أخبار اليوم - بعد أيام من قرار حل لجنة متابعة العمل الحكومي في غزة واستقالة رئيسها، لم يعد السؤال يتعلق بأسباب هذه الخطوة أو دوافعها، بقدر ما أصبح يتعلق بما إذا كانت الأطراف الأخرى ستقابلها بإجراءات سياسية وعملية موازية، أم ستتعامل معها باعتبارها مدخلا لفرض شروط جديدة على مستقبل القطاع.
فالمواقف التي صدرت فور إعلان حل المؤسسات الحكومية بغزة، عن (إسرائيل) ومجلس السلام، إلى جانب استمرار غياب تحرك فلسطيني رسمي مواز، تشير إلى أن المبادرة الفلسطينية فتحت نقاشا جديدا بشأن إدارة غزة، لكنها لم تحدث حتى الآن اختراقا في مواقف الأطراف المختلفة، الأمر الذي يجعل السؤال عن طبيعة الاستجابة لهذه الخطوة أكثر إلحاحا من السؤال عن دوافعها.
وفي السادس من الشهر الجاري، أعلن حل لجنة الطوارئ الحكومية ولجنة متابعة العمل الحكومي في غزة، واستقالة رئيسها محمد جواد الفرا، واستكمال الإجراءات اللازمة لنقل المهام الإدارية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
جاءت الخطوة بعد أشهر من الحديث عن ترتيبات انتقالية لإدارة القطاع، في رسالة من حركة حماس أرادت التأكيد من خلالها على الجدية في نقل المسؤوليات وتهيئة الأرضية لمرحلة مختلفة في إدارة الشأن المدني.
وتفاوتت ردود الفعل على القرار بصورة واضحة. فقد تعاملت إسرائيل معه باعتباره مناورة سياسية لا تغير من الواقع شيئا، بينما رحب مجلس السلام بحذر، لكنه ربط أي تقدم بشروط إضافية تتعلق بشكل السلطة ومستقبل السلاح وآليات إدارة القطاع.
أما السلطة الفلسطينية فلم تقدم حتى الآن مبادرة عملية توازي هذه الخطوة، الأمر الذي أبقى المشهد بين التشكيك والرفض والانتظار، دون ظهور مسار سياسي متكامل يمكن البناء عليه.
المبادرة أعادت ترتيب النقاش
ويرى المحلل السياسي أحمد الطناني، أن أهمية القرار لا تكمن في حل لجنة حكومية أو استقالة مسؤول، بل في الرسالة السياسية التي يحملها، فالخطوة تعني أن حركة حماس أعلنت استعدادها للتخلي عن المرجعية الحكومية المباشرة، وفتحت الباب أمام إدارة وطنية جديدة، وهو تحول يتجاوز الجانب الإداري إلى إعادة تموضع سياسي هدفه تغيير قواعد النقاش حول مستقبل غزة.
ويقول الطناني لصحيفة 'فلسطين': إن المبادرة جاءت في توقيت محسوب، قبيل جولات تفاوضية مهمة، بهدف إعادة ملف إدارة القطاع إلى صدارة جدول الأعمال، بعد أن انحصر النقاش خلال الأشهر الماضية في قضايا أمنية، وعلى رأسها ملف السلاح.
وبحسب المحلل السياسي فإن الخطوة نزعت من إسرائيل إحدى الذرائع السياسية التي استخدمتها باستمرار لتبرير استمرار العدوان على غزة.. فحين تعلن حماس حل المؤسسات الحكومية ونقل المسؤوليات الإدارية، فإنها تعيد توجيه الأنظار نحو مسؤولية الأطراف الأخرى في استكمال هذا المسار، بدل الاكتفاء بتوجيه الاتهامات.
ويعلق الطناني على سرعة التعليقات الإسرائيلية باعتبارها دليلا على أن المبادرة أحدثت أثرا سياسيا. ويعني ذلك، من وجهة نظره، أن المبادرة نجحت على الأقل في فرض نفسها على جدول النقاش، حتى وإن جاءت الردود بصيغة هجومية هدفت إلى التقليل من أهميتها.
ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة إلى مجلس السلام، الذي وجد نفسه مضطرا للتعامل مع التطور الجديد، لكنه اختار ربطه بحزمة من الاشتراطات الإضافية. ويشير ذلك إلى أن المبادرة لم تقابل بخطوة موازية، وإنما بمحاولة إعادة صياغتها ضمن رؤية مختلفة، وهو ما يعكس استمرار الفجوة بين ما تطرحه القوى الفلسطينية وما تريده الأطراف الدولية والإسرائيلية.
ويشير الطناني إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد متعلقا بقرار حل اللجنة الحكومية، وإنما بمدى استعداد الأطراف الأخرى لاتخاذ إجراءات مقابلة. فإذا كانت المبادرة الفلسطينية قد فتحت الباب أمام إعادة ترتيب الإدارة المدنية، فإن استمرار الاكتفاء بالشروط دون خطوات عملية سيؤدي إلى إطالة الأزمة، لا إلى معالجتها.
الخشية من اتساع دائرة الشروط
من جانبه يرى المحلل السياسي نعيم الريان، أن المبادرة جاءت في ظل ضغوط كبيرة مورست على المقاومة الفلسطينية، وفي ظل غياب موقف فلسطيني موحد قادر على تحويل أي تنازل أو مبادرة إلى مكسب وطني جامع، وهو ما يجعل البيئة السياسية المحيطة أكثر تعقيدا.
وينتقد الريان بوضوح موقف السلطة الفلسطينية، معتبرا أن غيابها عن أي جهد وطني مشترك، وإصرارها على مقاربة منفردة، أضعفا القدرة الفلسطينية على استثمار هذه الخطوة سياسيا.
ويؤكد لـ'فلسطين' أن الانتقال إلى إدارة جديدة يحتاج إلى شراكة وطنية حقيقية، لا إلى انتظار ما ستسفر عنه الضغوط الخارجية أو المبادرات الدولية.
ويلفت إلى أن الوسطاء يسعون إلى تحقيق تقدم في المسار السياسي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المطالب ستتوقف عند حدود حل المؤسسات الحكومية. بل يخشى أن تتحول هذه المبادرة إلى نقطة انطلاق لسلسلة جديدة من الاشتراطات، بحيث يطلب بعد كل خطوة فلسطينية تقديم خطوة أخرى، وصولا إلى ملفات أكثر حساسية، وفي مقدمتها نزع السلاح.
ومن هنا، يعتقد الريان أن التعامل مع قرار حل اللجنة الحكومية باعتباره نهاية الأزمة سيكون تقديرا غير واقعي. فالمرحلة المقبلة، في رأيه، ستشهد محاولات لإعادة هندسة المشهد السياسي والأمني في غزة بما يتوافق مع رؤى إقليمية ودولية، الأمر الذي يستدعي قدرا أكبر من التماسك الفلسطيني الداخلي حتى لا تتحول المبادرات الوطنية إلى أدوات تستخدم لفرض وقائع جديدة.
ومع ذلك، لا يغيب البعد المستقبلي عن رؤية الريان، إذ يرى أن تجاوز هذه المرحلة يتطلب بناء نظام سياسي فلسطيني أكثر مؤسساتية، يقوم على الشراكة والوحدة الوطنية، ويعيد الاعتبار للمؤسسات الجامعة، بما يضمن أن تكون أي ترتيبات مقبلة نابعة من توافق فلسطيني، لا من موازين القوى الخارجية وحدها.
بين المبادرة والاستجابة
ويتفق المحللان على أن المبادرة الفلسطينية نقلت الكرة إلى ملعب الأطراف الأخرى، فبعد حل المؤسسات الحكومية، لم يعد من المنطقي استمرار الاكتفاء بالمطالبة بخطوات فلسطينية إضافية، بينما تغيب أي إجراءات مقابلة من إسرائيل أو مجلس السلام أو السلطة الفلسطينية تعكس وجود إرادة فعلية لإنجاز انتقال سياسي وإداري متوازن.
ووفق قراءتهما فان نجاح هذه المبادرة يبقى مرهون بطبيعة الاستجابة التي ستليها، فإذا تحولت إلى مدخل لإجراءات متبادلة تخفف معاناة المواطنين في غزة وتفتح الباب أمام إدارة وطنية مستقرة، فإنها تكون قد حققت غايتها السياسية.
أما إذا استخدمت ذريعة لإضافة مزيد من الشروط الاسرائيلية وتأجيل الاستحقاقات، فإن الأزمة ستدخل مرحلة جديدة عنوانها تبدل الأدوات مع بقاء جوهر الصراع على حاله، وهو ما يجعل مسؤولية الأطراف كافة، وليس الفلسطينيين وحدهم، موضع الاختبار الحقيقي.
المصدر / فلسطين أون لاين
أخبار اليوم - بعد أيام من قرار حل لجنة متابعة العمل الحكومي في غزة واستقالة رئيسها، لم يعد السؤال يتعلق بأسباب هذه الخطوة أو دوافعها، بقدر ما أصبح يتعلق بما إذا كانت الأطراف الأخرى ستقابلها بإجراءات سياسية وعملية موازية، أم ستتعامل معها باعتبارها مدخلا لفرض شروط جديدة على مستقبل القطاع.
فالمواقف التي صدرت فور إعلان حل المؤسسات الحكومية بغزة، عن (إسرائيل) ومجلس السلام، إلى جانب استمرار غياب تحرك فلسطيني رسمي مواز، تشير إلى أن المبادرة الفلسطينية فتحت نقاشا جديدا بشأن إدارة غزة، لكنها لم تحدث حتى الآن اختراقا في مواقف الأطراف المختلفة، الأمر الذي يجعل السؤال عن طبيعة الاستجابة لهذه الخطوة أكثر إلحاحا من السؤال عن دوافعها.
وفي السادس من الشهر الجاري، أعلن حل لجنة الطوارئ الحكومية ولجنة متابعة العمل الحكومي في غزة، واستقالة رئيسها محمد جواد الفرا، واستكمال الإجراءات اللازمة لنقل المهام الإدارية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
جاءت الخطوة بعد أشهر من الحديث عن ترتيبات انتقالية لإدارة القطاع، في رسالة من حركة حماس أرادت التأكيد من خلالها على الجدية في نقل المسؤوليات وتهيئة الأرضية لمرحلة مختلفة في إدارة الشأن المدني.
وتفاوتت ردود الفعل على القرار بصورة واضحة. فقد تعاملت إسرائيل معه باعتباره مناورة سياسية لا تغير من الواقع شيئا، بينما رحب مجلس السلام بحذر، لكنه ربط أي تقدم بشروط إضافية تتعلق بشكل السلطة ومستقبل السلاح وآليات إدارة القطاع.
أما السلطة الفلسطينية فلم تقدم حتى الآن مبادرة عملية توازي هذه الخطوة، الأمر الذي أبقى المشهد بين التشكيك والرفض والانتظار، دون ظهور مسار سياسي متكامل يمكن البناء عليه.
المبادرة أعادت ترتيب النقاش
ويرى المحلل السياسي أحمد الطناني، أن أهمية القرار لا تكمن في حل لجنة حكومية أو استقالة مسؤول، بل في الرسالة السياسية التي يحملها، فالخطوة تعني أن حركة حماس أعلنت استعدادها للتخلي عن المرجعية الحكومية المباشرة، وفتحت الباب أمام إدارة وطنية جديدة، وهو تحول يتجاوز الجانب الإداري إلى إعادة تموضع سياسي هدفه تغيير قواعد النقاش حول مستقبل غزة.
ويقول الطناني لصحيفة 'فلسطين': إن المبادرة جاءت في توقيت محسوب، قبيل جولات تفاوضية مهمة، بهدف إعادة ملف إدارة القطاع إلى صدارة جدول الأعمال، بعد أن انحصر النقاش خلال الأشهر الماضية في قضايا أمنية، وعلى رأسها ملف السلاح.
وبحسب المحلل السياسي فإن الخطوة نزعت من إسرائيل إحدى الذرائع السياسية التي استخدمتها باستمرار لتبرير استمرار العدوان على غزة.. فحين تعلن حماس حل المؤسسات الحكومية ونقل المسؤوليات الإدارية، فإنها تعيد توجيه الأنظار نحو مسؤولية الأطراف الأخرى في استكمال هذا المسار، بدل الاكتفاء بتوجيه الاتهامات.
ويعلق الطناني على سرعة التعليقات الإسرائيلية باعتبارها دليلا على أن المبادرة أحدثت أثرا سياسيا. ويعني ذلك، من وجهة نظره، أن المبادرة نجحت على الأقل في فرض نفسها على جدول النقاش، حتى وإن جاءت الردود بصيغة هجومية هدفت إلى التقليل من أهميتها.
ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة إلى مجلس السلام، الذي وجد نفسه مضطرا للتعامل مع التطور الجديد، لكنه اختار ربطه بحزمة من الاشتراطات الإضافية. ويشير ذلك إلى أن المبادرة لم تقابل بخطوة موازية، وإنما بمحاولة إعادة صياغتها ضمن رؤية مختلفة، وهو ما يعكس استمرار الفجوة بين ما تطرحه القوى الفلسطينية وما تريده الأطراف الدولية والإسرائيلية.
ويشير الطناني إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد متعلقا بقرار حل اللجنة الحكومية، وإنما بمدى استعداد الأطراف الأخرى لاتخاذ إجراءات مقابلة. فإذا كانت المبادرة الفلسطينية قد فتحت الباب أمام إعادة ترتيب الإدارة المدنية، فإن استمرار الاكتفاء بالشروط دون خطوات عملية سيؤدي إلى إطالة الأزمة، لا إلى معالجتها.
الخشية من اتساع دائرة الشروط
من جانبه يرى المحلل السياسي نعيم الريان، أن المبادرة جاءت في ظل ضغوط كبيرة مورست على المقاومة الفلسطينية، وفي ظل غياب موقف فلسطيني موحد قادر على تحويل أي تنازل أو مبادرة إلى مكسب وطني جامع، وهو ما يجعل البيئة السياسية المحيطة أكثر تعقيدا.
وينتقد الريان بوضوح موقف السلطة الفلسطينية، معتبرا أن غيابها عن أي جهد وطني مشترك، وإصرارها على مقاربة منفردة، أضعفا القدرة الفلسطينية على استثمار هذه الخطوة سياسيا.
ويؤكد لـ'فلسطين' أن الانتقال إلى إدارة جديدة يحتاج إلى شراكة وطنية حقيقية، لا إلى انتظار ما ستسفر عنه الضغوط الخارجية أو المبادرات الدولية.
ويلفت إلى أن الوسطاء يسعون إلى تحقيق تقدم في المسار السياسي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المطالب ستتوقف عند حدود حل المؤسسات الحكومية. بل يخشى أن تتحول هذه المبادرة إلى نقطة انطلاق لسلسلة جديدة من الاشتراطات، بحيث يطلب بعد كل خطوة فلسطينية تقديم خطوة أخرى، وصولا إلى ملفات أكثر حساسية، وفي مقدمتها نزع السلاح.
ومن هنا، يعتقد الريان أن التعامل مع قرار حل اللجنة الحكومية باعتباره نهاية الأزمة سيكون تقديرا غير واقعي. فالمرحلة المقبلة، في رأيه، ستشهد محاولات لإعادة هندسة المشهد السياسي والأمني في غزة بما يتوافق مع رؤى إقليمية ودولية، الأمر الذي يستدعي قدرا أكبر من التماسك الفلسطيني الداخلي حتى لا تتحول المبادرات الوطنية إلى أدوات تستخدم لفرض وقائع جديدة.
ومع ذلك، لا يغيب البعد المستقبلي عن رؤية الريان، إذ يرى أن تجاوز هذه المرحلة يتطلب بناء نظام سياسي فلسطيني أكثر مؤسساتية، يقوم على الشراكة والوحدة الوطنية، ويعيد الاعتبار للمؤسسات الجامعة، بما يضمن أن تكون أي ترتيبات مقبلة نابعة من توافق فلسطيني، لا من موازين القوى الخارجية وحدها.
بين المبادرة والاستجابة
ويتفق المحللان على أن المبادرة الفلسطينية نقلت الكرة إلى ملعب الأطراف الأخرى، فبعد حل المؤسسات الحكومية، لم يعد من المنطقي استمرار الاكتفاء بالمطالبة بخطوات فلسطينية إضافية، بينما تغيب أي إجراءات مقابلة من إسرائيل أو مجلس السلام أو السلطة الفلسطينية تعكس وجود إرادة فعلية لإنجاز انتقال سياسي وإداري متوازن.
ووفق قراءتهما فان نجاح هذه المبادرة يبقى مرهون بطبيعة الاستجابة التي ستليها، فإذا تحولت إلى مدخل لإجراءات متبادلة تخفف معاناة المواطنين في غزة وتفتح الباب أمام إدارة وطنية مستقرة، فإنها تكون قد حققت غايتها السياسية.
أما إذا استخدمت ذريعة لإضافة مزيد من الشروط الاسرائيلية وتأجيل الاستحقاقات، فإن الأزمة ستدخل مرحلة جديدة عنوانها تبدل الأدوات مع بقاء جوهر الصراع على حاله، وهو ما يجعل مسؤولية الأطراف كافة، وليس الفلسطينيين وحدهم، موضع الاختبار الحقيقي.
المصدر / فلسطين أون لاين
أخبار اليوم - بعد أيام من قرار حل لجنة متابعة العمل الحكومي في غزة واستقالة رئيسها، لم يعد السؤال يتعلق بأسباب هذه الخطوة أو دوافعها، بقدر ما أصبح يتعلق بما إذا كانت الأطراف الأخرى ستقابلها بإجراءات سياسية وعملية موازية، أم ستتعامل معها باعتبارها مدخلا لفرض شروط جديدة على مستقبل القطاع.
فالمواقف التي صدرت فور إعلان حل المؤسسات الحكومية بغزة، عن (إسرائيل) ومجلس السلام، إلى جانب استمرار غياب تحرك فلسطيني رسمي مواز، تشير إلى أن المبادرة الفلسطينية فتحت نقاشا جديدا بشأن إدارة غزة، لكنها لم تحدث حتى الآن اختراقا في مواقف الأطراف المختلفة، الأمر الذي يجعل السؤال عن طبيعة الاستجابة لهذه الخطوة أكثر إلحاحا من السؤال عن دوافعها.
وفي السادس من الشهر الجاري، أعلن حل لجنة الطوارئ الحكومية ولجنة متابعة العمل الحكومي في غزة، واستقالة رئيسها محمد جواد الفرا، واستكمال الإجراءات اللازمة لنقل المهام الإدارية إلى اللجنة الوطنية لإدارة غزة.
جاءت الخطوة بعد أشهر من الحديث عن ترتيبات انتقالية لإدارة القطاع، في رسالة من حركة حماس أرادت التأكيد من خلالها على الجدية في نقل المسؤوليات وتهيئة الأرضية لمرحلة مختلفة في إدارة الشأن المدني.
وتفاوتت ردود الفعل على القرار بصورة واضحة. فقد تعاملت إسرائيل معه باعتباره مناورة سياسية لا تغير من الواقع شيئا، بينما رحب مجلس السلام بحذر، لكنه ربط أي تقدم بشروط إضافية تتعلق بشكل السلطة ومستقبل السلاح وآليات إدارة القطاع.
أما السلطة الفلسطينية فلم تقدم حتى الآن مبادرة عملية توازي هذه الخطوة، الأمر الذي أبقى المشهد بين التشكيك والرفض والانتظار، دون ظهور مسار سياسي متكامل يمكن البناء عليه.
المبادرة أعادت ترتيب النقاش
ويرى المحلل السياسي أحمد الطناني، أن أهمية القرار لا تكمن في حل لجنة حكومية أو استقالة مسؤول، بل في الرسالة السياسية التي يحملها، فالخطوة تعني أن حركة حماس أعلنت استعدادها للتخلي عن المرجعية الحكومية المباشرة، وفتحت الباب أمام إدارة وطنية جديدة، وهو تحول يتجاوز الجانب الإداري إلى إعادة تموضع سياسي هدفه تغيير قواعد النقاش حول مستقبل غزة.
ويقول الطناني لصحيفة 'فلسطين': إن المبادرة جاءت في توقيت محسوب، قبيل جولات تفاوضية مهمة، بهدف إعادة ملف إدارة القطاع إلى صدارة جدول الأعمال، بعد أن انحصر النقاش خلال الأشهر الماضية في قضايا أمنية، وعلى رأسها ملف السلاح.
وبحسب المحلل السياسي فإن الخطوة نزعت من إسرائيل إحدى الذرائع السياسية التي استخدمتها باستمرار لتبرير استمرار العدوان على غزة.. فحين تعلن حماس حل المؤسسات الحكومية ونقل المسؤوليات الإدارية، فإنها تعيد توجيه الأنظار نحو مسؤولية الأطراف الأخرى في استكمال هذا المسار، بدل الاكتفاء بتوجيه الاتهامات.
ويعلق الطناني على سرعة التعليقات الإسرائيلية باعتبارها دليلا على أن المبادرة أحدثت أثرا سياسيا. ويعني ذلك، من وجهة نظره، أن المبادرة نجحت على الأقل في فرض نفسها على جدول النقاش، حتى وإن جاءت الردود بصيغة هجومية هدفت إلى التقليل من أهميتها.
ولا يختلف الأمر كثيرا بالنسبة إلى مجلس السلام، الذي وجد نفسه مضطرا للتعامل مع التطور الجديد، لكنه اختار ربطه بحزمة من الاشتراطات الإضافية. ويشير ذلك إلى أن المبادرة لم تقابل بخطوة موازية، وإنما بمحاولة إعادة صياغتها ضمن رؤية مختلفة، وهو ما يعكس استمرار الفجوة بين ما تطرحه القوى الفلسطينية وما تريده الأطراف الدولية والإسرائيلية.
ويشير الطناني إلى أن السؤال الحقيقي لم يعد متعلقا بقرار حل اللجنة الحكومية، وإنما بمدى استعداد الأطراف الأخرى لاتخاذ إجراءات مقابلة. فإذا كانت المبادرة الفلسطينية قد فتحت الباب أمام إعادة ترتيب الإدارة المدنية، فإن استمرار الاكتفاء بالشروط دون خطوات عملية سيؤدي إلى إطالة الأزمة، لا إلى معالجتها.
الخشية من اتساع دائرة الشروط
من جانبه يرى المحلل السياسي نعيم الريان، أن المبادرة جاءت في ظل ضغوط كبيرة مورست على المقاومة الفلسطينية، وفي ظل غياب موقف فلسطيني موحد قادر على تحويل أي تنازل أو مبادرة إلى مكسب وطني جامع، وهو ما يجعل البيئة السياسية المحيطة أكثر تعقيدا.
وينتقد الريان بوضوح موقف السلطة الفلسطينية، معتبرا أن غيابها عن أي جهد وطني مشترك، وإصرارها على مقاربة منفردة، أضعفا القدرة الفلسطينية على استثمار هذه الخطوة سياسيا.
ويؤكد لـ'فلسطين' أن الانتقال إلى إدارة جديدة يحتاج إلى شراكة وطنية حقيقية، لا إلى انتظار ما ستسفر عنه الضغوط الخارجية أو المبادرات الدولية.
ويلفت إلى أن الوسطاء يسعون إلى تحقيق تقدم في المسار السياسي، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن المطالب ستتوقف عند حدود حل المؤسسات الحكومية. بل يخشى أن تتحول هذه المبادرة إلى نقطة انطلاق لسلسلة جديدة من الاشتراطات، بحيث يطلب بعد كل خطوة فلسطينية تقديم خطوة أخرى، وصولا إلى ملفات أكثر حساسية، وفي مقدمتها نزع السلاح.
ومن هنا، يعتقد الريان أن التعامل مع قرار حل اللجنة الحكومية باعتباره نهاية الأزمة سيكون تقديرا غير واقعي. فالمرحلة المقبلة، في رأيه، ستشهد محاولات لإعادة هندسة المشهد السياسي والأمني في غزة بما يتوافق مع رؤى إقليمية ودولية، الأمر الذي يستدعي قدرا أكبر من التماسك الفلسطيني الداخلي حتى لا تتحول المبادرات الوطنية إلى أدوات تستخدم لفرض وقائع جديدة.
ومع ذلك، لا يغيب البعد المستقبلي عن رؤية الريان، إذ يرى أن تجاوز هذه المرحلة يتطلب بناء نظام سياسي فلسطيني أكثر مؤسساتية، يقوم على الشراكة والوحدة الوطنية، ويعيد الاعتبار للمؤسسات الجامعة، بما يضمن أن تكون أي ترتيبات مقبلة نابعة من توافق فلسطيني، لا من موازين القوى الخارجية وحدها.
بين المبادرة والاستجابة
ويتفق المحللان على أن المبادرة الفلسطينية نقلت الكرة إلى ملعب الأطراف الأخرى، فبعد حل المؤسسات الحكومية، لم يعد من المنطقي استمرار الاكتفاء بالمطالبة بخطوات فلسطينية إضافية، بينما تغيب أي إجراءات مقابلة من إسرائيل أو مجلس السلام أو السلطة الفلسطينية تعكس وجود إرادة فعلية لإنجاز انتقال سياسي وإداري متوازن.
ووفق قراءتهما فان نجاح هذه المبادرة يبقى مرهون بطبيعة الاستجابة التي ستليها، فإذا تحولت إلى مدخل لإجراءات متبادلة تخفف معاناة المواطنين في غزة وتفتح الباب أمام إدارة وطنية مستقرة، فإنها تكون قد حققت غايتها السياسية.
أما إذا استخدمت ذريعة لإضافة مزيد من الشروط الاسرائيلية وتأجيل الاستحقاقات، فإن الأزمة ستدخل مرحلة جديدة عنوانها تبدل الأدوات مع بقاء جوهر الصراع على حاله، وهو ما يجعل مسؤولية الأطراف كافة، وليس الفلسطينيين وحدهم، موضع الاختبار الحقيقي.
المصدر / فلسطين أون لاين
التعليقات