أخبار اليوم – عواد الفالح
تتكرر في المشهد الوظيفي الحكومي حالات يغادر فيها مسؤولون وموظفون مواقعهم بعد إحالتهم إلى التقاعد، قبل أن يعود بعضهم إلى مؤسسات رسمية أخرى بقرارات تعيين جديدة، في وقت يضم فيه الجهاز الحكومي كفاءات تنتظر التقدم إلى مواقع أعلى، فيما تقف خارجه أعداد كبيرة من أصحاب الخبرات والمؤهلات الباحثين عن فرصة عمل.
هذه الحالات تفتح ملفاً يتجاوز أسماء المعينين إلى الأسس التي تقوم عليها إدارة الوظيفة العامة، وما إذا كانت حركة التعيينات تحقق فعلياً مفهوم التعاقب الوظيفي الذي يفترض أن يتيح انتقال المسؤولية من جيل إلى آخر، ويمنح المؤسسات فرصة الاستفادة من خبرات جديدة.
فالإحالة إلى التقاعد تعني عملياً انتهاء مرحلة وظيفية امتدت في بعض الحالات إلى نحو ثلاثة عقود، حصل خلالها الموظف على فرصته في العمل والترقي والوصول إلى مواقع متقدمة، ثم أنهى خدمته وحصل على الحقوق المترتبة عليها. ومن هنا تبدو العودة السريعة إلى منصب حكومي آخر بحاجة إلى مبررات تتجاوز القول بالخبرة والكفاءة، لأن الجهاز العام يفترض أنه يملك بدوره مخزوناً من أصحاب الخبرات القادرين على تحمل المسؤولية.
ويذهب مختصون في الإدارة إلى أن الاستعانة بخبرة مسؤول متقاعد قد تكون مفهومة عندما يتعلق الأمر بتخصص نادر أو مهمة محددة لا يتوفر لها بديل مناسب، لكن توسع هذه الحالات يخلق أثراً مختلفاً داخل المؤسسات، إذ يؤخر حركة الترقي ويفقد موظفي الصفوف التالية فرصة اختبار قدراتهم في مواقع القيادة.
كما أن القضية لها وجه آخر خارج أسوار المؤسسات الحكومية، فهناك آلاف الخريجين وأصحاب المؤهلات والخبرات الذين يواجهون سوق عمل محدود الفرص، وفي المقابل يشاهدون أشخاصاً أنهوا دورة وظيفية كاملة يحصلون على فرصة جديدة داخل القطاع العام. والمقارنة هنا لا تعني أن حديث التخرج يستطيع شغل موقع يحتاج إلى عقود من الخبرة، وإنما تتعلق بفلسفة توزيع الفرص وبناء مسارات تسمح بدخول أسماء جديدة إلى الجهاز العام وتدرجها داخله.
وتطرح الظاهرة أيضاً تساؤلات عن خطط التعاقب الوظيفي داخل الوزارات والمؤسسات. فإذا غادر مسؤول بعد ثلاثين عاماً ولم تكن المؤسسة قد أعدت خلال تلك السنوات شخصاً أو أكثر يستطيعون تولي المسؤولية من بعده، فإن الخلل لا يرتبط بالشاغر وحده، وإنما بطريقة بناء القيادات داخل المؤسسة نفسها.
في المقابل، يرى إداريون أن العمر الوظيفي وحده لا يلغي قيمة الخبرة، وأن الدولة قد تحتاج أحياناً إلى أشخاص سبق لهم العمل في ملفات معقدة، خاصة في مراحل تتطلب معرفة تراكمية لا يمكن اكتسابها خلال فترة قصيرة. غير أن الاستفادة من هذه الخبرات لا تقتصر على إعادة التعيين في المناصب، إذ يمكن توظيفها في الاستشارات والتدريب ونقل المعرفة والمشاركة في لجان متخصصة، بما يضمن بقاء الخبرة متاحة للدولة من دون تعطيل فرص التعاقب داخل الجهاز الحكومي.
وتزداد حساسية الملف مع الحديث الرسمي عن تحديث القطاع العام، ورفع كفاءة الإدارة، واستقطاب أصحاب المهارات، وإعداد القيادات الشابة، لأن نجاح هذه التوجهات يقاس أيضاً بقدرة المؤسسات على تقديم أسماء جديدة للمواقع المتقدمة، وليس فقط بتحسين الأنظمة والهياكل والمسميات.
المطلوب في هذا الملف لا يتمثل بإغلاق الباب بصورة مطلقة أمام أي متقاعد، كما لا يتعلق بإقصاء الخبرة التي دفعت الدولة سنوات طويلة لبنائها، وإنما بوضع معيار يجعل إعادة التعيين حالة مبررة بالحاجة الفعلية، ويمنح الأولوية للمنافسة والكفاءة وتكافؤ الفرص، مع إعلان الأسباب التي تجعل العودة إلى شخص أنهى خدمته الخيار الأفضل لشغل موقع جديد.
فالدولة التي تستثمر ثلاثين عاماً في موظف يجب أن تستفيد من خبرته، لكنها خلال السنوات الثلاثين ذاتها يفترض أن تكون قد استثمرت أيضاً في عشرات الموظفين من بعده، وأعدت بينهم من يستطيع حمل المسؤولية عندما يحين موعد انتقاله.
وبين قرار يخرج موظفاً من الخدمة وقرار آخر يعيده إلى منصب مختلف، يتمحور النقاش حول سياسة إدارة الكفاءات في القطاع العام، وقدرة المؤسسات على تجديد قياداتها وفتح الطريق أمام أسماء جديدة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الخبرة الوطنية والاستفادة منها في المكان الذي تحتاجها فيه الدولة فعلاً.
أخبار اليوم – عواد الفالح
تتكرر في المشهد الوظيفي الحكومي حالات يغادر فيها مسؤولون وموظفون مواقعهم بعد إحالتهم إلى التقاعد، قبل أن يعود بعضهم إلى مؤسسات رسمية أخرى بقرارات تعيين جديدة، في وقت يضم فيه الجهاز الحكومي كفاءات تنتظر التقدم إلى مواقع أعلى، فيما تقف خارجه أعداد كبيرة من أصحاب الخبرات والمؤهلات الباحثين عن فرصة عمل.
هذه الحالات تفتح ملفاً يتجاوز أسماء المعينين إلى الأسس التي تقوم عليها إدارة الوظيفة العامة، وما إذا كانت حركة التعيينات تحقق فعلياً مفهوم التعاقب الوظيفي الذي يفترض أن يتيح انتقال المسؤولية من جيل إلى آخر، ويمنح المؤسسات فرصة الاستفادة من خبرات جديدة.
فالإحالة إلى التقاعد تعني عملياً انتهاء مرحلة وظيفية امتدت في بعض الحالات إلى نحو ثلاثة عقود، حصل خلالها الموظف على فرصته في العمل والترقي والوصول إلى مواقع متقدمة، ثم أنهى خدمته وحصل على الحقوق المترتبة عليها. ومن هنا تبدو العودة السريعة إلى منصب حكومي آخر بحاجة إلى مبررات تتجاوز القول بالخبرة والكفاءة، لأن الجهاز العام يفترض أنه يملك بدوره مخزوناً من أصحاب الخبرات القادرين على تحمل المسؤولية.
ويذهب مختصون في الإدارة إلى أن الاستعانة بخبرة مسؤول متقاعد قد تكون مفهومة عندما يتعلق الأمر بتخصص نادر أو مهمة محددة لا يتوفر لها بديل مناسب، لكن توسع هذه الحالات يخلق أثراً مختلفاً داخل المؤسسات، إذ يؤخر حركة الترقي ويفقد موظفي الصفوف التالية فرصة اختبار قدراتهم في مواقع القيادة.
كما أن القضية لها وجه آخر خارج أسوار المؤسسات الحكومية، فهناك آلاف الخريجين وأصحاب المؤهلات والخبرات الذين يواجهون سوق عمل محدود الفرص، وفي المقابل يشاهدون أشخاصاً أنهوا دورة وظيفية كاملة يحصلون على فرصة جديدة داخل القطاع العام. والمقارنة هنا لا تعني أن حديث التخرج يستطيع شغل موقع يحتاج إلى عقود من الخبرة، وإنما تتعلق بفلسفة توزيع الفرص وبناء مسارات تسمح بدخول أسماء جديدة إلى الجهاز العام وتدرجها داخله.
وتطرح الظاهرة أيضاً تساؤلات عن خطط التعاقب الوظيفي داخل الوزارات والمؤسسات. فإذا غادر مسؤول بعد ثلاثين عاماً ولم تكن المؤسسة قد أعدت خلال تلك السنوات شخصاً أو أكثر يستطيعون تولي المسؤولية من بعده، فإن الخلل لا يرتبط بالشاغر وحده، وإنما بطريقة بناء القيادات داخل المؤسسة نفسها.
في المقابل، يرى إداريون أن العمر الوظيفي وحده لا يلغي قيمة الخبرة، وأن الدولة قد تحتاج أحياناً إلى أشخاص سبق لهم العمل في ملفات معقدة، خاصة في مراحل تتطلب معرفة تراكمية لا يمكن اكتسابها خلال فترة قصيرة. غير أن الاستفادة من هذه الخبرات لا تقتصر على إعادة التعيين في المناصب، إذ يمكن توظيفها في الاستشارات والتدريب ونقل المعرفة والمشاركة في لجان متخصصة، بما يضمن بقاء الخبرة متاحة للدولة من دون تعطيل فرص التعاقب داخل الجهاز الحكومي.
وتزداد حساسية الملف مع الحديث الرسمي عن تحديث القطاع العام، ورفع كفاءة الإدارة، واستقطاب أصحاب المهارات، وإعداد القيادات الشابة، لأن نجاح هذه التوجهات يقاس أيضاً بقدرة المؤسسات على تقديم أسماء جديدة للمواقع المتقدمة، وليس فقط بتحسين الأنظمة والهياكل والمسميات.
المطلوب في هذا الملف لا يتمثل بإغلاق الباب بصورة مطلقة أمام أي متقاعد، كما لا يتعلق بإقصاء الخبرة التي دفعت الدولة سنوات طويلة لبنائها، وإنما بوضع معيار يجعل إعادة التعيين حالة مبررة بالحاجة الفعلية، ويمنح الأولوية للمنافسة والكفاءة وتكافؤ الفرص، مع إعلان الأسباب التي تجعل العودة إلى شخص أنهى خدمته الخيار الأفضل لشغل موقع جديد.
فالدولة التي تستثمر ثلاثين عاماً في موظف يجب أن تستفيد من خبرته، لكنها خلال السنوات الثلاثين ذاتها يفترض أن تكون قد استثمرت أيضاً في عشرات الموظفين من بعده، وأعدت بينهم من يستطيع حمل المسؤولية عندما يحين موعد انتقاله.
وبين قرار يخرج موظفاً من الخدمة وقرار آخر يعيده إلى منصب مختلف، يتمحور النقاش حول سياسة إدارة الكفاءات في القطاع العام، وقدرة المؤسسات على تجديد قياداتها وفتح الطريق أمام أسماء جديدة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الخبرة الوطنية والاستفادة منها في المكان الذي تحتاجها فيه الدولة فعلاً.
أخبار اليوم – عواد الفالح
تتكرر في المشهد الوظيفي الحكومي حالات يغادر فيها مسؤولون وموظفون مواقعهم بعد إحالتهم إلى التقاعد، قبل أن يعود بعضهم إلى مؤسسات رسمية أخرى بقرارات تعيين جديدة، في وقت يضم فيه الجهاز الحكومي كفاءات تنتظر التقدم إلى مواقع أعلى، فيما تقف خارجه أعداد كبيرة من أصحاب الخبرات والمؤهلات الباحثين عن فرصة عمل.
هذه الحالات تفتح ملفاً يتجاوز أسماء المعينين إلى الأسس التي تقوم عليها إدارة الوظيفة العامة، وما إذا كانت حركة التعيينات تحقق فعلياً مفهوم التعاقب الوظيفي الذي يفترض أن يتيح انتقال المسؤولية من جيل إلى آخر، ويمنح المؤسسات فرصة الاستفادة من خبرات جديدة.
فالإحالة إلى التقاعد تعني عملياً انتهاء مرحلة وظيفية امتدت في بعض الحالات إلى نحو ثلاثة عقود، حصل خلالها الموظف على فرصته في العمل والترقي والوصول إلى مواقع متقدمة، ثم أنهى خدمته وحصل على الحقوق المترتبة عليها. ومن هنا تبدو العودة السريعة إلى منصب حكومي آخر بحاجة إلى مبررات تتجاوز القول بالخبرة والكفاءة، لأن الجهاز العام يفترض أنه يملك بدوره مخزوناً من أصحاب الخبرات القادرين على تحمل المسؤولية.
ويذهب مختصون في الإدارة إلى أن الاستعانة بخبرة مسؤول متقاعد قد تكون مفهومة عندما يتعلق الأمر بتخصص نادر أو مهمة محددة لا يتوفر لها بديل مناسب، لكن توسع هذه الحالات يخلق أثراً مختلفاً داخل المؤسسات، إذ يؤخر حركة الترقي ويفقد موظفي الصفوف التالية فرصة اختبار قدراتهم في مواقع القيادة.
كما أن القضية لها وجه آخر خارج أسوار المؤسسات الحكومية، فهناك آلاف الخريجين وأصحاب المؤهلات والخبرات الذين يواجهون سوق عمل محدود الفرص، وفي المقابل يشاهدون أشخاصاً أنهوا دورة وظيفية كاملة يحصلون على فرصة جديدة داخل القطاع العام. والمقارنة هنا لا تعني أن حديث التخرج يستطيع شغل موقع يحتاج إلى عقود من الخبرة، وإنما تتعلق بفلسفة توزيع الفرص وبناء مسارات تسمح بدخول أسماء جديدة إلى الجهاز العام وتدرجها داخله.
وتطرح الظاهرة أيضاً تساؤلات عن خطط التعاقب الوظيفي داخل الوزارات والمؤسسات. فإذا غادر مسؤول بعد ثلاثين عاماً ولم تكن المؤسسة قد أعدت خلال تلك السنوات شخصاً أو أكثر يستطيعون تولي المسؤولية من بعده، فإن الخلل لا يرتبط بالشاغر وحده، وإنما بطريقة بناء القيادات داخل المؤسسة نفسها.
في المقابل، يرى إداريون أن العمر الوظيفي وحده لا يلغي قيمة الخبرة، وأن الدولة قد تحتاج أحياناً إلى أشخاص سبق لهم العمل في ملفات معقدة، خاصة في مراحل تتطلب معرفة تراكمية لا يمكن اكتسابها خلال فترة قصيرة. غير أن الاستفادة من هذه الخبرات لا تقتصر على إعادة التعيين في المناصب، إذ يمكن توظيفها في الاستشارات والتدريب ونقل المعرفة والمشاركة في لجان متخصصة، بما يضمن بقاء الخبرة متاحة للدولة من دون تعطيل فرص التعاقب داخل الجهاز الحكومي.
وتزداد حساسية الملف مع الحديث الرسمي عن تحديث القطاع العام، ورفع كفاءة الإدارة، واستقطاب أصحاب المهارات، وإعداد القيادات الشابة، لأن نجاح هذه التوجهات يقاس أيضاً بقدرة المؤسسات على تقديم أسماء جديدة للمواقع المتقدمة، وليس فقط بتحسين الأنظمة والهياكل والمسميات.
المطلوب في هذا الملف لا يتمثل بإغلاق الباب بصورة مطلقة أمام أي متقاعد، كما لا يتعلق بإقصاء الخبرة التي دفعت الدولة سنوات طويلة لبنائها، وإنما بوضع معيار يجعل إعادة التعيين حالة مبررة بالحاجة الفعلية، ويمنح الأولوية للمنافسة والكفاءة وتكافؤ الفرص، مع إعلان الأسباب التي تجعل العودة إلى شخص أنهى خدمته الخيار الأفضل لشغل موقع جديد.
فالدولة التي تستثمر ثلاثين عاماً في موظف يجب أن تستفيد من خبرته، لكنها خلال السنوات الثلاثين ذاتها يفترض أن تكون قد استثمرت أيضاً في عشرات الموظفين من بعده، وأعدت بينهم من يستطيع حمل المسؤولية عندما يحين موعد انتقاله.
وبين قرار يخرج موظفاً من الخدمة وقرار آخر يعيده إلى منصب مختلف، يتمحور النقاش حول سياسة إدارة الكفاءات في القطاع العام، وقدرة المؤسسات على تجديد قياداتها وفتح الطريق أمام أسماء جديدة، مع الحفاظ في الوقت ذاته على الخبرة الوطنية والاستفادة منها في المكان الذي تحتاجها فيه الدولة فعلاً.
التعليقات