اخبار اليوم - تدخل اليابان مرحلة جديدة في سياستها الدفاعية، في ظل تحولات متسارعة تشهدها البيئة الأمنية في شرق آسيا، وتصاعد القدرات العسكرية للصين وكوريا الشمالية، إلى جانب تنامي التعاون العسكري بين بكين وموسكو وبيونغ يانغ.
وبعد عقود من القيود الصارمة التي فرضها دستور ما بعد الحرب العالمية الثانية على النشاط العسكري الياباني، تبدو طوكيو اليوم أكثر استعداداً لتطوير قدراتها الدفاعية والتكنولوجية تحسباً لاحتمال اندلاع أزمات إقليمية واسعة.
وتأتي هذه التحولات في وقت تتزايد فيه المخاوف من احتمال اندلاع مواجهة في شرق آسيا، سواء بين الصين واليابان مباشرة، أو في إطار أزمة أوسع تشمل الولايات المتحدة وحلفاءها، أو نتيجة تطورات في شبه الجزيرة الكورية أو حول تايوان التي تؤكد الصين أنها «ستستعيدها».
تاريخياً، خاضت الصين واليابان 3 حروب منذ عام 1894، لكن نهاية الحرب العالمية الثانية بدت كأنها وضعت حداً نهائياً لاحتمال عودة الصراع بين القوتين؛ فقد خرجت اليابان مدمرة وخاضعة لسيطرة الحلفاء، ثم تبنت دستوراً سلمياً ينبذ الحرب بوصف ذلك أداة من أدوات السياسة الوطنية. وفي المقابل، كانت الصين دولة فقيرة يغلب عليها الطابع الزراعي، ولم تكن تمتلك القدرات العسكرية التي تؤهلها لمنافسة اليابان.
لكن المشهد تغير بصورة جذرية خلال العقود الثلاثة الماضية؛ فقد تحولت الصين إلى قوة اقتصادية وعسكرية كبرى، وأنفقت لسنوات طويلة مبالغ ضخمة على تطوير قواتها المسلحة، لتصبح صاحبة قوة عسكرية كبيرة ووازنة في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، ازدادت نقاط الخلاف بينها وبين اليابان، خصوصاً حول جزر سينكاكو، التي تسميها الصين دياويو، فضلاً عن الخلافات المتعلقة ببحر الصين الجنوبي ومستقبل تايوان.
وترى طوكيو أن توسع النفوذ العسكري الصيني يمثل تحدياً استراتيجياً متزايداً، في حين ترى بكين أن التحالف الياباني - الأميركي وتنامي القدرات العسكرية اليابانية يمثلان عائقاً أمام طموحاتها الإقليمية.
*الصين في صدارة التهديدات
يضع تقرير «دفاع اليابان 2026» الصين في صدارة التحديات الأمنية التي تواجه طوكيو، واصفاً إياها بأنها «أكبر تحدٍّ استراتيجي» لليابان. ويركز التقرير على النمو السريع في الإنفاق الدفاعي الصيني، إضافة إلى تكثيف الأنشطة العسكرية حول الأرخبيل الياباني، لا سيما بالقرب من جزر سينكاكو.
ويمثل مضيق تايوان أحد أخطر مصادر التوتر؛ فالصين لم تستبعد استخدام القوة لتحقيق الوحدة مع تايوان، بينما أعلنت اليابان مراراً أن أي صراع حول الجزيرة يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على أمنها. وكانت تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، التي أشارت إلى إمكان استخدام قوات الدفاع الذاتي إذا هدد هجوم صيني على تايوان أمن اليابان، قد أثارت غضب بكين ودفعتها إلى المطالبة بالتراجع عنها.
ولا تقتصر الأخطار على احتمال نشوب حرب شاملة؛ إذ إن الاحتكاكات البحرية والجوية المتكررة قد تؤدي إلى حادث عسكري غير مقصود؛ فوجود السفن والطائرات الصينية واليابانية في مناطق متقاربة، وبشكل يومي، يرفع احتمالات التصادم أو سوء التقدير.
* كوريا الشمالية وروسيا
إلى جانب الصين، ترى اليابان في كوريا الشمالية تهديداً «خطيراً ووشيكاً»، في ظل استمرار بيونغ يانغ في تطوير برامجها النووية والصاروخية. وتشمل هذه الترسانة صواريخ متطورة قادرة على الوصول بسهولة إلى الأراضي اليابانية، الأمر الذي يدفع طوكيو إلى تعزيز منظومات الإنذار والدفاع الصاروخي.
وتزداد المخاوف بسبب إعلان كوريا الشمالية رسمياً جارتها كوريا الجنوبية عدواً رئيسياً، ما يبقي خطر اندلاع مواجهة في شبه الجزيرة الكورية قائماً. وقد يبدأ صراع كهذا بقصف مدفعي أو إطلاق صواريخ، قبل أن يتوسع ليشمل أطرافاً إقليمية ودولية أخرى.
أما روسيا، فتثير أنشطتها العسكرية قرب اليابان قلقاً متزايداً، خصوصاً في المناطق المتنازع عليها (أرخبيل كوريل). كما تنظر طوكيو إلى الحرب الروسية في أوكرانيا باعتبارها مثالاً على احتمال تحول النزاعات الإقليمية إلى حروب واسعة النطاق. ويضاعف هذه المخاوف تنامي التعاون العسكري بين روسيا والصين، وبين روسيا وكوريا الشمالية، بما في ذلك التدريبات والأنشطة العسكرية المشتركة قرب اليابان وكوريا الجنوبية.
* اليابان تعيد بناء قوتها العسكرية
في مواجهة هذه البيئة الأمنية المعقدة، تعمل اليابان منذ عام 2023، على رفع الإنفاق الدفاعي إلى نحو 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يمثل تحولاً مهماً بالنسبة لدولة ظلت طوال عقود حذرة في استخدام قوتها العسكرية.
وتسعى الحكومة اليابانية إلى تقديم هذا التوسع العسكري لا بوصفه مجرد إجراء دفاعي فقط، بل أيضاً وسيلة لدعم الاقتصاد؛ فوثائق وزارة الدفاع تشير إلى أن الاستثمار في الصناعات الدفاعية يمكن أن يعزز النمو الاقتصادي، ويدعم الشركات الناشئة، ويشجع تطوير التكنولوجيا المحلية.
ويشمل الإنفاق الجديد تطوير صواريخ قادرة على ضرب أهداف على مسافات تتجاوز ألف كيلومتر، إضافة إلى الطائرات المسيّرة والأسلحة الذكية. كما تركز اليابان على الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وحرب المعلومات، وهي مجالات أصبحت جزءاً أساسياً من حروب الجيل الجديد.
وتعمل طوكيو كذلك على تطوير منظومة «الدرع» (SHIELD) للدفاع الجوي وتعزيز قاعدة الإنتاج الدفاعي المحلية، بهدف تقليل الاعتماد على الخارج وضمان القدرة على مواصلة القتال في حال نشوب أزمة طويلة.
*3 سيناريوهات محتملة للحرب
يمكن تصور 3 سيناريوهات رئيسية لاندلاع حرب بين الصين واليابان. الأول: مواجهة مباشرة حول الجزر المتنازع عليها أو نتيجة حادث عسكري في البحر أو الجو. والثاني يتمثل في اندلاع نزاع بين الصين والولايات المتحدة حول تايوان، ثم دخول اليابان إلى الحرب كونها حليفاً رئيسياً لواشنطن. أما السيناريو الثالث فيتعلق باندلاع أزمة في شبه الجزيرة الكورية تؤدي إلى تدخل الصين واليابان والولايات المتحدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ومع ذلك، لا تزال احتمالات اندلاع حرب شاملة متعددة الأطراف منخفضة نسبياً، بسبب الترابط الاقتصادي الهائل بين دول المنطقة، فضلاً عن عامل الردع النووي وخطورة النتائج الكارثية لأي تصعيد واسع.
إلا أن انخفاض احتمال الحرب الكبرى لا يعني غياب الخطر؛ فالمواجهات المحدودة، والحوادث البحرية والجوية، والهجمات السيبرانية، والأزمات حول تايوان أو شبه الجزيرة الكورية، يمكن أن تتطور بسرعة إذا فشلت الأطراف في احتوائها.
وفي هذا السياق، تبدو اليابان كأنها تستعد ليس لخوض الحرب فحسب، وإنما للبقاء والصمود في حال وقوعها. وتشمل خططها زيادة مخزونات الذخيرة، وتعزيز الملاجئ والقواعد العسكرية، وتطوير قدرات دفاعية أكثر مرونة واستدامة.
وبذلك، فإن سباق التسلح المتسارع في شرق آسيا لا يعني بالضرورة أن الحرب باتت وشيكة، لكنه يعكس حقيقة جديدة: اليابان لم تعد تتعامل مع السلام الإقليمي باعتباره أمراً مضموناً، بل تستعد لعالم يمكن أن تصبح فيه الصين وكوريا الشمالية وروسيا مصادر متزامنة للضغط العسكري والاستراتيجي. وفي ظل ارتباط أمن اليابان بتايوان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، فإن أي أزمة محلية قد تتحول سريعاً إلى اختبار أوسع و«أكثر ضجيجاً» لتوازن القوى في آسيا.-(وكالات)
اخبار اليوم - تدخل اليابان مرحلة جديدة في سياستها الدفاعية، في ظل تحولات متسارعة تشهدها البيئة الأمنية في شرق آسيا، وتصاعد القدرات العسكرية للصين وكوريا الشمالية، إلى جانب تنامي التعاون العسكري بين بكين وموسكو وبيونغ يانغ.
وبعد عقود من القيود الصارمة التي فرضها دستور ما بعد الحرب العالمية الثانية على النشاط العسكري الياباني، تبدو طوكيو اليوم أكثر استعداداً لتطوير قدراتها الدفاعية والتكنولوجية تحسباً لاحتمال اندلاع أزمات إقليمية واسعة.
وتأتي هذه التحولات في وقت تتزايد فيه المخاوف من احتمال اندلاع مواجهة في شرق آسيا، سواء بين الصين واليابان مباشرة، أو في إطار أزمة أوسع تشمل الولايات المتحدة وحلفاءها، أو نتيجة تطورات في شبه الجزيرة الكورية أو حول تايوان التي تؤكد الصين أنها «ستستعيدها».
تاريخياً، خاضت الصين واليابان 3 حروب منذ عام 1894، لكن نهاية الحرب العالمية الثانية بدت كأنها وضعت حداً نهائياً لاحتمال عودة الصراع بين القوتين؛ فقد خرجت اليابان مدمرة وخاضعة لسيطرة الحلفاء، ثم تبنت دستوراً سلمياً ينبذ الحرب بوصف ذلك أداة من أدوات السياسة الوطنية. وفي المقابل، كانت الصين دولة فقيرة يغلب عليها الطابع الزراعي، ولم تكن تمتلك القدرات العسكرية التي تؤهلها لمنافسة اليابان.
لكن المشهد تغير بصورة جذرية خلال العقود الثلاثة الماضية؛ فقد تحولت الصين إلى قوة اقتصادية وعسكرية كبرى، وأنفقت لسنوات طويلة مبالغ ضخمة على تطوير قواتها المسلحة، لتصبح صاحبة قوة عسكرية كبيرة ووازنة في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، ازدادت نقاط الخلاف بينها وبين اليابان، خصوصاً حول جزر سينكاكو، التي تسميها الصين دياويو، فضلاً عن الخلافات المتعلقة ببحر الصين الجنوبي ومستقبل تايوان.
وترى طوكيو أن توسع النفوذ العسكري الصيني يمثل تحدياً استراتيجياً متزايداً، في حين ترى بكين أن التحالف الياباني - الأميركي وتنامي القدرات العسكرية اليابانية يمثلان عائقاً أمام طموحاتها الإقليمية.
*الصين في صدارة التهديدات
يضع تقرير «دفاع اليابان 2026» الصين في صدارة التحديات الأمنية التي تواجه طوكيو، واصفاً إياها بأنها «أكبر تحدٍّ استراتيجي» لليابان. ويركز التقرير على النمو السريع في الإنفاق الدفاعي الصيني، إضافة إلى تكثيف الأنشطة العسكرية حول الأرخبيل الياباني، لا سيما بالقرب من جزر سينكاكو.
ويمثل مضيق تايوان أحد أخطر مصادر التوتر؛ فالصين لم تستبعد استخدام القوة لتحقيق الوحدة مع تايوان، بينما أعلنت اليابان مراراً أن أي صراع حول الجزيرة يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على أمنها. وكانت تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، التي أشارت إلى إمكان استخدام قوات الدفاع الذاتي إذا هدد هجوم صيني على تايوان أمن اليابان، قد أثارت غضب بكين ودفعتها إلى المطالبة بالتراجع عنها.
ولا تقتصر الأخطار على احتمال نشوب حرب شاملة؛ إذ إن الاحتكاكات البحرية والجوية المتكررة قد تؤدي إلى حادث عسكري غير مقصود؛ فوجود السفن والطائرات الصينية واليابانية في مناطق متقاربة، وبشكل يومي، يرفع احتمالات التصادم أو سوء التقدير.
* كوريا الشمالية وروسيا
إلى جانب الصين، ترى اليابان في كوريا الشمالية تهديداً «خطيراً ووشيكاً»، في ظل استمرار بيونغ يانغ في تطوير برامجها النووية والصاروخية. وتشمل هذه الترسانة صواريخ متطورة قادرة على الوصول بسهولة إلى الأراضي اليابانية، الأمر الذي يدفع طوكيو إلى تعزيز منظومات الإنذار والدفاع الصاروخي.
وتزداد المخاوف بسبب إعلان كوريا الشمالية رسمياً جارتها كوريا الجنوبية عدواً رئيسياً، ما يبقي خطر اندلاع مواجهة في شبه الجزيرة الكورية قائماً. وقد يبدأ صراع كهذا بقصف مدفعي أو إطلاق صواريخ، قبل أن يتوسع ليشمل أطرافاً إقليمية ودولية أخرى.
أما روسيا، فتثير أنشطتها العسكرية قرب اليابان قلقاً متزايداً، خصوصاً في المناطق المتنازع عليها (أرخبيل كوريل). كما تنظر طوكيو إلى الحرب الروسية في أوكرانيا باعتبارها مثالاً على احتمال تحول النزاعات الإقليمية إلى حروب واسعة النطاق. ويضاعف هذه المخاوف تنامي التعاون العسكري بين روسيا والصين، وبين روسيا وكوريا الشمالية، بما في ذلك التدريبات والأنشطة العسكرية المشتركة قرب اليابان وكوريا الجنوبية.
* اليابان تعيد بناء قوتها العسكرية
في مواجهة هذه البيئة الأمنية المعقدة، تعمل اليابان منذ عام 2023، على رفع الإنفاق الدفاعي إلى نحو 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يمثل تحولاً مهماً بالنسبة لدولة ظلت طوال عقود حذرة في استخدام قوتها العسكرية.
وتسعى الحكومة اليابانية إلى تقديم هذا التوسع العسكري لا بوصفه مجرد إجراء دفاعي فقط، بل أيضاً وسيلة لدعم الاقتصاد؛ فوثائق وزارة الدفاع تشير إلى أن الاستثمار في الصناعات الدفاعية يمكن أن يعزز النمو الاقتصادي، ويدعم الشركات الناشئة، ويشجع تطوير التكنولوجيا المحلية.
ويشمل الإنفاق الجديد تطوير صواريخ قادرة على ضرب أهداف على مسافات تتجاوز ألف كيلومتر، إضافة إلى الطائرات المسيّرة والأسلحة الذكية. كما تركز اليابان على الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وحرب المعلومات، وهي مجالات أصبحت جزءاً أساسياً من حروب الجيل الجديد.
وتعمل طوكيو كذلك على تطوير منظومة «الدرع» (SHIELD) للدفاع الجوي وتعزيز قاعدة الإنتاج الدفاعي المحلية، بهدف تقليل الاعتماد على الخارج وضمان القدرة على مواصلة القتال في حال نشوب أزمة طويلة.
*3 سيناريوهات محتملة للحرب
يمكن تصور 3 سيناريوهات رئيسية لاندلاع حرب بين الصين واليابان. الأول: مواجهة مباشرة حول الجزر المتنازع عليها أو نتيجة حادث عسكري في البحر أو الجو. والثاني يتمثل في اندلاع نزاع بين الصين والولايات المتحدة حول تايوان، ثم دخول اليابان إلى الحرب كونها حليفاً رئيسياً لواشنطن. أما السيناريو الثالث فيتعلق باندلاع أزمة في شبه الجزيرة الكورية تؤدي إلى تدخل الصين واليابان والولايات المتحدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ومع ذلك، لا تزال احتمالات اندلاع حرب شاملة متعددة الأطراف منخفضة نسبياً، بسبب الترابط الاقتصادي الهائل بين دول المنطقة، فضلاً عن عامل الردع النووي وخطورة النتائج الكارثية لأي تصعيد واسع.
إلا أن انخفاض احتمال الحرب الكبرى لا يعني غياب الخطر؛ فالمواجهات المحدودة، والحوادث البحرية والجوية، والهجمات السيبرانية، والأزمات حول تايوان أو شبه الجزيرة الكورية، يمكن أن تتطور بسرعة إذا فشلت الأطراف في احتوائها.
وفي هذا السياق، تبدو اليابان كأنها تستعد ليس لخوض الحرب فحسب، وإنما للبقاء والصمود في حال وقوعها. وتشمل خططها زيادة مخزونات الذخيرة، وتعزيز الملاجئ والقواعد العسكرية، وتطوير قدرات دفاعية أكثر مرونة واستدامة.
وبذلك، فإن سباق التسلح المتسارع في شرق آسيا لا يعني بالضرورة أن الحرب باتت وشيكة، لكنه يعكس حقيقة جديدة: اليابان لم تعد تتعامل مع السلام الإقليمي باعتباره أمراً مضموناً، بل تستعد لعالم يمكن أن تصبح فيه الصين وكوريا الشمالية وروسيا مصادر متزامنة للضغط العسكري والاستراتيجي. وفي ظل ارتباط أمن اليابان بتايوان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، فإن أي أزمة محلية قد تتحول سريعاً إلى اختبار أوسع و«أكثر ضجيجاً» لتوازن القوى في آسيا.-(وكالات)
اخبار اليوم - تدخل اليابان مرحلة جديدة في سياستها الدفاعية، في ظل تحولات متسارعة تشهدها البيئة الأمنية في شرق آسيا، وتصاعد القدرات العسكرية للصين وكوريا الشمالية، إلى جانب تنامي التعاون العسكري بين بكين وموسكو وبيونغ يانغ.
وبعد عقود من القيود الصارمة التي فرضها دستور ما بعد الحرب العالمية الثانية على النشاط العسكري الياباني، تبدو طوكيو اليوم أكثر استعداداً لتطوير قدراتها الدفاعية والتكنولوجية تحسباً لاحتمال اندلاع أزمات إقليمية واسعة.
وتأتي هذه التحولات في وقت تتزايد فيه المخاوف من احتمال اندلاع مواجهة في شرق آسيا، سواء بين الصين واليابان مباشرة، أو في إطار أزمة أوسع تشمل الولايات المتحدة وحلفاءها، أو نتيجة تطورات في شبه الجزيرة الكورية أو حول تايوان التي تؤكد الصين أنها «ستستعيدها».
تاريخياً، خاضت الصين واليابان 3 حروب منذ عام 1894، لكن نهاية الحرب العالمية الثانية بدت كأنها وضعت حداً نهائياً لاحتمال عودة الصراع بين القوتين؛ فقد خرجت اليابان مدمرة وخاضعة لسيطرة الحلفاء، ثم تبنت دستوراً سلمياً ينبذ الحرب بوصف ذلك أداة من أدوات السياسة الوطنية. وفي المقابل، كانت الصين دولة فقيرة يغلب عليها الطابع الزراعي، ولم تكن تمتلك القدرات العسكرية التي تؤهلها لمنافسة اليابان.
لكن المشهد تغير بصورة جذرية خلال العقود الثلاثة الماضية؛ فقد تحولت الصين إلى قوة اقتصادية وعسكرية كبرى، وأنفقت لسنوات طويلة مبالغ ضخمة على تطوير قواتها المسلحة، لتصبح صاحبة قوة عسكرية كبيرة ووازنة في المنطقة.
وفي الوقت نفسه، ازدادت نقاط الخلاف بينها وبين اليابان، خصوصاً حول جزر سينكاكو، التي تسميها الصين دياويو، فضلاً عن الخلافات المتعلقة ببحر الصين الجنوبي ومستقبل تايوان.
وترى طوكيو أن توسع النفوذ العسكري الصيني يمثل تحدياً استراتيجياً متزايداً، في حين ترى بكين أن التحالف الياباني - الأميركي وتنامي القدرات العسكرية اليابانية يمثلان عائقاً أمام طموحاتها الإقليمية.
*الصين في صدارة التهديدات
يضع تقرير «دفاع اليابان 2026» الصين في صدارة التحديات الأمنية التي تواجه طوكيو، واصفاً إياها بأنها «أكبر تحدٍّ استراتيجي» لليابان. ويركز التقرير على النمو السريع في الإنفاق الدفاعي الصيني، إضافة إلى تكثيف الأنشطة العسكرية حول الأرخبيل الياباني، لا سيما بالقرب من جزر سينكاكو.
ويمثل مضيق تايوان أحد أخطر مصادر التوتر؛ فالصين لم تستبعد استخدام القوة لتحقيق الوحدة مع تايوان، بينما أعلنت اليابان مراراً أن أي صراع حول الجزيرة يمكن أن تكون له تداعيات مباشرة على أمنها. وكانت تصريحات رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، التي أشارت إلى إمكان استخدام قوات الدفاع الذاتي إذا هدد هجوم صيني على تايوان أمن اليابان، قد أثارت غضب بكين ودفعتها إلى المطالبة بالتراجع عنها.
ولا تقتصر الأخطار على احتمال نشوب حرب شاملة؛ إذ إن الاحتكاكات البحرية والجوية المتكررة قد تؤدي إلى حادث عسكري غير مقصود؛ فوجود السفن والطائرات الصينية واليابانية في مناطق متقاربة، وبشكل يومي، يرفع احتمالات التصادم أو سوء التقدير.
* كوريا الشمالية وروسيا
إلى جانب الصين، ترى اليابان في كوريا الشمالية تهديداً «خطيراً ووشيكاً»، في ظل استمرار بيونغ يانغ في تطوير برامجها النووية والصاروخية. وتشمل هذه الترسانة صواريخ متطورة قادرة على الوصول بسهولة إلى الأراضي اليابانية، الأمر الذي يدفع طوكيو إلى تعزيز منظومات الإنذار والدفاع الصاروخي.
وتزداد المخاوف بسبب إعلان كوريا الشمالية رسمياً جارتها كوريا الجنوبية عدواً رئيسياً، ما يبقي خطر اندلاع مواجهة في شبه الجزيرة الكورية قائماً. وقد يبدأ صراع كهذا بقصف مدفعي أو إطلاق صواريخ، قبل أن يتوسع ليشمل أطرافاً إقليمية ودولية أخرى.
أما روسيا، فتثير أنشطتها العسكرية قرب اليابان قلقاً متزايداً، خصوصاً في المناطق المتنازع عليها (أرخبيل كوريل). كما تنظر طوكيو إلى الحرب الروسية في أوكرانيا باعتبارها مثالاً على احتمال تحول النزاعات الإقليمية إلى حروب واسعة النطاق. ويضاعف هذه المخاوف تنامي التعاون العسكري بين روسيا والصين، وبين روسيا وكوريا الشمالية، بما في ذلك التدريبات والأنشطة العسكرية المشتركة قرب اليابان وكوريا الجنوبية.
* اليابان تعيد بناء قوتها العسكرية
في مواجهة هذه البيئة الأمنية المعقدة، تعمل اليابان منذ عام 2023، على رفع الإنفاق الدفاعي إلى نحو 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى يمثل تحولاً مهماً بالنسبة لدولة ظلت طوال عقود حذرة في استخدام قوتها العسكرية.
وتسعى الحكومة اليابانية إلى تقديم هذا التوسع العسكري لا بوصفه مجرد إجراء دفاعي فقط، بل أيضاً وسيلة لدعم الاقتصاد؛ فوثائق وزارة الدفاع تشير إلى أن الاستثمار في الصناعات الدفاعية يمكن أن يعزز النمو الاقتصادي، ويدعم الشركات الناشئة، ويشجع تطوير التكنولوجيا المحلية.
ويشمل الإنفاق الجديد تطوير صواريخ قادرة على ضرب أهداف على مسافات تتجاوز ألف كيلومتر، إضافة إلى الطائرات المسيّرة والأسلحة الذكية. كما تركز اليابان على الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وحرب المعلومات، وهي مجالات أصبحت جزءاً أساسياً من حروب الجيل الجديد.
وتعمل طوكيو كذلك على تطوير منظومة «الدرع» (SHIELD) للدفاع الجوي وتعزيز قاعدة الإنتاج الدفاعي المحلية، بهدف تقليل الاعتماد على الخارج وضمان القدرة على مواصلة القتال في حال نشوب أزمة طويلة.
*3 سيناريوهات محتملة للحرب
يمكن تصور 3 سيناريوهات رئيسية لاندلاع حرب بين الصين واليابان. الأول: مواجهة مباشرة حول الجزر المتنازع عليها أو نتيجة حادث عسكري في البحر أو الجو. والثاني يتمثل في اندلاع نزاع بين الصين والولايات المتحدة حول تايوان، ثم دخول اليابان إلى الحرب كونها حليفاً رئيسياً لواشنطن. أما السيناريو الثالث فيتعلق باندلاع أزمة في شبه الجزيرة الكورية تؤدي إلى تدخل الصين واليابان والولايات المتحدة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
ومع ذلك، لا تزال احتمالات اندلاع حرب شاملة متعددة الأطراف منخفضة نسبياً، بسبب الترابط الاقتصادي الهائل بين دول المنطقة، فضلاً عن عامل الردع النووي وخطورة النتائج الكارثية لأي تصعيد واسع.
إلا أن انخفاض احتمال الحرب الكبرى لا يعني غياب الخطر؛ فالمواجهات المحدودة، والحوادث البحرية والجوية، والهجمات السيبرانية، والأزمات حول تايوان أو شبه الجزيرة الكورية، يمكن أن تتطور بسرعة إذا فشلت الأطراف في احتوائها.
وفي هذا السياق، تبدو اليابان كأنها تستعد ليس لخوض الحرب فحسب، وإنما للبقاء والصمود في حال وقوعها. وتشمل خططها زيادة مخزونات الذخيرة، وتعزيز الملاجئ والقواعد العسكرية، وتطوير قدرات دفاعية أكثر مرونة واستدامة.
وبذلك، فإن سباق التسلح المتسارع في شرق آسيا لا يعني بالضرورة أن الحرب باتت وشيكة، لكنه يعكس حقيقة جديدة: اليابان لم تعد تتعامل مع السلام الإقليمي باعتباره أمراً مضموناً، بل تستعد لعالم يمكن أن تصبح فيه الصين وكوريا الشمالية وروسيا مصادر متزامنة للضغط العسكري والاستراتيجي. وفي ظل ارتباط أمن اليابان بتايوان والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، فإن أي أزمة محلية قد تتحول سريعاً إلى اختبار أوسع و«أكثر ضجيجاً» لتوازن القوى في آسيا.-(وكالات)
التعليقات