'
تظهر المعضلة الحقيقية عند حدوث خلاف مهني بين المواطن ومحاميه؛ هنا تبرز المادة (60) من قانون النقابة التي تشترط الحصول على 'إذن خطي من النقيب' لمقاضاة محامٍ أو حتى توكيل زميل له.
هذا النص، الذي وُضع لغايات تنظيمية ومنع الكيدية، تحول في التطبيق العملي إلى 'عائق إجرائي' لعدة أسباب:
1. المواطن ملزم قانوناً بمحامٍ خاصة لمن هو مغترب خارج الوطن.
2. المحامي ممنوع من قبول القضية دون إذن.
3. النقابة – في حالات رصدناها – تمارس 'الصمت الإداري' تجاه طلبات الإذن.
النتيجة: المواطن يجد نفسه في حالة 'إنكار عدالة'؛ فلا هو قادر على التقاضي بنفسه بسبب غربته او بسبب عدم درايته باللاجراءات المطلوبة منه ، ولا هو قادر على إيجاد محامٍ يقبل قضيته دون إذن معلق!
ثالثاً: 'القرار السلبي'.. الصمت الذي يُجهض الحقوق
في تجربتي كمواطن مغترب، تقدمت بأربع مراسلات رسمية لنقابة المحامين تضمنت شكوى مسلكية وطلب إذن تقاضي، ولكن ما واجهته كان غياب 'الاستجابة الإجرائية'؛ فلا رقم وارد، ولا قيد للشكوى، ولا قرار باذن توكيل محامي أو القبول لشكواي.
هذا 'المسلك' يُكيف قانوناً بأنه 'قرار إداري سلبي'؛ وهو أخطر أنواع القرارات لأنه بلا مبرر، وبلا توقيت، ويحرم المواطن من أبسط حقوقه في الطعن بالقرار أو معرفة مصير مصلحته القانونية.
رابعاً: الخلل الإداري.. تعطيل الأنظمة الداخلية
إن الامتناع عن منح 'رقم وارد' للمراسلات الرسمية لا يعد مجرد خطأ إداري، بل هو تعطيل للمواد (42) و (55) من النظام الداخلي للنقابة، والتي تُلزم المجلس بالنظر في الشكاوى والبت فيها. إن غياب التوثيق الإداري يعني عملياً حجب المظلمة عن الوصول إلى 'صاحب القرار'، مما يُفرغ العمل النقابي من محتواه الرقابي.
خامساً: لماذا القضية ليست 'شخصية'؟
إن الحديث عن هذه الفجوة ليس نقداً لشخص، بل هو دفاع عن 'منظومة'. فالمغترب الأردني، والشركات، والمستثمرون، يعتمدون على 'شفافية الإجراءات' كضمانة لحقوقهم. إن ترك المادة (60) دون حوكمة زمنية وإجرائية يحولها إلى أداة قد تُفهم على أنها 'حصانة غير مبررة'، مما قد يؤدي لتآكل ثقة المواطن في المؤسسات المهنية.
سادساً: خارطة طريق للإصلاح
إن العدالة لا تُدار بالصمت، لذا نضع أمام أصحاب القرار والمشرعين هذه المطالب الوطنية:
1. مراجعة المادة 60: لضمان ألا تظل حقاً مطلقاً دون سقف زمني للرد.
2. أتمتة الشكاوى لدى النقابة: إطلاق منصة رقمية تمنح المواطن والمغترب 'رقم وارد' تلقائي وتتيح تتبع المعاملة.
3. تفعيل الرقابة: ضمان خضوع الإجراءات الإدارية للنقابات لرقابة القضاء الإداري بفاعلية أكبر.
ختاماً:
نقابة المحامين هي 'قلعة الحقوق'، ونقدنا لها نابع من الحرص على هيبتها ودورها القيادي. إن قوة المؤسسات تكمن في قدرتها على مراجعة إجراءاتها بما يخدم العدالة المطلقة. فالعدالة التي تتأخر بسبب إجراء إداري، هي عدالة منقوصة.. ونحن نؤمن بأن الأردن، بقيادته ومنظومته القانونية، قادر على سد هذه الفجوات لتبقى المحاكم – فعلياً لا نصاً – مفتوحة للجميع.
نسال الله ان يسدد خطانا واعمالنا لما يحبه الله ويرضاه, ولما فيه مصلحة بلدنا الغالي على قلوبنا جميعا.
التعليقات