أخبار اليوم - كان الفرح يدق طبوله بداخل قلب الطالبة رغد حسين عاشور (17 سنة) وهي تستعد لتسلم شهادتها في الصف الحادي عشر 'ريادة وأعمال' بعد حصولها على معدل 99.3%، فخرجت مبكرًا الساعة الثامنة صباح 22 يونيو/ حزيران 2026، على أن تعود سريعا بعد إحضار الشهادة، ولإجراء مقابلة، فقد اختيرت لمنحة دورة 'ذكاء اصطناعي' من المركز التعليمي الذي تدرس فيه وجاهيا، لتقيم فرحًا داخل خيمتها بحضور أفراد العائلة وصديقاتها عندما تعود.
لم تنتظر رغد أن تعود لخيمتها بل شاركت أمها ما تعيشه: 'أنا كتير فرحانة' وأوصتها أمها بجلب خبز وزيت وزعتر من السوق حينما تعود. كل الأشياء في البيت كانت تتجهز لإقامة فرح بتفوق رغد. الجميع كان ينتظر عودتها، ليغير صوت قصف وقع على مقربة من المخيم الذي تسكن فيه، كل الترتيبات السابقة. كان شيء داخلي يخبر أمها بحدوث شيء لابنتها، فخرجت تصرخ باسمها: 'رغد... رغد' وهي تتجه لمكان القصف الذي وقع بالشارع المجاور لشركة جوال قرب مفترق السرايا بمدينة غزة.
شهادة أخرى
في أثناء مرور الطالبة رغد وهي تحمل شهادة تفوقها والأغراض التي طلبتها أمها، كانت شهادة أخرى تنتظرها في الطريق، لحظة مرورها بقرب المركبة التي استهدفت بصاروخ أول أطلقته طائرة إسرائيلية حربية دون طيار، تطايرت الشظايا وفق شهود العيان على ظهرها.
'حاولت الزحف أسفل مركبة متوقفة للاحتماء من الشظايا، ليسقط صاروخ ثانٍ في وقت وصل شقيقها وليد للمكان وحاول سحبها لكن الشبان سحبوه بعد سقوط صاروخ ثالث ورابع في نفس المكان، أشبه بحزام ناري. وقعت كلها قبل أن يتم سحب جسدها الذي امتلأ بشظايا الصواريخ' بهذا تحكي أمها لصحيفة 'فلسطين'.
في داخل خيمة صامتة من ضحكات رغد وحضورها، تجلس أمها على سرير كان مشتركا تنامان عليه، فلا تزال أمها سمحه عبد الكريم عاشور (41 سنة) تعدها 'طفلتها المدللة' الأنثى الوحيدة لديها مع أربعة أشقاء ذكور، تتشاركان حتى الوسادة نفسها، وبالخيمة تجلس شقيقات الأم يحاولن مواساتها بعد أسبوع من الحدث، كانت آثار خيوط الدموع والحزن واضحة على وجنتيها وعينيها المحمرتين، وقلبها المكلوم. وعلى سرير آخر تجلس جدة رغد (من جهة الأم) وبجانبها صورة رغد المعلقة.
بقلب مثقل بالوجع تروي الأم عن لحظات القصف: 'عندما وصلت المكان كان قلبي يرتجف، كانت سيارات محطمة من أثر القصف، والإسعافات تنقل مصابين ومن بينهم فتاة، كنت ألح عليهم أن يروني إياها، عندما سألوني عن شكل ملابسها، من شدة الخوف نسيت ماذا كانت ترتدي! لكن لم أرها هنا، ولحقت إلى مستشفى الهلال الأحمر بساحة السرايا، وهناك رأيتها وكانت الصدمة شهيدة تملأ الشظايا ظهرها وكل مكان في جسدها'.
تحاول أمها التماسك أمام وجع يغرس مخالبه في قلبها، تقول بملامح وصوت مليء بالحسرة: 'كانت تحمل شهادة التفوق بيدها، لكنها جاءتني بشهادة أخرى. لها طموح كبير اختارت تخصص 'ريادة وأعمال' ودرسته عن حب وشغف وكانت تطمح أن تصبح مديرة بنك أو شركة، وكنا ننتظر وصولها لنحضر الحلوى وتدعو صديقاتها، لتتبدل المراسم إلى عزاء حضرته الصديقات'.
في أثناء التشييع حملت عاشور الأم جثمان ابنتها وكأنها تسمع شيئا في داخلها ينادي 'احمليني يما'، ولم تترك ابنتها حتى وارتها الثرى في المقبرة، في مشهد خطف الموت الابنة من حضن أمها وفي مقتبل العمر وفي أوج طموحها.
قبل الحادثة بأيام نشرت رغد عدة منشورات على تطبيقات مواقع التواصل كلها فسرتها أمها فيما بعد أنها 'منشورات وداع' دون أن تدري حتى صاحبة المنشور، ففي منشور نشرت رغد صورة والدها الذي استشهد في 4 أكتوبر/ تشرين أول 2011 وجدها الذي رباها وتوفي خلال الحرب بمرض السرطان، تقول: 'اقترب اللقاء يا حبيبي'.
وفي منشور آخر كتبت وكأنها وصية 'لا الدنيا لنا وما كنا للدنيا. كلنا إلى الله راجعون. اللهم إذا اقترب وقت الرحيل اغفر لنا وارحمنا وارزقنا حسن الخاتمة' وختمت بآية 'كل نفس ذائقة الموت'، ونشرت دعاء: 'اللهم ارحمني يوم تزول ضحكتي ويختفي صوتي ويتجهز قبري' وفي آخر منشور قالت 'أوصيكم بأمي'.
فرحة لم تكتمل
لم تكن فرحة التفوق الوحيدة التي تتحضر إليها رغد، بل كانت تستعد لحضور زفاف رفيقتها وابنة خالتها المقرر في 28 يونيو/ حزيران 2026، واكبت الأم تحضيرات الفرح التي شاركت فيها ابنتها: 'اشترت لها خالتها فستانا للفرح، وابنتي اشترت خاتما لابنة خالتها كهدية ورافقتها في شراء مستلزمات الفرح، لكنها كانت تقول لخالتها: 'حاسة أنه ما راح أحضر الفرح وعندما سألناها عن سبب الشعور كانت ترد: في قلبي غصة لا أعرف سببها'.
عاشت رغد رحلة نزوح صعبة بدأت منذ بداية الحرب انطلقت من بيت حانون إلى معسكر جباليا شمال القطاع ثم لمنطقة الصفطاوي شمال مدينة غزة، ونزحت لمدينة دير البلح وسط القطاع ثم لمحافظة رفح، وعادت لدير البلح ثم بيت حانون مع وقف إطلاق النار في يناير/ كانون الثاني 2026 ونزحت بعد ذلك لمدينة غزة مع استئناف الاحتلال للحرب ثم لمنطقة الزوايدة وسط القطاع قبل أن تعود لمدينة غزة في أكتوبر/ تشرين أول 2025 وعاشت في مخيم بالقرب من منطقة السرايا.
تقفز صورة من أيام النزوح أمام الأم قائلة: 'أيام النزوح وعندما كنت أتعب كانت تهون علي وتحاول إسعادي، وبعد استشهادها قرأت في هاتفها ما كتبته عني، وعن معاناتي بتربيتهم بعد استشهاد والدهم، وأنني كرست حياتي لأجلهم'.
تصفها أمها أنها 'وردة البيت' وتداهمها دمعة مرت على حديثها، وهي تجلس على نفس السرير الذي رحلت عنه ابنتها التي تعدها 'صديقة ورفيقة': 'كنا ننام على نفس الوسادة والسرير، هي شريكتي كنا نخرج معا، وتختار لي ملابسي، تعد لي كل صباح كأسا من 'النسكافيه' ونشربه معا، وكل الأشياء التي أحبها. قبل استشهادها بيومين اشتريت لي عباءة وأهدتني إياها وبقيت آخر ذكرى منها'.
من صفات رغد أنها رقيقة القلب فتبكي من أي موقف، حنونة بدرجة كبيرة، تحب تربية الأطفال وكانت تعتني بابن خالها الصغير يزن، وتشتري له الملابس، وتساعد جدتها وتساعدها في كل شيء ودائما قريبة منها، أما مع إخوتها الذكور الأربعة فكانت 'المدللة لديهم' ويحبونها حبا كبيرًا، كانت الدموع الصامتة لهم وهم يستمعون لحديث أمهم شاهدة على هذا الحب
المصدر / فلسطين أون لاين
أخبار اليوم - كان الفرح يدق طبوله بداخل قلب الطالبة رغد حسين عاشور (17 سنة) وهي تستعد لتسلم شهادتها في الصف الحادي عشر 'ريادة وأعمال' بعد حصولها على معدل 99.3%، فخرجت مبكرًا الساعة الثامنة صباح 22 يونيو/ حزيران 2026، على أن تعود سريعا بعد إحضار الشهادة، ولإجراء مقابلة، فقد اختيرت لمنحة دورة 'ذكاء اصطناعي' من المركز التعليمي الذي تدرس فيه وجاهيا، لتقيم فرحًا داخل خيمتها بحضور أفراد العائلة وصديقاتها عندما تعود.
لم تنتظر رغد أن تعود لخيمتها بل شاركت أمها ما تعيشه: 'أنا كتير فرحانة' وأوصتها أمها بجلب خبز وزيت وزعتر من السوق حينما تعود. كل الأشياء في البيت كانت تتجهز لإقامة فرح بتفوق رغد. الجميع كان ينتظر عودتها، ليغير صوت قصف وقع على مقربة من المخيم الذي تسكن فيه، كل الترتيبات السابقة. كان شيء داخلي يخبر أمها بحدوث شيء لابنتها، فخرجت تصرخ باسمها: 'رغد... رغد' وهي تتجه لمكان القصف الذي وقع بالشارع المجاور لشركة جوال قرب مفترق السرايا بمدينة غزة.
شهادة أخرى
في أثناء مرور الطالبة رغد وهي تحمل شهادة تفوقها والأغراض التي طلبتها أمها، كانت شهادة أخرى تنتظرها في الطريق، لحظة مرورها بقرب المركبة التي استهدفت بصاروخ أول أطلقته طائرة إسرائيلية حربية دون طيار، تطايرت الشظايا وفق شهود العيان على ظهرها.
'حاولت الزحف أسفل مركبة متوقفة للاحتماء من الشظايا، ليسقط صاروخ ثانٍ في وقت وصل شقيقها وليد للمكان وحاول سحبها لكن الشبان سحبوه بعد سقوط صاروخ ثالث ورابع في نفس المكان، أشبه بحزام ناري. وقعت كلها قبل أن يتم سحب جسدها الذي امتلأ بشظايا الصواريخ' بهذا تحكي أمها لصحيفة 'فلسطين'.
في داخل خيمة صامتة من ضحكات رغد وحضورها، تجلس أمها على سرير كان مشتركا تنامان عليه، فلا تزال أمها سمحه عبد الكريم عاشور (41 سنة) تعدها 'طفلتها المدللة' الأنثى الوحيدة لديها مع أربعة أشقاء ذكور، تتشاركان حتى الوسادة نفسها، وبالخيمة تجلس شقيقات الأم يحاولن مواساتها بعد أسبوع من الحدث، كانت آثار خيوط الدموع والحزن واضحة على وجنتيها وعينيها المحمرتين، وقلبها المكلوم. وعلى سرير آخر تجلس جدة رغد (من جهة الأم) وبجانبها صورة رغد المعلقة.
بقلب مثقل بالوجع تروي الأم عن لحظات القصف: 'عندما وصلت المكان كان قلبي يرتجف، كانت سيارات محطمة من أثر القصف، والإسعافات تنقل مصابين ومن بينهم فتاة، كنت ألح عليهم أن يروني إياها، عندما سألوني عن شكل ملابسها، من شدة الخوف نسيت ماذا كانت ترتدي! لكن لم أرها هنا، ولحقت إلى مستشفى الهلال الأحمر بساحة السرايا، وهناك رأيتها وكانت الصدمة شهيدة تملأ الشظايا ظهرها وكل مكان في جسدها'.
تحاول أمها التماسك أمام وجع يغرس مخالبه في قلبها، تقول بملامح وصوت مليء بالحسرة: 'كانت تحمل شهادة التفوق بيدها، لكنها جاءتني بشهادة أخرى. لها طموح كبير اختارت تخصص 'ريادة وأعمال' ودرسته عن حب وشغف وكانت تطمح أن تصبح مديرة بنك أو شركة، وكنا ننتظر وصولها لنحضر الحلوى وتدعو صديقاتها، لتتبدل المراسم إلى عزاء حضرته الصديقات'.
في أثناء التشييع حملت عاشور الأم جثمان ابنتها وكأنها تسمع شيئا في داخلها ينادي 'احمليني يما'، ولم تترك ابنتها حتى وارتها الثرى في المقبرة، في مشهد خطف الموت الابنة من حضن أمها وفي مقتبل العمر وفي أوج طموحها.
قبل الحادثة بأيام نشرت رغد عدة منشورات على تطبيقات مواقع التواصل كلها فسرتها أمها فيما بعد أنها 'منشورات وداع' دون أن تدري حتى صاحبة المنشور، ففي منشور نشرت رغد صورة والدها الذي استشهد في 4 أكتوبر/ تشرين أول 2011 وجدها الذي رباها وتوفي خلال الحرب بمرض السرطان، تقول: 'اقترب اللقاء يا حبيبي'.
وفي منشور آخر كتبت وكأنها وصية 'لا الدنيا لنا وما كنا للدنيا. كلنا إلى الله راجعون. اللهم إذا اقترب وقت الرحيل اغفر لنا وارحمنا وارزقنا حسن الخاتمة' وختمت بآية 'كل نفس ذائقة الموت'، ونشرت دعاء: 'اللهم ارحمني يوم تزول ضحكتي ويختفي صوتي ويتجهز قبري' وفي آخر منشور قالت 'أوصيكم بأمي'.
فرحة لم تكتمل
لم تكن فرحة التفوق الوحيدة التي تتحضر إليها رغد، بل كانت تستعد لحضور زفاف رفيقتها وابنة خالتها المقرر في 28 يونيو/ حزيران 2026، واكبت الأم تحضيرات الفرح التي شاركت فيها ابنتها: 'اشترت لها خالتها فستانا للفرح، وابنتي اشترت خاتما لابنة خالتها كهدية ورافقتها في شراء مستلزمات الفرح، لكنها كانت تقول لخالتها: 'حاسة أنه ما راح أحضر الفرح وعندما سألناها عن سبب الشعور كانت ترد: في قلبي غصة لا أعرف سببها'.
عاشت رغد رحلة نزوح صعبة بدأت منذ بداية الحرب انطلقت من بيت حانون إلى معسكر جباليا شمال القطاع ثم لمنطقة الصفطاوي شمال مدينة غزة، ونزحت لمدينة دير البلح وسط القطاع ثم لمحافظة رفح، وعادت لدير البلح ثم بيت حانون مع وقف إطلاق النار في يناير/ كانون الثاني 2026 ونزحت بعد ذلك لمدينة غزة مع استئناف الاحتلال للحرب ثم لمنطقة الزوايدة وسط القطاع قبل أن تعود لمدينة غزة في أكتوبر/ تشرين أول 2025 وعاشت في مخيم بالقرب من منطقة السرايا.
تقفز صورة من أيام النزوح أمام الأم قائلة: 'أيام النزوح وعندما كنت أتعب كانت تهون علي وتحاول إسعادي، وبعد استشهادها قرأت في هاتفها ما كتبته عني، وعن معاناتي بتربيتهم بعد استشهاد والدهم، وأنني كرست حياتي لأجلهم'.
تصفها أمها أنها 'وردة البيت' وتداهمها دمعة مرت على حديثها، وهي تجلس على نفس السرير الذي رحلت عنه ابنتها التي تعدها 'صديقة ورفيقة': 'كنا ننام على نفس الوسادة والسرير، هي شريكتي كنا نخرج معا، وتختار لي ملابسي، تعد لي كل صباح كأسا من 'النسكافيه' ونشربه معا، وكل الأشياء التي أحبها. قبل استشهادها بيومين اشتريت لي عباءة وأهدتني إياها وبقيت آخر ذكرى منها'.
من صفات رغد أنها رقيقة القلب فتبكي من أي موقف، حنونة بدرجة كبيرة، تحب تربية الأطفال وكانت تعتني بابن خالها الصغير يزن، وتشتري له الملابس، وتساعد جدتها وتساعدها في كل شيء ودائما قريبة منها، أما مع إخوتها الذكور الأربعة فكانت 'المدللة لديهم' ويحبونها حبا كبيرًا، كانت الدموع الصامتة لهم وهم يستمعون لحديث أمهم شاهدة على هذا الحب
المصدر / فلسطين أون لاين
أخبار اليوم - كان الفرح يدق طبوله بداخل قلب الطالبة رغد حسين عاشور (17 سنة) وهي تستعد لتسلم شهادتها في الصف الحادي عشر 'ريادة وأعمال' بعد حصولها على معدل 99.3%، فخرجت مبكرًا الساعة الثامنة صباح 22 يونيو/ حزيران 2026، على أن تعود سريعا بعد إحضار الشهادة، ولإجراء مقابلة، فقد اختيرت لمنحة دورة 'ذكاء اصطناعي' من المركز التعليمي الذي تدرس فيه وجاهيا، لتقيم فرحًا داخل خيمتها بحضور أفراد العائلة وصديقاتها عندما تعود.
لم تنتظر رغد أن تعود لخيمتها بل شاركت أمها ما تعيشه: 'أنا كتير فرحانة' وأوصتها أمها بجلب خبز وزيت وزعتر من السوق حينما تعود. كل الأشياء في البيت كانت تتجهز لإقامة فرح بتفوق رغد. الجميع كان ينتظر عودتها، ليغير صوت قصف وقع على مقربة من المخيم الذي تسكن فيه، كل الترتيبات السابقة. كان شيء داخلي يخبر أمها بحدوث شيء لابنتها، فخرجت تصرخ باسمها: 'رغد... رغد' وهي تتجه لمكان القصف الذي وقع بالشارع المجاور لشركة جوال قرب مفترق السرايا بمدينة غزة.
شهادة أخرى
في أثناء مرور الطالبة رغد وهي تحمل شهادة تفوقها والأغراض التي طلبتها أمها، كانت شهادة أخرى تنتظرها في الطريق، لحظة مرورها بقرب المركبة التي استهدفت بصاروخ أول أطلقته طائرة إسرائيلية حربية دون طيار، تطايرت الشظايا وفق شهود العيان على ظهرها.
'حاولت الزحف أسفل مركبة متوقفة للاحتماء من الشظايا، ليسقط صاروخ ثانٍ في وقت وصل شقيقها وليد للمكان وحاول سحبها لكن الشبان سحبوه بعد سقوط صاروخ ثالث ورابع في نفس المكان، أشبه بحزام ناري. وقعت كلها قبل أن يتم سحب جسدها الذي امتلأ بشظايا الصواريخ' بهذا تحكي أمها لصحيفة 'فلسطين'.
في داخل خيمة صامتة من ضحكات رغد وحضورها، تجلس أمها على سرير كان مشتركا تنامان عليه، فلا تزال أمها سمحه عبد الكريم عاشور (41 سنة) تعدها 'طفلتها المدللة' الأنثى الوحيدة لديها مع أربعة أشقاء ذكور، تتشاركان حتى الوسادة نفسها، وبالخيمة تجلس شقيقات الأم يحاولن مواساتها بعد أسبوع من الحدث، كانت آثار خيوط الدموع والحزن واضحة على وجنتيها وعينيها المحمرتين، وقلبها المكلوم. وعلى سرير آخر تجلس جدة رغد (من جهة الأم) وبجانبها صورة رغد المعلقة.
بقلب مثقل بالوجع تروي الأم عن لحظات القصف: 'عندما وصلت المكان كان قلبي يرتجف، كانت سيارات محطمة من أثر القصف، والإسعافات تنقل مصابين ومن بينهم فتاة، كنت ألح عليهم أن يروني إياها، عندما سألوني عن شكل ملابسها، من شدة الخوف نسيت ماذا كانت ترتدي! لكن لم أرها هنا، ولحقت إلى مستشفى الهلال الأحمر بساحة السرايا، وهناك رأيتها وكانت الصدمة شهيدة تملأ الشظايا ظهرها وكل مكان في جسدها'.
تحاول أمها التماسك أمام وجع يغرس مخالبه في قلبها، تقول بملامح وصوت مليء بالحسرة: 'كانت تحمل شهادة التفوق بيدها، لكنها جاءتني بشهادة أخرى. لها طموح كبير اختارت تخصص 'ريادة وأعمال' ودرسته عن حب وشغف وكانت تطمح أن تصبح مديرة بنك أو شركة، وكنا ننتظر وصولها لنحضر الحلوى وتدعو صديقاتها، لتتبدل المراسم إلى عزاء حضرته الصديقات'.
في أثناء التشييع حملت عاشور الأم جثمان ابنتها وكأنها تسمع شيئا في داخلها ينادي 'احمليني يما'، ولم تترك ابنتها حتى وارتها الثرى في المقبرة، في مشهد خطف الموت الابنة من حضن أمها وفي مقتبل العمر وفي أوج طموحها.
قبل الحادثة بأيام نشرت رغد عدة منشورات على تطبيقات مواقع التواصل كلها فسرتها أمها فيما بعد أنها 'منشورات وداع' دون أن تدري حتى صاحبة المنشور، ففي منشور نشرت رغد صورة والدها الذي استشهد في 4 أكتوبر/ تشرين أول 2011 وجدها الذي رباها وتوفي خلال الحرب بمرض السرطان، تقول: 'اقترب اللقاء يا حبيبي'.
وفي منشور آخر كتبت وكأنها وصية 'لا الدنيا لنا وما كنا للدنيا. كلنا إلى الله راجعون. اللهم إذا اقترب وقت الرحيل اغفر لنا وارحمنا وارزقنا حسن الخاتمة' وختمت بآية 'كل نفس ذائقة الموت'، ونشرت دعاء: 'اللهم ارحمني يوم تزول ضحكتي ويختفي صوتي ويتجهز قبري' وفي آخر منشور قالت 'أوصيكم بأمي'.
فرحة لم تكتمل
لم تكن فرحة التفوق الوحيدة التي تتحضر إليها رغد، بل كانت تستعد لحضور زفاف رفيقتها وابنة خالتها المقرر في 28 يونيو/ حزيران 2026، واكبت الأم تحضيرات الفرح التي شاركت فيها ابنتها: 'اشترت لها خالتها فستانا للفرح، وابنتي اشترت خاتما لابنة خالتها كهدية ورافقتها في شراء مستلزمات الفرح، لكنها كانت تقول لخالتها: 'حاسة أنه ما راح أحضر الفرح وعندما سألناها عن سبب الشعور كانت ترد: في قلبي غصة لا أعرف سببها'.
عاشت رغد رحلة نزوح صعبة بدأت منذ بداية الحرب انطلقت من بيت حانون إلى معسكر جباليا شمال القطاع ثم لمنطقة الصفطاوي شمال مدينة غزة، ونزحت لمدينة دير البلح وسط القطاع ثم لمحافظة رفح، وعادت لدير البلح ثم بيت حانون مع وقف إطلاق النار في يناير/ كانون الثاني 2026 ونزحت بعد ذلك لمدينة غزة مع استئناف الاحتلال للحرب ثم لمنطقة الزوايدة وسط القطاع قبل أن تعود لمدينة غزة في أكتوبر/ تشرين أول 2025 وعاشت في مخيم بالقرب من منطقة السرايا.
تقفز صورة من أيام النزوح أمام الأم قائلة: 'أيام النزوح وعندما كنت أتعب كانت تهون علي وتحاول إسعادي، وبعد استشهادها قرأت في هاتفها ما كتبته عني، وعن معاناتي بتربيتهم بعد استشهاد والدهم، وأنني كرست حياتي لأجلهم'.
تصفها أمها أنها 'وردة البيت' وتداهمها دمعة مرت على حديثها، وهي تجلس على نفس السرير الذي رحلت عنه ابنتها التي تعدها 'صديقة ورفيقة': 'كنا ننام على نفس الوسادة والسرير، هي شريكتي كنا نخرج معا، وتختار لي ملابسي، تعد لي كل صباح كأسا من 'النسكافيه' ونشربه معا، وكل الأشياء التي أحبها. قبل استشهادها بيومين اشتريت لي عباءة وأهدتني إياها وبقيت آخر ذكرى منها'.
من صفات رغد أنها رقيقة القلب فتبكي من أي موقف، حنونة بدرجة كبيرة، تحب تربية الأطفال وكانت تعتني بابن خالها الصغير يزن، وتشتري له الملابس، وتساعد جدتها وتساعدها في كل شيء ودائما قريبة منها، أما مع إخوتها الذكور الأربعة فكانت 'المدللة لديهم' ويحبونها حبا كبيرًا، كانت الدموع الصامتة لهم وهم يستمعون لحديث أمهم شاهدة على هذا الحب
المصدر / فلسطين أون لاين
التعليقات