أخبار اليوم - لم يكن الشهيد محمد غانم يرتدي زيَّ الدفاع المدني بصفته وظيفةً يتقاضى عنها راتبًا، بل كان يرتديه بوصفه رسالةً إنسانية اختار أن يحملها في أكثر اللحظات قسوةً التي عرفها قطاع غزة.
وبينما كانت طائرات الاحتلال تُحوِّل البيوت إلى ركام، كان محمد يركض نحو الدخان واللهب، باحثًا عن ناجين، أو طفل ينتظر من ينتشله، أو أسرة تحتاج إلى يدٍ تمتد إليها قبل أن يبتلعها الركام.
وكان محمد يعمل ضمن فرق الإنقاذ وإطفاء الحرائق في الدفاع المدني بمدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، وقد عُرف بين زملائه بشجاعته، والتزامه، وسرعة استجابته لكل نداء استغاثة.
ويقول شقيقه، علاء غانم: إن محمد 'لم يتردد يومًا في الالتحاق بعمله، حتى خلال أشد أيام الحرب خطرًا، مؤمنًا بأن إنقاذ إنسان واحد يستحق المجازفة بكل شيء'.
لكن الاحتلال الإسرائيلي، الذي لا يفرّق بين مدني ومسعف أو رجل دفاع مدني، تعمد استهداف العاملين في المؤسسات الإنسانية والإغاثية، رغم الحماية التي يكفلها لهم القانون الدولي الإنساني. وبين هؤلاء كان محمد غانم، الذي دفع حياته ثمنًا لواجبه الإنساني، بعدما كرّس أيامه لإنقاذ الآخرين.
ويضيف شقيقه علاء لصحيفة 'فلسطين'، وهو يستعيد ملامح أخيه بصوت يختلط بالفخر والحزن: 'محمد كان قمة في الهدوء والتواضع، قليل الكلام، لكنه كان حاضرًا في كل موقف يحتاج إلى فعل، أكثر ما كان يميزه ابتسامته التي لم تكن تفارق وجهه مهما اشتدت الظروف'.
وعن حضوره الميداني، يقول غانم: 'عرفه زملاؤه بالشجاعة والتعاون، وكان من أوائل المتطوعين للمشاركة في عمليات الإنقاذ وإخماد الحرائق، لم يكن يختار المهمات السهلة، بل كان يتجه دائمًا إلى الأماكن الأكثر خطورة، حيث يكون احتمال العثور على ناجين أكبر'.
ويؤكد شقيقه أن محمد بقي ملتزمًا بعمله طوال أيام الحرب، رغم القصف المتواصل والاستهداف المتكرر لفرق الدفاع المدني.
وتابع: 'كان يرى أن وجوده وسط الأنقاض واجب قبل أن يكون وظيفة، وكان يعتبر أن إنقاذ الأرواح عبادة عظيمة يؤجر عليها الإنسان'.
وبالرغم من أن الحرب سرقت من العائلة الكثير، فإنها لم تستطع أن تنتزع من محمد إنسانيته، فبعد استشهاد شقيقته في الشهر الثاني من الحرب التي اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ومعها بناتها الثلاث، لم يترك شقيقتهن الناجية الوحيدة تواجه الحياة وحدها.
يشير علاء، إلى أن الطفلة كانت تبلغ من العمر عامين فقط، لكنها وجدت في خالها أبًا آخر.
'كان يعاملها وكأنها ابنته تمامًا، لا يفارقها أبدًا، يوفر لها احتياجاتها، ويشتري لها الألعاب كلما استطاع، ويخرج معها إلى الشارع حتى يخفف عنها ألم الفقد الذي لم تكن تدركه بعد'، كما يقول علاء.
ويلخص هذا المشهد شخصية محمد أكثر من أي وصف؛ رجل اعتاد إنقاذ الغرباء، لكنه كان يبدأ دائمًا بأهله، يحمل عنهم أوجاعهم، ويحاول أن يزرع في قلوب الأطفال شيئًا من الحياة وسط الموت.
ومن الذكريات التي لا تغيب عن ذاكرة علاء، موقفٌ سبق زواجه بوقت قصير، حين جاء شقيقه محمد يحمل كل ما يملكه من مال، ووضعه بين يديه قائلاً: 'اعتبرهم مصاريك (أموالك). خذهم وخلّص كل أمورك'.
لم يكن المبلغ كبيرًا أو صغيرًا هو ما يصنع قيمة الموقف، بل حقيقة أنه قدّم كل ما يملك دون تردد، وكأن راحة أخيه أهم من احتياجاته الشخصية.
يقول علاء: 'هكذا كان محمد، لا يعرف أن يحتفظ بشيء لنفسه إذا كان أحد أفراد العائلة يحتاج شيئًا'.
ورغم انشغاله الدائم في عمله، كان يجد وقتًا لأسرته، وكان آخر موقف جمعهما بعيدًا عن أصوات القصف، حين جلسا يشاهدان المباراة النهائية لبطولة كأس الأمم الأوروبية بين منتخبي إسبانيا وإنجلترا، في مكان نزوحهم.
لم يكن أحد منهما يعلم أن تلك الساعات ستكون آخر ذكرى تجمعهما، مباراة عابرة تحولت لاحقًا إلى مشهد لا يفارق ذاكرة أخيه، لأنها كانت آخر مرة يرى فيها ابتسامة محمد عن قرب، وآخر حديث جمعهما قبل أن يخطفه الموت.
ويصف شقيقه لحظة تلقي خبر استشهاده بأنها كانت من أصعب لحظات حياتهم، لكنها جاءت بعد سلسلة طويلة من الفواجع التي عاشتها الأسرة.
وتابع علاء: 'تلقينا خبر استشهاده بكل حزن وألم، لكننا راضون بقضاء الله وقدره، فقد سبقته إلى الشهادة أختي وبناتها الثلاث، وقد أخذت الحرب منا الكثير'.
وترك استشهاد محمد أثرًا مختلفًا داخل الأسرة، وفق شقيقه، وواصل حديثه: 'منذ استشهاده نشعر دائمًا بوجود نقص وفراغ في العائلة، كان حاضرًا في كل تفاصيل حياتنا، يساعد الجميع، ويقف إلى جانب كل من يحتاجه، لذلك يصعب أن يمر يوم دون أن نتذكره'.
ولم يكن محمد مجرد اسم ضمن قائمة شهداء الدفاع المدني، بل كان شاهدًا على حجم التضحيات التي قدمها العاملون في هذا الجهاز خلال الحرب، وهم يؤدون واجبًا إنسانيًا خالصًا، يتمثل في إنقاذ الأرواح وإخماد الحرائق وانتشال الضحايا من تحت الأنقاض.
وعلى الرغم من أن القانون الدولي يمنح أفراد الدفاع المدني حماية خاصة بوصفهم عاملين في مجال الإغاثة الإنسانية، فإن الحرب في غزة شهدت استهدافًا متكررًا لفرق الإنقاذ، ومركباتهم، ومقارهم، الأمر الذي أدى إلى استشهاد وإصابة المئات منهم في أثناء أداء واجبهم الإنساني.
ورغم رحيله محمد، تبقى صورته في ذاكرة من عرفوه مرتبطة بابتسامته الهادئة، أكثر من ارتباطها بملابس الدفاع المدني أو معدات الإنقاذ، فقد كان يؤمن أن الأخلاق الطيبة هي الإرث الحقيقي الذي يتركه الإنسان بعد رحيله.
ويختتم علاء غانم حديثه برسالة يريد أن تبقى مع كل من عرف محمد أو سمع عنه: 'أحب أن يتذكر الناس أخي بحسن خلقه، وتواضعه، وابتسامته التي لم تكن تفارقه، وأتمنى أن تبقى الرسالة التي كان يحملها في عمله حاضرة في الأذهان، وهي أن إنقاذ الأرواح عبادة عظيمة، وأن من يهب حياته لإنقاذ الآخرين يستحق أن تخلد ذكراه'.
رحل محمد غانم، لكن حكايته بقيت شاهدًا على رجال حملوا معدات الإنقاذ بدل السلاح، واختاروا أن يواجهوا النيران لينقذوا حياة الآخرين.
فلسطين أون لاين
أخبار اليوم - لم يكن الشهيد محمد غانم يرتدي زيَّ الدفاع المدني بصفته وظيفةً يتقاضى عنها راتبًا، بل كان يرتديه بوصفه رسالةً إنسانية اختار أن يحملها في أكثر اللحظات قسوةً التي عرفها قطاع غزة.
وبينما كانت طائرات الاحتلال تُحوِّل البيوت إلى ركام، كان محمد يركض نحو الدخان واللهب، باحثًا عن ناجين، أو طفل ينتظر من ينتشله، أو أسرة تحتاج إلى يدٍ تمتد إليها قبل أن يبتلعها الركام.
وكان محمد يعمل ضمن فرق الإنقاذ وإطفاء الحرائق في الدفاع المدني بمدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، وقد عُرف بين زملائه بشجاعته، والتزامه، وسرعة استجابته لكل نداء استغاثة.
ويقول شقيقه، علاء غانم: إن محمد 'لم يتردد يومًا في الالتحاق بعمله، حتى خلال أشد أيام الحرب خطرًا، مؤمنًا بأن إنقاذ إنسان واحد يستحق المجازفة بكل شيء'.
لكن الاحتلال الإسرائيلي، الذي لا يفرّق بين مدني ومسعف أو رجل دفاع مدني، تعمد استهداف العاملين في المؤسسات الإنسانية والإغاثية، رغم الحماية التي يكفلها لهم القانون الدولي الإنساني. وبين هؤلاء كان محمد غانم، الذي دفع حياته ثمنًا لواجبه الإنساني، بعدما كرّس أيامه لإنقاذ الآخرين.
ويضيف شقيقه علاء لصحيفة 'فلسطين'، وهو يستعيد ملامح أخيه بصوت يختلط بالفخر والحزن: 'محمد كان قمة في الهدوء والتواضع، قليل الكلام، لكنه كان حاضرًا في كل موقف يحتاج إلى فعل، أكثر ما كان يميزه ابتسامته التي لم تكن تفارق وجهه مهما اشتدت الظروف'.
وعن حضوره الميداني، يقول غانم: 'عرفه زملاؤه بالشجاعة والتعاون، وكان من أوائل المتطوعين للمشاركة في عمليات الإنقاذ وإخماد الحرائق، لم يكن يختار المهمات السهلة، بل كان يتجه دائمًا إلى الأماكن الأكثر خطورة، حيث يكون احتمال العثور على ناجين أكبر'.
ويؤكد شقيقه أن محمد بقي ملتزمًا بعمله طوال أيام الحرب، رغم القصف المتواصل والاستهداف المتكرر لفرق الدفاع المدني.
وتابع: 'كان يرى أن وجوده وسط الأنقاض واجب قبل أن يكون وظيفة، وكان يعتبر أن إنقاذ الأرواح عبادة عظيمة يؤجر عليها الإنسان'.
وبالرغم من أن الحرب سرقت من العائلة الكثير، فإنها لم تستطع أن تنتزع من محمد إنسانيته، فبعد استشهاد شقيقته في الشهر الثاني من الحرب التي اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ومعها بناتها الثلاث، لم يترك شقيقتهن الناجية الوحيدة تواجه الحياة وحدها.
يشير علاء، إلى أن الطفلة كانت تبلغ من العمر عامين فقط، لكنها وجدت في خالها أبًا آخر.
'كان يعاملها وكأنها ابنته تمامًا، لا يفارقها أبدًا، يوفر لها احتياجاتها، ويشتري لها الألعاب كلما استطاع، ويخرج معها إلى الشارع حتى يخفف عنها ألم الفقد الذي لم تكن تدركه بعد'، كما يقول علاء.
ويلخص هذا المشهد شخصية محمد أكثر من أي وصف؛ رجل اعتاد إنقاذ الغرباء، لكنه كان يبدأ دائمًا بأهله، يحمل عنهم أوجاعهم، ويحاول أن يزرع في قلوب الأطفال شيئًا من الحياة وسط الموت.
ومن الذكريات التي لا تغيب عن ذاكرة علاء، موقفٌ سبق زواجه بوقت قصير، حين جاء شقيقه محمد يحمل كل ما يملكه من مال، ووضعه بين يديه قائلاً: 'اعتبرهم مصاريك (أموالك). خذهم وخلّص كل أمورك'.
لم يكن المبلغ كبيرًا أو صغيرًا هو ما يصنع قيمة الموقف، بل حقيقة أنه قدّم كل ما يملك دون تردد، وكأن راحة أخيه أهم من احتياجاته الشخصية.
يقول علاء: 'هكذا كان محمد، لا يعرف أن يحتفظ بشيء لنفسه إذا كان أحد أفراد العائلة يحتاج شيئًا'.
ورغم انشغاله الدائم في عمله، كان يجد وقتًا لأسرته، وكان آخر موقف جمعهما بعيدًا عن أصوات القصف، حين جلسا يشاهدان المباراة النهائية لبطولة كأس الأمم الأوروبية بين منتخبي إسبانيا وإنجلترا، في مكان نزوحهم.
لم يكن أحد منهما يعلم أن تلك الساعات ستكون آخر ذكرى تجمعهما، مباراة عابرة تحولت لاحقًا إلى مشهد لا يفارق ذاكرة أخيه، لأنها كانت آخر مرة يرى فيها ابتسامة محمد عن قرب، وآخر حديث جمعهما قبل أن يخطفه الموت.
ويصف شقيقه لحظة تلقي خبر استشهاده بأنها كانت من أصعب لحظات حياتهم، لكنها جاءت بعد سلسلة طويلة من الفواجع التي عاشتها الأسرة.
وتابع علاء: 'تلقينا خبر استشهاده بكل حزن وألم، لكننا راضون بقضاء الله وقدره، فقد سبقته إلى الشهادة أختي وبناتها الثلاث، وقد أخذت الحرب منا الكثير'.
وترك استشهاد محمد أثرًا مختلفًا داخل الأسرة، وفق شقيقه، وواصل حديثه: 'منذ استشهاده نشعر دائمًا بوجود نقص وفراغ في العائلة، كان حاضرًا في كل تفاصيل حياتنا، يساعد الجميع، ويقف إلى جانب كل من يحتاجه، لذلك يصعب أن يمر يوم دون أن نتذكره'.
ولم يكن محمد مجرد اسم ضمن قائمة شهداء الدفاع المدني، بل كان شاهدًا على حجم التضحيات التي قدمها العاملون في هذا الجهاز خلال الحرب، وهم يؤدون واجبًا إنسانيًا خالصًا، يتمثل في إنقاذ الأرواح وإخماد الحرائق وانتشال الضحايا من تحت الأنقاض.
وعلى الرغم من أن القانون الدولي يمنح أفراد الدفاع المدني حماية خاصة بوصفهم عاملين في مجال الإغاثة الإنسانية، فإن الحرب في غزة شهدت استهدافًا متكررًا لفرق الإنقاذ، ومركباتهم، ومقارهم، الأمر الذي أدى إلى استشهاد وإصابة المئات منهم في أثناء أداء واجبهم الإنساني.
ورغم رحيله محمد، تبقى صورته في ذاكرة من عرفوه مرتبطة بابتسامته الهادئة، أكثر من ارتباطها بملابس الدفاع المدني أو معدات الإنقاذ، فقد كان يؤمن أن الأخلاق الطيبة هي الإرث الحقيقي الذي يتركه الإنسان بعد رحيله.
ويختتم علاء غانم حديثه برسالة يريد أن تبقى مع كل من عرف محمد أو سمع عنه: 'أحب أن يتذكر الناس أخي بحسن خلقه، وتواضعه، وابتسامته التي لم تكن تفارقه، وأتمنى أن تبقى الرسالة التي كان يحملها في عمله حاضرة في الأذهان، وهي أن إنقاذ الأرواح عبادة عظيمة، وأن من يهب حياته لإنقاذ الآخرين يستحق أن تخلد ذكراه'.
رحل محمد غانم، لكن حكايته بقيت شاهدًا على رجال حملوا معدات الإنقاذ بدل السلاح، واختاروا أن يواجهوا النيران لينقذوا حياة الآخرين.
فلسطين أون لاين
أخبار اليوم - لم يكن الشهيد محمد غانم يرتدي زيَّ الدفاع المدني بصفته وظيفةً يتقاضى عنها راتبًا، بل كان يرتديه بوصفه رسالةً إنسانية اختار أن يحملها في أكثر اللحظات قسوةً التي عرفها قطاع غزة.
وبينما كانت طائرات الاحتلال تُحوِّل البيوت إلى ركام، كان محمد يركض نحو الدخان واللهب، باحثًا عن ناجين، أو طفل ينتظر من ينتشله، أو أسرة تحتاج إلى يدٍ تمتد إليها قبل أن يبتلعها الركام.
وكان محمد يعمل ضمن فرق الإنقاذ وإطفاء الحرائق في الدفاع المدني بمدينة رفح، جنوبي قطاع غزة، وقد عُرف بين زملائه بشجاعته، والتزامه، وسرعة استجابته لكل نداء استغاثة.
ويقول شقيقه، علاء غانم: إن محمد 'لم يتردد يومًا في الالتحاق بعمله، حتى خلال أشد أيام الحرب خطرًا، مؤمنًا بأن إنقاذ إنسان واحد يستحق المجازفة بكل شيء'.
لكن الاحتلال الإسرائيلي، الذي لا يفرّق بين مدني ومسعف أو رجل دفاع مدني، تعمد استهداف العاملين في المؤسسات الإنسانية والإغاثية، رغم الحماية التي يكفلها لهم القانون الدولي الإنساني. وبين هؤلاء كان محمد غانم، الذي دفع حياته ثمنًا لواجبه الإنساني، بعدما كرّس أيامه لإنقاذ الآخرين.
ويضيف شقيقه علاء لصحيفة 'فلسطين'، وهو يستعيد ملامح أخيه بصوت يختلط بالفخر والحزن: 'محمد كان قمة في الهدوء والتواضع، قليل الكلام، لكنه كان حاضرًا في كل موقف يحتاج إلى فعل، أكثر ما كان يميزه ابتسامته التي لم تكن تفارق وجهه مهما اشتدت الظروف'.
وعن حضوره الميداني، يقول غانم: 'عرفه زملاؤه بالشجاعة والتعاون، وكان من أوائل المتطوعين للمشاركة في عمليات الإنقاذ وإخماد الحرائق، لم يكن يختار المهمات السهلة، بل كان يتجه دائمًا إلى الأماكن الأكثر خطورة، حيث يكون احتمال العثور على ناجين أكبر'.
ويؤكد شقيقه أن محمد بقي ملتزمًا بعمله طوال أيام الحرب، رغم القصف المتواصل والاستهداف المتكرر لفرق الدفاع المدني.
وتابع: 'كان يرى أن وجوده وسط الأنقاض واجب قبل أن يكون وظيفة، وكان يعتبر أن إنقاذ الأرواح عبادة عظيمة يؤجر عليها الإنسان'.
وبالرغم من أن الحرب سرقت من العائلة الكثير، فإنها لم تستطع أن تنتزع من محمد إنسانيته، فبعد استشهاد شقيقته في الشهر الثاني من الحرب التي اندلعت في أكتوبر/ تشرين الأول 2023، ومعها بناتها الثلاث، لم يترك شقيقتهن الناجية الوحيدة تواجه الحياة وحدها.
يشير علاء، إلى أن الطفلة كانت تبلغ من العمر عامين فقط، لكنها وجدت في خالها أبًا آخر.
'كان يعاملها وكأنها ابنته تمامًا، لا يفارقها أبدًا، يوفر لها احتياجاتها، ويشتري لها الألعاب كلما استطاع، ويخرج معها إلى الشارع حتى يخفف عنها ألم الفقد الذي لم تكن تدركه بعد'، كما يقول علاء.
ويلخص هذا المشهد شخصية محمد أكثر من أي وصف؛ رجل اعتاد إنقاذ الغرباء، لكنه كان يبدأ دائمًا بأهله، يحمل عنهم أوجاعهم، ويحاول أن يزرع في قلوب الأطفال شيئًا من الحياة وسط الموت.
ومن الذكريات التي لا تغيب عن ذاكرة علاء، موقفٌ سبق زواجه بوقت قصير، حين جاء شقيقه محمد يحمل كل ما يملكه من مال، ووضعه بين يديه قائلاً: 'اعتبرهم مصاريك (أموالك). خذهم وخلّص كل أمورك'.
لم يكن المبلغ كبيرًا أو صغيرًا هو ما يصنع قيمة الموقف، بل حقيقة أنه قدّم كل ما يملك دون تردد، وكأن راحة أخيه أهم من احتياجاته الشخصية.
يقول علاء: 'هكذا كان محمد، لا يعرف أن يحتفظ بشيء لنفسه إذا كان أحد أفراد العائلة يحتاج شيئًا'.
ورغم انشغاله الدائم في عمله، كان يجد وقتًا لأسرته، وكان آخر موقف جمعهما بعيدًا عن أصوات القصف، حين جلسا يشاهدان المباراة النهائية لبطولة كأس الأمم الأوروبية بين منتخبي إسبانيا وإنجلترا، في مكان نزوحهم.
لم يكن أحد منهما يعلم أن تلك الساعات ستكون آخر ذكرى تجمعهما، مباراة عابرة تحولت لاحقًا إلى مشهد لا يفارق ذاكرة أخيه، لأنها كانت آخر مرة يرى فيها ابتسامة محمد عن قرب، وآخر حديث جمعهما قبل أن يخطفه الموت.
ويصف شقيقه لحظة تلقي خبر استشهاده بأنها كانت من أصعب لحظات حياتهم، لكنها جاءت بعد سلسلة طويلة من الفواجع التي عاشتها الأسرة.
وتابع علاء: 'تلقينا خبر استشهاده بكل حزن وألم، لكننا راضون بقضاء الله وقدره، فقد سبقته إلى الشهادة أختي وبناتها الثلاث، وقد أخذت الحرب منا الكثير'.
وترك استشهاد محمد أثرًا مختلفًا داخل الأسرة، وفق شقيقه، وواصل حديثه: 'منذ استشهاده نشعر دائمًا بوجود نقص وفراغ في العائلة، كان حاضرًا في كل تفاصيل حياتنا، يساعد الجميع، ويقف إلى جانب كل من يحتاجه، لذلك يصعب أن يمر يوم دون أن نتذكره'.
ولم يكن محمد مجرد اسم ضمن قائمة شهداء الدفاع المدني، بل كان شاهدًا على حجم التضحيات التي قدمها العاملون في هذا الجهاز خلال الحرب، وهم يؤدون واجبًا إنسانيًا خالصًا، يتمثل في إنقاذ الأرواح وإخماد الحرائق وانتشال الضحايا من تحت الأنقاض.
وعلى الرغم من أن القانون الدولي يمنح أفراد الدفاع المدني حماية خاصة بوصفهم عاملين في مجال الإغاثة الإنسانية، فإن الحرب في غزة شهدت استهدافًا متكررًا لفرق الإنقاذ، ومركباتهم، ومقارهم، الأمر الذي أدى إلى استشهاد وإصابة المئات منهم في أثناء أداء واجبهم الإنساني.
ورغم رحيله محمد، تبقى صورته في ذاكرة من عرفوه مرتبطة بابتسامته الهادئة، أكثر من ارتباطها بملابس الدفاع المدني أو معدات الإنقاذ، فقد كان يؤمن أن الأخلاق الطيبة هي الإرث الحقيقي الذي يتركه الإنسان بعد رحيله.
ويختتم علاء غانم حديثه برسالة يريد أن تبقى مع كل من عرف محمد أو سمع عنه: 'أحب أن يتذكر الناس أخي بحسن خلقه، وتواضعه، وابتسامته التي لم تكن تفارقه، وأتمنى أن تبقى الرسالة التي كان يحملها في عمله حاضرة في الأذهان، وهي أن إنقاذ الأرواح عبادة عظيمة، وأن من يهب حياته لإنقاذ الآخرين يستحق أن تخلد ذكراه'.
رحل محمد غانم، لكن حكايته بقيت شاهدًا على رجال حملوا معدات الإنقاذ بدل السلاح، واختاروا أن يواجهوا النيران لينقذوا حياة الآخرين.
فلسطين أون لاين
التعليقات