حين يطالب نائب بمدونة سلوك عامة تدعو إلى الاحتشام في اللباس في الأماكن العامة، من دون تشدد، ومن دون تدخل في خصوصيات الناس، يخرج من يقول له: «أليس لديك ما تفعله؟ اذهب وعالج البطالة والفقر والوضع الاقتصادي!»
وكأن النائب لا يحق له أن يفكر إلا في ملف واحد!
وكأن المجتمع اقتصاد فقط، وكأن الإنسان راتب وفاتورة وضريبة، وليس قيماً وسلوكاً وهوية وذوقاً عاماً أيضاً.
أقول هذا وقد كنت نائباً في مجلس النواب لدورتين متتاليتين، وأعرف جيداً ماذا يعني العمل النيابي، وما هي مسؤوليات النائب وحدودها. نعم، الاقتصاد أولوية. والبطالة أولوية. والفقر أولوية. والتعليم والصحة والاستثمار أولوية.
لكن من قال إن الاهتمام بهذه الملفات يقتضي أن نهمل المجتمع وقيمه وسلوكه العام؟
النائب ليس وزير مالية فقط، ولا وزير عمل فقط، ولا خبيراً اقتصادياً يجلس في البرلمان لمناقشة الأرقام والموازنات وحدها. النائب ممثل للمجتمع بكل همومه: الاقتصادية والتشريعية والتعليمية والأخلاقية والاجتماعية.
والبرلمان الذي يناقش الموازنة والضرائب والاستثمار، من حقه أيضاً أن يناقش الظواهر الاجتماعية التي تمس الذوق العام وطبيعة الفضاء الذي نعيش فيه جميعاً.
ثم إن الحديث هنا ليس عن مطاردة الناس، ولا عن اقتحام خصوصياتهم، ولا عن فرض زي ديني، ولا عن تحويل المجتمع إلى مجتمع متشدد.
هناك فرق هائل بين الاحتشام والتشدد.
حين نقول إن من غير المناسب أن يتجول شاب في بعض الأماكن العامة بملابس شديدة الاختصار، أو أن تتحول بعض الأزياء إلى كشف مبالغ فيه للجسد، فنحن لا نطالب بمحاكم تفتيش، ولا نقيس تدين الناس، ولا نصادر حرياتهم الشخصية.
نحن نتحدث ببساطة عن حد أدنى من الذوق العام الذي يراعي طبيعة المكان وحقوق الآخرين أيضاً.
فالحرية الشخصية قيمة نحترمها وندافع عنها، لكنها في الفضاء العام ليست مفهوماً يعيش في فراغ. نحن نشارك الشارع والسوق والجامعة والمطعم والحديقة والمرافق العامة مع أطفال وعائلات وكبار سن وأناس تختلف ثقافاتهم وقناعاتهم.
ومن حق الجميع أن يشعروا بأن الفضاء العام يحترم قدراً معقولاً من قيم المجتمع الذي يعيشون فيه.
والأهم: لا ينبغي أن تتحول القضية إلى معركة ضد المرأة.
الاحتشام الذي أتحدث عنه ليس موجهاً إلى الفتاة وحدها.
الشاب معني به كما الفتاة.
ومن يرفض المبالغة في كشف جسد المرأة في الأماكن العامة، عليه بالمنطق نفسه أن يرفض أن يتجول الرجل في الأماكن غير المناسبة بلباس يكشف جسده بصورة لا تنسجم مع طبيعة المكان.
المعيار يجب أن يكون واحداً: احترام المكان، واحترام المجتمع، واحترام الإنسان، رجلاً كان أم امرأة.
أما العبارة الجاهزة: «روح حل البطالة»، فهي في الحقيقة تختزل وظيفة النائب بطريقة غير منطقية.
هل نقول للنائب الذي يتحدث عن المخدرات: اترك المخدرات وحل البطالة؟
وهل نقول لمن يناقش العنف الجامعي: اترك العنف واهتم بالاقتصاد؟
وهل نقول لمن يتحدث عن التفكك الأسري أو التنمر أو الجرائم الإلكترونية أو حماية الأطفال: هذه ليست أولويات لأن لدينا عجزاً في الموازنة؟
الدولة لا تُدار بهذه الطريقة.
الدول المحترمة تستطيع أن تحارب البطالة وتحمي الاقتصاد، وفي الوقت نفسه تحمي التعليم والأسرة والذوق العام والقيم المجتمعية.
ولا أرى أي تناقض بين أن نطالب بفرصة عمل للشاب، وأن نطالبه أيضاً باحترام المكان العام.
ولا تناقض بين أن ندافع عن حقوق المرأة وحريتها وكرامتها، وأن نتحدث في الوقت نفسه عن ثقافة عامة للاحتشام تنطبق على الرجال والنساء.
ولا تناقض بين دولة حديثة منفتحة على العالم وبين مجتمع يحتفظ بشخصيته وقيمه.
بل إن الخطأ الحقيقي هو أن نقبل معادلة غريبة تقول إن التقدم يعني أن نتخلى تدريجياً عن كل معيار اجتماعي، وإن كل اعتراض على أي سلوك أصبح تدخلاً في الحرية الشخصية.
لا لا .
الحداثة ليست إلغاءً للهوية.
والحرية ليست إلغاءً للذوق العام.
والانفتاح ليس دعوة إلى أن يصبح كل شيء مقبولاً في كل مكان.
والمحافظة على قدر من الاحتشام ليست تخلفاً.
نستطيع أن نكون مجتمعاً حديثاً، متعلماً، منفتحاً، يحترم المرأة والشباب والحريات الشخصية، وفي الوقت نفسه نقول بهدوء وثقة: لهذا المجتمع شخصية، وله قيم، وللفضاء العام فيه حدود من اللياقة والاحتشام ينبغي احترامها.
قد نختلف في صياغة المدونة، أو في بعض تفاصيلها، أو في الآلية التي تقترح لتنفيذها؛ فهذا كله قابل للنقاش.
لكنني أرفض السخرية من أصل الفكرة، وأرفض تصوير كل من يتحدث عن قيم المجتمع وكأنه شخص «فاضي مش لاقي شغلة».
المجتمعات لا تنهار اقتصادياً فقط.
قد تخسر المجتمعات شيئاً من روحها وهويتها بالتدريج، حين يصبح الحديث عن القيم مثاراً للسخرية، وحين يصبح الصمت هو الثمن المطلوب حتى يوصف الإنسان بأنه «متفتح».
وأنا، كنائب سابق لدورتين متتاليتين، أقولها بوضوح:
لو كنت اليوم تحت قبة البرلمان، فسأناقش البطالة والفقر والاستثمار والموازنة بكل قوة، وسأقف أيضاً عندما أرى قضية تمس مجتمعنا وقيمه.
لأنني لم أنتخب يوماً لأمثل جيب المواطن فقط.
النائب يمثل المواطن، والأسرة، والمجتمع، ومستقبل أبنائه أيضاً.
فلنناقش شكل مدونة السلوك، ولنختلف حول تفاصيلها وضماناتها، ولنتأكد أنها لا تتحول إلى تعسف أو تمييز أو انتهاك للخصوصية.
أما أن يصبح مجرد الحديث عن الاحتشام والذوق العام تهمة، وأن يُطلب من النائب أن يصمت لأن هناك بطالة وفقرًا، فهذه حجة لا تستقيم.
نريد اقتصاداً قوياً، نعم.
ونريد فرص عمل، نعم.
ونريد حريات مصانة، نعم.
ونريد أيضاً مجتمعاً يحترم نفسه وقيمه وفضاءه العام.
فهذه ليست قضايا متنافسة.
هذه كلها لبنات الوطن الذي نريد أن نحافظ عليه .
النائب السابق د. محمد زريقات.
حين يطالب نائب بمدونة سلوك عامة تدعو إلى الاحتشام في اللباس في الأماكن العامة، من دون تشدد، ومن دون تدخل في خصوصيات الناس، يخرج من يقول له: «أليس لديك ما تفعله؟ اذهب وعالج البطالة والفقر والوضع الاقتصادي!»
وكأن النائب لا يحق له أن يفكر إلا في ملف واحد!
وكأن المجتمع اقتصاد فقط، وكأن الإنسان راتب وفاتورة وضريبة، وليس قيماً وسلوكاً وهوية وذوقاً عاماً أيضاً.
أقول هذا وقد كنت نائباً في مجلس النواب لدورتين متتاليتين، وأعرف جيداً ماذا يعني العمل النيابي، وما هي مسؤوليات النائب وحدودها. نعم، الاقتصاد أولوية. والبطالة أولوية. والفقر أولوية. والتعليم والصحة والاستثمار أولوية.
لكن من قال إن الاهتمام بهذه الملفات يقتضي أن نهمل المجتمع وقيمه وسلوكه العام؟
النائب ليس وزير مالية فقط، ولا وزير عمل فقط، ولا خبيراً اقتصادياً يجلس في البرلمان لمناقشة الأرقام والموازنات وحدها. النائب ممثل للمجتمع بكل همومه: الاقتصادية والتشريعية والتعليمية والأخلاقية والاجتماعية.
والبرلمان الذي يناقش الموازنة والضرائب والاستثمار، من حقه أيضاً أن يناقش الظواهر الاجتماعية التي تمس الذوق العام وطبيعة الفضاء الذي نعيش فيه جميعاً.
ثم إن الحديث هنا ليس عن مطاردة الناس، ولا عن اقتحام خصوصياتهم، ولا عن فرض زي ديني، ولا عن تحويل المجتمع إلى مجتمع متشدد.
هناك فرق هائل بين الاحتشام والتشدد.
حين نقول إن من غير المناسب أن يتجول شاب في بعض الأماكن العامة بملابس شديدة الاختصار، أو أن تتحول بعض الأزياء إلى كشف مبالغ فيه للجسد، فنحن لا نطالب بمحاكم تفتيش، ولا نقيس تدين الناس، ولا نصادر حرياتهم الشخصية.
نحن نتحدث ببساطة عن حد أدنى من الذوق العام الذي يراعي طبيعة المكان وحقوق الآخرين أيضاً.
فالحرية الشخصية قيمة نحترمها وندافع عنها، لكنها في الفضاء العام ليست مفهوماً يعيش في فراغ. نحن نشارك الشارع والسوق والجامعة والمطعم والحديقة والمرافق العامة مع أطفال وعائلات وكبار سن وأناس تختلف ثقافاتهم وقناعاتهم.
ومن حق الجميع أن يشعروا بأن الفضاء العام يحترم قدراً معقولاً من قيم المجتمع الذي يعيشون فيه.
والأهم: لا ينبغي أن تتحول القضية إلى معركة ضد المرأة.
الاحتشام الذي أتحدث عنه ليس موجهاً إلى الفتاة وحدها.
الشاب معني به كما الفتاة.
ومن يرفض المبالغة في كشف جسد المرأة في الأماكن العامة، عليه بالمنطق نفسه أن يرفض أن يتجول الرجل في الأماكن غير المناسبة بلباس يكشف جسده بصورة لا تنسجم مع طبيعة المكان.
المعيار يجب أن يكون واحداً: احترام المكان، واحترام المجتمع، واحترام الإنسان، رجلاً كان أم امرأة.
أما العبارة الجاهزة: «روح حل البطالة»، فهي في الحقيقة تختزل وظيفة النائب بطريقة غير منطقية.
هل نقول للنائب الذي يتحدث عن المخدرات: اترك المخدرات وحل البطالة؟
وهل نقول لمن يناقش العنف الجامعي: اترك العنف واهتم بالاقتصاد؟
وهل نقول لمن يتحدث عن التفكك الأسري أو التنمر أو الجرائم الإلكترونية أو حماية الأطفال: هذه ليست أولويات لأن لدينا عجزاً في الموازنة؟
الدولة لا تُدار بهذه الطريقة.
الدول المحترمة تستطيع أن تحارب البطالة وتحمي الاقتصاد، وفي الوقت نفسه تحمي التعليم والأسرة والذوق العام والقيم المجتمعية.
ولا أرى أي تناقض بين أن نطالب بفرصة عمل للشاب، وأن نطالبه أيضاً باحترام المكان العام.
ولا تناقض بين أن ندافع عن حقوق المرأة وحريتها وكرامتها، وأن نتحدث في الوقت نفسه عن ثقافة عامة للاحتشام تنطبق على الرجال والنساء.
ولا تناقض بين دولة حديثة منفتحة على العالم وبين مجتمع يحتفظ بشخصيته وقيمه.
بل إن الخطأ الحقيقي هو أن نقبل معادلة غريبة تقول إن التقدم يعني أن نتخلى تدريجياً عن كل معيار اجتماعي، وإن كل اعتراض على أي سلوك أصبح تدخلاً في الحرية الشخصية.
لا لا .
الحداثة ليست إلغاءً للهوية.
والحرية ليست إلغاءً للذوق العام.
والانفتاح ليس دعوة إلى أن يصبح كل شيء مقبولاً في كل مكان.
والمحافظة على قدر من الاحتشام ليست تخلفاً.
نستطيع أن نكون مجتمعاً حديثاً، متعلماً، منفتحاً، يحترم المرأة والشباب والحريات الشخصية، وفي الوقت نفسه نقول بهدوء وثقة: لهذا المجتمع شخصية، وله قيم، وللفضاء العام فيه حدود من اللياقة والاحتشام ينبغي احترامها.
قد نختلف في صياغة المدونة، أو في بعض تفاصيلها، أو في الآلية التي تقترح لتنفيذها؛ فهذا كله قابل للنقاش.
لكنني أرفض السخرية من أصل الفكرة، وأرفض تصوير كل من يتحدث عن قيم المجتمع وكأنه شخص «فاضي مش لاقي شغلة».
المجتمعات لا تنهار اقتصادياً فقط.
قد تخسر المجتمعات شيئاً من روحها وهويتها بالتدريج، حين يصبح الحديث عن القيم مثاراً للسخرية، وحين يصبح الصمت هو الثمن المطلوب حتى يوصف الإنسان بأنه «متفتح».
وأنا، كنائب سابق لدورتين متتاليتين، أقولها بوضوح:
لو كنت اليوم تحت قبة البرلمان، فسأناقش البطالة والفقر والاستثمار والموازنة بكل قوة، وسأقف أيضاً عندما أرى قضية تمس مجتمعنا وقيمه.
لأنني لم أنتخب يوماً لأمثل جيب المواطن فقط.
النائب يمثل المواطن، والأسرة، والمجتمع، ومستقبل أبنائه أيضاً.
فلنناقش شكل مدونة السلوك، ولنختلف حول تفاصيلها وضماناتها، ولنتأكد أنها لا تتحول إلى تعسف أو تمييز أو انتهاك للخصوصية.
أما أن يصبح مجرد الحديث عن الاحتشام والذوق العام تهمة، وأن يُطلب من النائب أن يصمت لأن هناك بطالة وفقرًا، فهذه حجة لا تستقيم.
نريد اقتصاداً قوياً، نعم.
ونريد فرص عمل، نعم.
ونريد حريات مصانة، نعم.
ونريد أيضاً مجتمعاً يحترم نفسه وقيمه وفضاءه العام.
فهذه ليست قضايا متنافسة.
هذه كلها لبنات الوطن الذي نريد أن نحافظ عليه .
النائب السابق د. محمد زريقات.
حين يطالب نائب بمدونة سلوك عامة تدعو إلى الاحتشام في اللباس في الأماكن العامة، من دون تشدد، ومن دون تدخل في خصوصيات الناس، يخرج من يقول له: «أليس لديك ما تفعله؟ اذهب وعالج البطالة والفقر والوضع الاقتصادي!»
وكأن النائب لا يحق له أن يفكر إلا في ملف واحد!
وكأن المجتمع اقتصاد فقط، وكأن الإنسان راتب وفاتورة وضريبة، وليس قيماً وسلوكاً وهوية وذوقاً عاماً أيضاً.
أقول هذا وقد كنت نائباً في مجلس النواب لدورتين متتاليتين، وأعرف جيداً ماذا يعني العمل النيابي، وما هي مسؤوليات النائب وحدودها. نعم، الاقتصاد أولوية. والبطالة أولوية. والفقر أولوية. والتعليم والصحة والاستثمار أولوية.
لكن من قال إن الاهتمام بهذه الملفات يقتضي أن نهمل المجتمع وقيمه وسلوكه العام؟
النائب ليس وزير مالية فقط، ولا وزير عمل فقط، ولا خبيراً اقتصادياً يجلس في البرلمان لمناقشة الأرقام والموازنات وحدها. النائب ممثل للمجتمع بكل همومه: الاقتصادية والتشريعية والتعليمية والأخلاقية والاجتماعية.
والبرلمان الذي يناقش الموازنة والضرائب والاستثمار، من حقه أيضاً أن يناقش الظواهر الاجتماعية التي تمس الذوق العام وطبيعة الفضاء الذي نعيش فيه جميعاً.
ثم إن الحديث هنا ليس عن مطاردة الناس، ولا عن اقتحام خصوصياتهم، ولا عن فرض زي ديني، ولا عن تحويل المجتمع إلى مجتمع متشدد.
هناك فرق هائل بين الاحتشام والتشدد.
حين نقول إن من غير المناسب أن يتجول شاب في بعض الأماكن العامة بملابس شديدة الاختصار، أو أن تتحول بعض الأزياء إلى كشف مبالغ فيه للجسد، فنحن لا نطالب بمحاكم تفتيش، ولا نقيس تدين الناس، ولا نصادر حرياتهم الشخصية.
نحن نتحدث ببساطة عن حد أدنى من الذوق العام الذي يراعي طبيعة المكان وحقوق الآخرين أيضاً.
فالحرية الشخصية قيمة نحترمها وندافع عنها، لكنها في الفضاء العام ليست مفهوماً يعيش في فراغ. نحن نشارك الشارع والسوق والجامعة والمطعم والحديقة والمرافق العامة مع أطفال وعائلات وكبار سن وأناس تختلف ثقافاتهم وقناعاتهم.
ومن حق الجميع أن يشعروا بأن الفضاء العام يحترم قدراً معقولاً من قيم المجتمع الذي يعيشون فيه.
والأهم: لا ينبغي أن تتحول القضية إلى معركة ضد المرأة.
الاحتشام الذي أتحدث عنه ليس موجهاً إلى الفتاة وحدها.
الشاب معني به كما الفتاة.
ومن يرفض المبالغة في كشف جسد المرأة في الأماكن العامة، عليه بالمنطق نفسه أن يرفض أن يتجول الرجل في الأماكن غير المناسبة بلباس يكشف جسده بصورة لا تنسجم مع طبيعة المكان.
المعيار يجب أن يكون واحداً: احترام المكان، واحترام المجتمع، واحترام الإنسان، رجلاً كان أم امرأة.
أما العبارة الجاهزة: «روح حل البطالة»، فهي في الحقيقة تختزل وظيفة النائب بطريقة غير منطقية.
هل نقول للنائب الذي يتحدث عن المخدرات: اترك المخدرات وحل البطالة؟
وهل نقول لمن يناقش العنف الجامعي: اترك العنف واهتم بالاقتصاد؟
وهل نقول لمن يتحدث عن التفكك الأسري أو التنمر أو الجرائم الإلكترونية أو حماية الأطفال: هذه ليست أولويات لأن لدينا عجزاً في الموازنة؟
الدولة لا تُدار بهذه الطريقة.
الدول المحترمة تستطيع أن تحارب البطالة وتحمي الاقتصاد، وفي الوقت نفسه تحمي التعليم والأسرة والذوق العام والقيم المجتمعية.
ولا أرى أي تناقض بين أن نطالب بفرصة عمل للشاب، وأن نطالبه أيضاً باحترام المكان العام.
ولا تناقض بين أن ندافع عن حقوق المرأة وحريتها وكرامتها، وأن نتحدث في الوقت نفسه عن ثقافة عامة للاحتشام تنطبق على الرجال والنساء.
ولا تناقض بين دولة حديثة منفتحة على العالم وبين مجتمع يحتفظ بشخصيته وقيمه.
بل إن الخطأ الحقيقي هو أن نقبل معادلة غريبة تقول إن التقدم يعني أن نتخلى تدريجياً عن كل معيار اجتماعي، وإن كل اعتراض على أي سلوك أصبح تدخلاً في الحرية الشخصية.
لا لا .
الحداثة ليست إلغاءً للهوية.
والحرية ليست إلغاءً للذوق العام.
والانفتاح ليس دعوة إلى أن يصبح كل شيء مقبولاً في كل مكان.
والمحافظة على قدر من الاحتشام ليست تخلفاً.
نستطيع أن نكون مجتمعاً حديثاً، متعلماً، منفتحاً، يحترم المرأة والشباب والحريات الشخصية، وفي الوقت نفسه نقول بهدوء وثقة: لهذا المجتمع شخصية، وله قيم، وللفضاء العام فيه حدود من اللياقة والاحتشام ينبغي احترامها.
قد نختلف في صياغة المدونة، أو في بعض تفاصيلها، أو في الآلية التي تقترح لتنفيذها؛ فهذا كله قابل للنقاش.
لكنني أرفض السخرية من أصل الفكرة، وأرفض تصوير كل من يتحدث عن قيم المجتمع وكأنه شخص «فاضي مش لاقي شغلة».
المجتمعات لا تنهار اقتصادياً فقط.
قد تخسر المجتمعات شيئاً من روحها وهويتها بالتدريج، حين يصبح الحديث عن القيم مثاراً للسخرية، وحين يصبح الصمت هو الثمن المطلوب حتى يوصف الإنسان بأنه «متفتح».
وأنا، كنائب سابق لدورتين متتاليتين، أقولها بوضوح:
لو كنت اليوم تحت قبة البرلمان، فسأناقش البطالة والفقر والاستثمار والموازنة بكل قوة، وسأقف أيضاً عندما أرى قضية تمس مجتمعنا وقيمه.
لأنني لم أنتخب يوماً لأمثل جيب المواطن فقط.
النائب يمثل المواطن، والأسرة، والمجتمع، ومستقبل أبنائه أيضاً.
فلنناقش شكل مدونة السلوك، ولنختلف حول تفاصيلها وضماناتها، ولنتأكد أنها لا تتحول إلى تعسف أو تمييز أو انتهاك للخصوصية.
أما أن يصبح مجرد الحديث عن الاحتشام والذوق العام تهمة، وأن يُطلب من النائب أن يصمت لأن هناك بطالة وفقرًا، فهذه حجة لا تستقيم.
نريد اقتصاداً قوياً، نعم.
ونريد فرص عمل، نعم.
ونريد حريات مصانة، نعم.
ونريد أيضاً مجتمعاً يحترم نفسه وقيمه وفضاءه العام.
فهذه ليست قضايا متنافسة.
هذه كلها لبنات الوطن الذي نريد أن نحافظ عليه .
النائب السابق د. محمد زريقات.
التعليقات