ليست هذه مذكرات… وإنما خلاصة تجربة.
أ.د. أخليف الطراونة
في مواقع المسؤولية، قد تكون كلمة «نعم» أسهل القرارات، وقد تكون كلمة «لا» أكثرها كلفة.
فـ«نعم» قد ترضي صاحب الطلب، وتغلق باب النقاش، وتجنب المسؤول عناء المواجهة. أما «لا» فتحتاج أحيانًا إلى شجاعة، خصوصًا عندما يأتي الطلب من شخص ذي مكانة، أو في ظرف يجعل الاستجابة أكثر راحة من الرفض.
وقد تعلمت، بعد سنوات طويلة في مواقع المسؤولية، أن استقلال المسؤول لا يظهر عندما يتخذ قرارًا يوافق عليه الجميع، وإنما عندما يستطيع أن يقول «لا» وهو يعرف مسبقًا ثمنها.
في بدايات عملي في هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي، واجهت مواقف جعلتني أتعلم هذه الحقيقة مبكرًا.
كان من بينها قرار يتعلق بمخالفة إحدى الجامعات للطاقة الاستيعابية المقررة. لم أكن مؤيدًا للقرار في بدايته، لكن مجلس الهيئة أقر المخالفة بالإجماع، وكان عليّ، بحكم مسؤوليتي، أن أتعامل معها باعتبارها قرار مؤسسة، لا قرارًا شخصيًا.
كنت أعرف أن للقرار كلفة، وقلت ذلك صراحة أمام المجلس، لكنني كنت أؤمن أن استقلالية المؤسسة لا يمكن أن تكون شعارًا نرفعه عندما يكون تطبيق القانون سهلًا، ثم نتراجع عنه عندما يصبح مكلفًا.
وفي موقف آخر، وصل إلى الهيئة استفسار من جهات خارجية حول اعتماد برامج إحدى الجامعات. وكانت الإجابة المهنية واضحة: الجامعة لم تتقدم بطلب اعتماد، وبالتالي لا يمكن اعتبار برامجها معتمدة وفق الأصول.
كانت الإجابة بسيطة في ظاهرها، لكنها لم تكن بسيطة في تبعاتها.
ومع ذلك، تعلمت أن المسؤول المهني لا يملك أن يجعل إجابته مختلفة باختلاف الجهة التي ستتلقى الإجابة؛ فالحقيقة المهنية لا تتغير بتغير الأسماء.
وفي تجربة ثالثة، وجدت أن استقلال المؤسسة نفسها يحتاج إلى قرار. كانت الهيئة تعمل فعليًا في كنف الوزارة، إداريًا وماليًا ومكانيًا. وبعد أشهر قليلة من تولي المسؤولية، طرحت ضرورة أن تستقل الهيئة عن الوزارة في هذه الجوانب؛ لأن المؤسسة التي يُطلب منها أن تمارس دورًا رقابيًا وتنظيميًا لا تستطيع أن تؤدي رسالتها بكفاءة إذا بقيت أسيرة التبعية في تفاصيل عملها اليومي.
لم يكن الانتقال إلى الاستقلال مجرد تغيير في المكان أو الإجراءات، بل كان انتقالًا في فلسفة العمل: أن تكون للمؤسسة شخصية مؤسسية واضحة، ومسؤولية واضحة، وقرار واضح.
وفي موقف آخر، جاءني طلب لمساعدة أشخاص في الحصول على فرصة عمل في الجامعة. كان بإمكاني أن أجد مخرجًا سهلًا، لكنني طلبت أن يبدأ الأمر من حيث يجب أن يبدأ: الإعلان، والتقدم، والمنافسة، ثم النظر في إمكانية المساعدة ضمن الأصول.
لم تكن «لا» موجهة إلى أشخاص، بل كانت «نعم» لمبدأ أؤمن به: أن الجامعة لا تستطيع أن تطلب من أبنائها احترام العدالة، ثم تستثني نفسها منها.
ولم تكن تلك المواقف كلها سهلة، وبعضها ترك أثرًا شخصيًا لا يستهان به. لكن الصعوبة الحقيقية لم تكن دائمًا في معرفة ما ينبغي فعله؛ بل في أن تعرف أن القرار الصحيح قد لا يكون هو القرار المريح.
وهنا أدركت أن المسؤول الذي يقيس قراراته بحجم ردود الأفعال التي ستترتب عليها، قد يتحول مع الوقت من حارس للمؤسسة إلى أسير للضغوط المحيطة بها.
فالاستقلال الحقيقي لا يبدأ من القانون وحده؛ يبدأ من داخل المسؤول نفسه.
أن تعرف متى تقول «نعم»، ومتى تقول «لا»، ولماذا قلت هذه أو تلك.
فالمنصب يمنحك سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحك شجاعة اتخاذه.
والقانون قد يرسم لك حدود المسؤولية، لكنه لا يستطيع أن يمنحك القدرة على الوقوف داخلها عندما تصبح الوقفة مكلفة.
لذلك، فإن أصعب امتحان للمسؤول ليس أن يتخذ القرار الصحيح عندما يكون محبوبًا، وإنما أن يتمسك به عندما يصبح مكلفًا.
وقد تكون «لا» التي تقولها اليوم هي أكثر ما يحفظ للمؤسسة احترامها غدًا.
فالمسؤولية ليست أن تملك سلطة القرار… بل أن تملك شجاعة تحمّل ثمنه.
ليست هذه مذكرات… وإنما خلاصة تجربة.
أ.د. أخليف الطراونة
في مواقع المسؤولية، قد تكون كلمة «نعم» أسهل القرارات، وقد تكون كلمة «لا» أكثرها كلفة.
فـ«نعم» قد ترضي صاحب الطلب، وتغلق باب النقاش، وتجنب المسؤول عناء المواجهة. أما «لا» فتحتاج أحيانًا إلى شجاعة، خصوصًا عندما يأتي الطلب من شخص ذي مكانة، أو في ظرف يجعل الاستجابة أكثر راحة من الرفض.
وقد تعلمت، بعد سنوات طويلة في مواقع المسؤولية، أن استقلال المسؤول لا يظهر عندما يتخذ قرارًا يوافق عليه الجميع، وإنما عندما يستطيع أن يقول «لا» وهو يعرف مسبقًا ثمنها.
في بدايات عملي في هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي، واجهت مواقف جعلتني أتعلم هذه الحقيقة مبكرًا.
كان من بينها قرار يتعلق بمخالفة إحدى الجامعات للطاقة الاستيعابية المقررة. لم أكن مؤيدًا للقرار في بدايته، لكن مجلس الهيئة أقر المخالفة بالإجماع، وكان عليّ، بحكم مسؤوليتي، أن أتعامل معها باعتبارها قرار مؤسسة، لا قرارًا شخصيًا.
كنت أعرف أن للقرار كلفة، وقلت ذلك صراحة أمام المجلس، لكنني كنت أؤمن أن استقلالية المؤسسة لا يمكن أن تكون شعارًا نرفعه عندما يكون تطبيق القانون سهلًا، ثم نتراجع عنه عندما يصبح مكلفًا.
وفي موقف آخر، وصل إلى الهيئة استفسار من جهات خارجية حول اعتماد برامج إحدى الجامعات. وكانت الإجابة المهنية واضحة: الجامعة لم تتقدم بطلب اعتماد، وبالتالي لا يمكن اعتبار برامجها معتمدة وفق الأصول.
كانت الإجابة بسيطة في ظاهرها، لكنها لم تكن بسيطة في تبعاتها.
ومع ذلك، تعلمت أن المسؤول المهني لا يملك أن يجعل إجابته مختلفة باختلاف الجهة التي ستتلقى الإجابة؛ فالحقيقة المهنية لا تتغير بتغير الأسماء.
وفي تجربة ثالثة، وجدت أن استقلال المؤسسة نفسها يحتاج إلى قرار. كانت الهيئة تعمل فعليًا في كنف الوزارة، إداريًا وماليًا ومكانيًا. وبعد أشهر قليلة من تولي المسؤولية، طرحت ضرورة أن تستقل الهيئة عن الوزارة في هذه الجوانب؛ لأن المؤسسة التي يُطلب منها أن تمارس دورًا رقابيًا وتنظيميًا لا تستطيع أن تؤدي رسالتها بكفاءة إذا بقيت أسيرة التبعية في تفاصيل عملها اليومي.
لم يكن الانتقال إلى الاستقلال مجرد تغيير في المكان أو الإجراءات، بل كان انتقالًا في فلسفة العمل: أن تكون للمؤسسة شخصية مؤسسية واضحة، ومسؤولية واضحة، وقرار واضح.
وفي موقف آخر، جاءني طلب لمساعدة أشخاص في الحصول على فرصة عمل في الجامعة. كان بإمكاني أن أجد مخرجًا سهلًا، لكنني طلبت أن يبدأ الأمر من حيث يجب أن يبدأ: الإعلان، والتقدم، والمنافسة، ثم النظر في إمكانية المساعدة ضمن الأصول.
لم تكن «لا» موجهة إلى أشخاص، بل كانت «نعم» لمبدأ أؤمن به: أن الجامعة لا تستطيع أن تطلب من أبنائها احترام العدالة، ثم تستثني نفسها منها.
ولم تكن تلك المواقف كلها سهلة، وبعضها ترك أثرًا شخصيًا لا يستهان به. لكن الصعوبة الحقيقية لم تكن دائمًا في معرفة ما ينبغي فعله؛ بل في أن تعرف أن القرار الصحيح قد لا يكون هو القرار المريح.
وهنا أدركت أن المسؤول الذي يقيس قراراته بحجم ردود الأفعال التي ستترتب عليها، قد يتحول مع الوقت من حارس للمؤسسة إلى أسير للضغوط المحيطة بها.
فالاستقلال الحقيقي لا يبدأ من القانون وحده؛ يبدأ من داخل المسؤول نفسه.
أن تعرف متى تقول «نعم»، ومتى تقول «لا»، ولماذا قلت هذه أو تلك.
فالمنصب يمنحك سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحك شجاعة اتخاذه.
والقانون قد يرسم لك حدود المسؤولية، لكنه لا يستطيع أن يمنحك القدرة على الوقوف داخلها عندما تصبح الوقفة مكلفة.
لذلك، فإن أصعب امتحان للمسؤول ليس أن يتخذ القرار الصحيح عندما يكون محبوبًا، وإنما أن يتمسك به عندما يصبح مكلفًا.
وقد تكون «لا» التي تقولها اليوم هي أكثر ما يحفظ للمؤسسة احترامها غدًا.
فالمسؤولية ليست أن تملك سلطة القرار… بل أن تملك شجاعة تحمّل ثمنه.
ليست هذه مذكرات… وإنما خلاصة تجربة.
أ.د. أخليف الطراونة
في مواقع المسؤولية، قد تكون كلمة «نعم» أسهل القرارات، وقد تكون كلمة «لا» أكثرها كلفة.
فـ«نعم» قد ترضي صاحب الطلب، وتغلق باب النقاش، وتجنب المسؤول عناء المواجهة. أما «لا» فتحتاج أحيانًا إلى شجاعة، خصوصًا عندما يأتي الطلب من شخص ذي مكانة، أو في ظرف يجعل الاستجابة أكثر راحة من الرفض.
وقد تعلمت، بعد سنوات طويلة في مواقع المسؤولية، أن استقلال المسؤول لا يظهر عندما يتخذ قرارًا يوافق عليه الجميع، وإنما عندما يستطيع أن يقول «لا» وهو يعرف مسبقًا ثمنها.
في بدايات عملي في هيئة اعتماد مؤسسات التعليم العالي، واجهت مواقف جعلتني أتعلم هذه الحقيقة مبكرًا.
كان من بينها قرار يتعلق بمخالفة إحدى الجامعات للطاقة الاستيعابية المقررة. لم أكن مؤيدًا للقرار في بدايته، لكن مجلس الهيئة أقر المخالفة بالإجماع، وكان عليّ، بحكم مسؤوليتي، أن أتعامل معها باعتبارها قرار مؤسسة، لا قرارًا شخصيًا.
كنت أعرف أن للقرار كلفة، وقلت ذلك صراحة أمام المجلس، لكنني كنت أؤمن أن استقلالية المؤسسة لا يمكن أن تكون شعارًا نرفعه عندما يكون تطبيق القانون سهلًا، ثم نتراجع عنه عندما يصبح مكلفًا.
وفي موقف آخر، وصل إلى الهيئة استفسار من جهات خارجية حول اعتماد برامج إحدى الجامعات. وكانت الإجابة المهنية واضحة: الجامعة لم تتقدم بطلب اعتماد، وبالتالي لا يمكن اعتبار برامجها معتمدة وفق الأصول.
كانت الإجابة بسيطة في ظاهرها، لكنها لم تكن بسيطة في تبعاتها.
ومع ذلك، تعلمت أن المسؤول المهني لا يملك أن يجعل إجابته مختلفة باختلاف الجهة التي ستتلقى الإجابة؛ فالحقيقة المهنية لا تتغير بتغير الأسماء.
وفي تجربة ثالثة، وجدت أن استقلال المؤسسة نفسها يحتاج إلى قرار. كانت الهيئة تعمل فعليًا في كنف الوزارة، إداريًا وماليًا ومكانيًا. وبعد أشهر قليلة من تولي المسؤولية، طرحت ضرورة أن تستقل الهيئة عن الوزارة في هذه الجوانب؛ لأن المؤسسة التي يُطلب منها أن تمارس دورًا رقابيًا وتنظيميًا لا تستطيع أن تؤدي رسالتها بكفاءة إذا بقيت أسيرة التبعية في تفاصيل عملها اليومي.
لم يكن الانتقال إلى الاستقلال مجرد تغيير في المكان أو الإجراءات، بل كان انتقالًا في فلسفة العمل: أن تكون للمؤسسة شخصية مؤسسية واضحة، ومسؤولية واضحة، وقرار واضح.
وفي موقف آخر، جاءني طلب لمساعدة أشخاص في الحصول على فرصة عمل في الجامعة. كان بإمكاني أن أجد مخرجًا سهلًا، لكنني طلبت أن يبدأ الأمر من حيث يجب أن يبدأ: الإعلان، والتقدم، والمنافسة، ثم النظر في إمكانية المساعدة ضمن الأصول.
لم تكن «لا» موجهة إلى أشخاص، بل كانت «نعم» لمبدأ أؤمن به: أن الجامعة لا تستطيع أن تطلب من أبنائها احترام العدالة، ثم تستثني نفسها منها.
ولم تكن تلك المواقف كلها سهلة، وبعضها ترك أثرًا شخصيًا لا يستهان به. لكن الصعوبة الحقيقية لم تكن دائمًا في معرفة ما ينبغي فعله؛ بل في أن تعرف أن القرار الصحيح قد لا يكون هو القرار المريح.
وهنا أدركت أن المسؤول الذي يقيس قراراته بحجم ردود الأفعال التي ستترتب عليها، قد يتحول مع الوقت من حارس للمؤسسة إلى أسير للضغوط المحيطة بها.
فالاستقلال الحقيقي لا يبدأ من القانون وحده؛ يبدأ من داخل المسؤول نفسه.
أن تعرف متى تقول «نعم»، ومتى تقول «لا»، ولماذا قلت هذه أو تلك.
فالمنصب يمنحك سلطة اتخاذ القرار، لكنه لا يمنحك شجاعة اتخاذه.
والقانون قد يرسم لك حدود المسؤولية، لكنه لا يستطيع أن يمنحك القدرة على الوقوف داخلها عندما تصبح الوقفة مكلفة.
لذلك، فإن أصعب امتحان للمسؤول ليس أن يتخذ القرار الصحيح عندما يكون محبوبًا، وإنما أن يتمسك به عندما يصبح مكلفًا.
وقد تكون «لا» التي تقولها اليوم هي أكثر ما يحفظ للمؤسسة احترامها غدًا.
فالمسؤولية ليست أن تملك سلطة القرار… بل أن تملك شجاعة تحمّل ثمنه.
التعليقات