بقلم : المهندس عبد الحميد الرحامنة
أخبار اليوم - في زمن الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، لا يجوز أن يكون مستقبل الدولة الرقمية مرهوناً بدفتر الباحث وطرقات الأبواب!
لا أستطيع أن أخفي استغرابي مما قرأته وسمعته عن الطريقة التي ستُنفذ بها عملية التعداد السكاني الجديدة في الأردن؛ فبعد سنوات طويلة من الحديث عن التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، تفاجئنا دائرة الإحصاءات العامة بأن الباحثين سيعودون إلى المنازل، وأن المواطن سيكون مطالباً بإبراز وثائقه الرسمية، ومن لا يلتزم قد يتعرض لغرامة مالية.
هنا لا بد من السؤال بصراحة:
هل نحن أمام تطور في أسلوب التعداد، أم أمام تراجع عن تجربة كان الأردن قد قطع فيها شوطاً مهماً قبل أكثر من عقد؟
أقول ذلك لأنني كنت جزءاً من تجربة التعداد السكاني لعام 2015، وكنت حينها مديراً عاماً لمركز تكنولوجيا المعلومات الوطني، وكانت مهمة المركز الإشراف التقني على العملية الإحصائية.
في ذلك الوقت، تم شراء أعداد كبيرة من أجهزة الـTablet، وأصبح الباحث يدخل إلى المنزل ويعبئ نموذجاً إلكترونياً، ثم تُرحّل البيانات بعد تدقيقها إلى قاعدة بيانات مخصصة.
كانت تجربة إلكترونية متقدمة بمقاييس ذلك الزمن، وتمت العملية بسلاسة، وكانت البيانات دقيقة إلى حد كبير.
واليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات، وبعد أن تغير العالم بأكمله، كنت أتوقع أن نرى قفزة نوعية في طريقة إجراء التعداد، لا أن نعود إلى أسلوب يعتمد بصورة أساسية على طرق أبواب المنازل وإبراز الوثائق.
فماذا حدث خلال هذه السنوات؟
لقد تغيرت التكنولوجيا بصورة هائلة.
دخل الذكاء الاصطناعي إلى تفاصيل حياة الدول، وأصبحت البيانات هي الثروة الحقيقية للحكومات، وتحولت قواعد البيانات المترابطة إلى واحدة من أهم أدوات صناعة القرار.
ونحن في الأردن لسنا دولة تبدأ من الصفر.
لدينا دائرة أحوال مدنية وجوازات تمتلك قاعدة بيانات وطنية ضخمة، ولدينا الرقم الوطني، ولدينا قواعد بيانات حكومية متعددة، ولدينا منصات إلكترونية وهوية رقمية، ولدينا خرائط رقمية ونظم معلومات جغرافية، ولدينا وزارة معنية بالاقتصاد الرقمي.
فلماذا لا نستخدم كل ذلك؟
لماذا لا يكون المواطن هو من يدخل إلى منصة حكومية موثوقة، باستخدام هويته الرقمية، ويقوم بتعبئة نموذج التعداد إلكترونياً، وتكون المعلومات المقدمة تحت طائلة المسؤولية القانونية؟
بعدها تبدأ التكنولوجيا بعملها.
تُقارن البيانات تلقائياً مع سجل الأحوال المدنية، وتُكتشف حالات التناقض أو النقص، وتُصنف الأسر التي تحتاج إلى تدقيق.
عندها فقط يذهب الباحث إلى المنزل الذي توجد حول بياناته علامة استفهام.
لماذا نرسل باحثاً إلى مليون منزل إذا كانت التكنولوجيا تستطيع أن تحدد لنا آلاف المنازل التي تحتاج فعلاً إلى زيارة؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح.
بل إن التعداد بهذه الطريقة يمكن أن يتحول من عملية إحصائية إلى مشروع وطني لتحديث بيانات الدولة.
قد يكتشف النظام أن هناك عنواناً قديماً، أو قيداً غير محدث، أو اختلافاً في بيانات الأسرة، أو شخصاً انتقل إلى مسكن آخر.
وبذلك لا نعرف فقط عدد السكان، وإنما نساهم في تصحيح قواعد البيانات الوطنية نفسها.
والأمر لا يتوقف عند ذلك.
لماذا لا نستفيد من نظم المعلومات الجغرافية GIS والخرائط الرقمية لإنشاء سجل دقيق للمباني والوحدات السكنية وربط السكان بعناوين سكنية موثوقة؟
عندها تصبح الدولة قادرة على معرفة: أين يسكن المواطن؟ كم عدد أفراد الأسرة؟ ما توزيع السكان؟ أين تتركز الكثافة السكانية؟ وما التغيرات التي طرأت على الخريطة السكانية؟
وهذه المعلومات ليست ترفاً إحصائياً.
إنها أساس التخطيط للمدارس والمستشفيات والطرق والنقل والخدمات وفرص العمل والمياه والطاقة وكل ما يتعلق بإدارة الدولة.
لكن هناك سؤالاً أكبر من كل ذلك:
ماذا يعني أن نتحدث منذ سنوات عن الحكومة الرقمية، ثم عندما تأتي مناسبة وطنية بهذا الحجم نتصرف وكأن قواعد البيانات الحكومية غير موجودة؟
التحول الرقمي ليس أن نضع جهاز Tablet في يد الموظف بدلاً من ورقة.
هذا كان تحولاً مهماً في عام 2015.
أما اليوم، فالتحول الحقيقي هو أن لا نطلب من المواطن معلومة تستطيع الدولة الحصول عليها من قواعد بياناتها الموثوقة، وأن نجعل الأنظمة الحكومية تتحدث مع بعضها بعضاً.
نحن لا نحتاج إلى رقمنة الإجراءات القديمة فقط؛ نحتاج إلى إعادة اختراع الإجراءات نفسها.
ولست ضد الباحث الميداني، ولا ضد زيارة المنازل عندما تكون الزيارة ضرورية. بل على العكس، قد يكون الباحث هو خط الدفاع الأخير للتأكد من صحة البيانات.
لكنني ضد أن يكون العمل الميداني هو نقطة البداية دائماً، بينما يفترض أن تكون البيانات الحكومية هي نقطة البداية، والعمل الميداني هو الاستثناء للتحقق.
وهنا يجب أن يكون النقاش وطنياً لا إدارياً فقط.
الأردن أنفق سنوات وأموالاً وجهداً في مشروع التحول الرقمي. فهل وصلنا فعلاً إلى مرحلة تستطيع فيها الدولة أن تتبادل بياناتها بأمان وكفاءة، أم أن كل مؤسسة ما زالت تعيش داخل جزيرتها الرقمية الخاصة؟
إذا كانت الإجابة هي الثانية، فالمشكلة ليست في التعداد.
المشكلة في مشروع التحول الرقمي برمته.
العالم لا ينتظرنا.
الدول اليوم تبني سجلات سكانية ديناميكية، وتستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات، وتربط الخرائط بالسكان والخدمات، وتنتقل من التعداد الدوري إلى تحديث البيانات بصورة مستمرة.
بينما نحن ما زلنا نناقش: هل سيطرق الباحث الباب؟ وهل سيطلب الوثيقة؟ وهل ستكون هناك غرامة؟
يا سادة… نحن في عام 2026، وليس في عام 2015!
كان المطلوب بعد تجربة 2015 أن نقول: ماذا تعلمنا؟ وكيف نذهب أبعد؟
لا أن نقول: كيف نكرر التجربة بعد عشر سنوات؟
الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد الأجهزة التي تملكها، ولا بعدد المنصات التي تطلقها، وإنما بقدرتها على ربط معلوماتها وتحويلها إلى قرار، وتسهيل حياة مواطنيها، وتوفير المال والوقت والجهد.
ولذلك، فإن السؤال الذي أضعه أمام أصحاب القرار ليس اعتراضاً على التعداد، وإنما دعوة لإعادة التفكير:
هل نريد تعداداً سكانياً جديداً… أم نريد أن نبني للمرة الأولى قاعدة بيانات سكانية وطنية ذكية، تتحدث وتتحدث معها مؤسسات الدولة على مدار الساعة؟
إذا كان هدفنا أن نعرف عدد السكان فقط، فطرق الأبواب قد تحقق الهدف.
أما إذا كان هدفنا أن نبني دولة رقمية حقيقية، فعلينا أن نفكر بطريقة مختلفة تماماً.
ففي زمن الذكاء الاصطناعي، لا يجوز أن تكون أعظم ثروة تمتلكها الدولة ــ وهي البيانات ــ موزعة بين مؤسسات لا تتحدث مع بعضها، ثم نطلب من المواطن أن يحمل أوراقه ويفتح لنا باب بيته كي نعرف ما نعرفه أصلاً!
هذه ليست قضية تعداد فقط.
إنها قضية: هل نحن فعلاً نتحول رقمياً… أم أننا فقط نغيّر شكل الورقة؟.
بقلم : المهندس عبد الحميد الرحامنة
أخبار اليوم - في زمن الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، لا يجوز أن يكون مستقبل الدولة الرقمية مرهوناً بدفتر الباحث وطرقات الأبواب!
لا أستطيع أن أخفي استغرابي مما قرأته وسمعته عن الطريقة التي ستُنفذ بها عملية التعداد السكاني الجديدة في الأردن؛ فبعد سنوات طويلة من الحديث عن التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، تفاجئنا دائرة الإحصاءات العامة بأن الباحثين سيعودون إلى المنازل، وأن المواطن سيكون مطالباً بإبراز وثائقه الرسمية، ومن لا يلتزم قد يتعرض لغرامة مالية.
هنا لا بد من السؤال بصراحة:
هل نحن أمام تطور في أسلوب التعداد، أم أمام تراجع عن تجربة كان الأردن قد قطع فيها شوطاً مهماً قبل أكثر من عقد؟
أقول ذلك لأنني كنت جزءاً من تجربة التعداد السكاني لعام 2015، وكنت حينها مديراً عاماً لمركز تكنولوجيا المعلومات الوطني، وكانت مهمة المركز الإشراف التقني على العملية الإحصائية.
في ذلك الوقت، تم شراء أعداد كبيرة من أجهزة الـTablet، وأصبح الباحث يدخل إلى المنزل ويعبئ نموذجاً إلكترونياً، ثم تُرحّل البيانات بعد تدقيقها إلى قاعدة بيانات مخصصة.
كانت تجربة إلكترونية متقدمة بمقاييس ذلك الزمن، وتمت العملية بسلاسة، وكانت البيانات دقيقة إلى حد كبير.
واليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات، وبعد أن تغير العالم بأكمله، كنت أتوقع أن نرى قفزة نوعية في طريقة إجراء التعداد، لا أن نعود إلى أسلوب يعتمد بصورة أساسية على طرق أبواب المنازل وإبراز الوثائق.
فماذا حدث خلال هذه السنوات؟
لقد تغيرت التكنولوجيا بصورة هائلة.
دخل الذكاء الاصطناعي إلى تفاصيل حياة الدول، وأصبحت البيانات هي الثروة الحقيقية للحكومات، وتحولت قواعد البيانات المترابطة إلى واحدة من أهم أدوات صناعة القرار.
ونحن في الأردن لسنا دولة تبدأ من الصفر.
لدينا دائرة أحوال مدنية وجوازات تمتلك قاعدة بيانات وطنية ضخمة، ولدينا الرقم الوطني، ولدينا قواعد بيانات حكومية متعددة، ولدينا منصات إلكترونية وهوية رقمية، ولدينا خرائط رقمية ونظم معلومات جغرافية، ولدينا وزارة معنية بالاقتصاد الرقمي.
فلماذا لا نستخدم كل ذلك؟
لماذا لا يكون المواطن هو من يدخل إلى منصة حكومية موثوقة، باستخدام هويته الرقمية، ويقوم بتعبئة نموذج التعداد إلكترونياً، وتكون المعلومات المقدمة تحت طائلة المسؤولية القانونية؟
بعدها تبدأ التكنولوجيا بعملها.
تُقارن البيانات تلقائياً مع سجل الأحوال المدنية، وتُكتشف حالات التناقض أو النقص، وتُصنف الأسر التي تحتاج إلى تدقيق.
عندها فقط يذهب الباحث إلى المنزل الذي توجد حول بياناته علامة استفهام.
لماذا نرسل باحثاً إلى مليون منزل إذا كانت التكنولوجيا تستطيع أن تحدد لنا آلاف المنازل التي تحتاج فعلاً إلى زيارة؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح.
بل إن التعداد بهذه الطريقة يمكن أن يتحول من عملية إحصائية إلى مشروع وطني لتحديث بيانات الدولة.
قد يكتشف النظام أن هناك عنواناً قديماً، أو قيداً غير محدث، أو اختلافاً في بيانات الأسرة، أو شخصاً انتقل إلى مسكن آخر.
وبذلك لا نعرف فقط عدد السكان، وإنما نساهم في تصحيح قواعد البيانات الوطنية نفسها.
والأمر لا يتوقف عند ذلك.
لماذا لا نستفيد من نظم المعلومات الجغرافية GIS والخرائط الرقمية لإنشاء سجل دقيق للمباني والوحدات السكنية وربط السكان بعناوين سكنية موثوقة؟
عندها تصبح الدولة قادرة على معرفة: أين يسكن المواطن؟ كم عدد أفراد الأسرة؟ ما توزيع السكان؟ أين تتركز الكثافة السكانية؟ وما التغيرات التي طرأت على الخريطة السكانية؟
وهذه المعلومات ليست ترفاً إحصائياً.
إنها أساس التخطيط للمدارس والمستشفيات والطرق والنقل والخدمات وفرص العمل والمياه والطاقة وكل ما يتعلق بإدارة الدولة.
لكن هناك سؤالاً أكبر من كل ذلك:
ماذا يعني أن نتحدث منذ سنوات عن الحكومة الرقمية، ثم عندما تأتي مناسبة وطنية بهذا الحجم نتصرف وكأن قواعد البيانات الحكومية غير موجودة؟
التحول الرقمي ليس أن نضع جهاز Tablet في يد الموظف بدلاً من ورقة.
هذا كان تحولاً مهماً في عام 2015.
أما اليوم، فالتحول الحقيقي هو أن لا نطلب من المواطن معلومة تستطيع الدولة الحصول عليها من قواعد بياناتها الموثوقة، وأن نجعل الأنظمة الحكومية تتحدث مع بعضها بعضاً.
نحن لا نحتاج إلى رقمنة الإجراءات القديمة فقط؛ نحتاج إلى إعادة اختراع الإجراءات نفسها.
ولست ضد الباحث الميداني، ولا ضد زيارة المنازل عندما تكون الزيارة ضرورية. بل على العكس، قد يكون الباحث هو خط الدفاع الأخير للتأكد من صحة البيانات.
لكنني ضد أن يكون العمل الميداني هو نقطة البداية دائماً، بينما يفترض أن تكون البيانات الحكومية هي نقطة البداية، والعمل الميداني هو الاستثناء للتحقق.
وهنا يجب أن يكون النقاش وطنياً لا إدارياً فقط.
الأردن أنفق سنوات وأموالاً وجهداً في مشروع التحول الرقمي. فهل وصلنا فعلاً إلى مرحلة تستطيع فيها الدولة أن تتبادل بياناتها بأمان وكفاءة، أم أن كل مؤسسة ما زالت تعيش داخل جزيرتها الرقمية الخاصة؟
إذا كانت الإجابة هي الثانية، فالمشكلة ليست في التعداد.
المشكلة في مشروع التحول الرقمي برمته.
العالم لا ينتظرنا.
الدول اليوم تبني سجلات سكانية ديناميكية، وتستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات، وتربط الخرائط بالسكان والخدمات، وتنتقل من التعداد الدوري إلى تحديث البيانات بصورة مستمرة.
بينما نحن ما زلنا نناقش: هل سيطرق الباحث الباب؟ وهل سيطلب الوثيقة؟ وهل ستكون هناك غرامة؟
يا سادة… نحن في عام 2026، وليس في عام 2015!
كان المطلوب بعد تجربة 2015 أن نقول: ماذا تعلمنا؟ وكيف نذهب أبعد؟
لا أن نقول: كيف نكرر التجربة بعد عشر سنوات؟
الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد الأجهزة التي تملكها، ولا بعدد المنصات التي تطلقها، وإنما بقدرتها على ربط معلوماتها وتحويلها إلى قرار، وتسهيل حياة مواطنيها، وتوفير المال والوقت والجهد.
ولذلك، فإن السؤال الذي أضعه أمام أصحاب القرار ليس اعتراضاً على التعداد، وإنما دعوة لإعادة التفكير:
هل نريد تعداداً سكانياً جديداً… أم نريد أن نبني للمرة الأولى قاعدة بيانات سكانية وطنية ذكية، تتحدث وتتحدث معها مؤسسات الدولة على مدار الساعة؟
إذا كان هدفنا أن نعرف عدد السكان فقط، فطرق الأبواب قد تحقق الهدف.
أما إذا كان هدفنا أن نبني دولة رقمية حقيقية، فعلينا أن نفكر بطريقة مختلفة تماماً.
ففي زمن الذكاء الاصطناعي، لا يجوز أن تكون أعظم ثروة تمتلكها الدولة ــ وهي البيانات ــ موزعة بين مؤسسات لا تتحدث مع بعضها، ثم نطلب من المواطن أن يحمل أوراقه ويفتح لنا باب بيته كي نعرف ما نعرفه أصلاً!
هذه ليست قضية تعداد فقط.
إنها قضية: هل نحن فعلاً نتحول رقمياً… أم أننا فقط نغيّر شكل الورقة؟.
بقلم : المهندس عبد الحميد الرحامنة
أخبار اليوم - في زمن الذكاء الاصطناعي والبيانات الضخمة، لا يجوز أن يكون مستقبل الدولة الرقمية مرهوناً بدفتر الباحث وطرقات الأبواب!
لا أستطيع أن أخفي استغرابي مما قرأته وسمعته عن الطريقة التي ستُنفذ بها عملية التعداد السكاني الجديدة في الأردن؛ فبعد سنوات طويلة من الحديث عن التحول الرقمي والحكومة الإلكترونية والذكاء الاصطناعي، تفاجئنا دائرة الإحصاءات العامة بأن الباحثين سيعودون إلى المنازل، وأن المواطن سيكون مطالباً بإبراز وثائقه الرسمية، ومن لا يلتزم قد يتعرض لغرامة مالية.
هنا لا بد من السؤال بصراحة:
هل نحن أمام تطور في أسلوب التعداد، أم أمام تراجع عن تجربة كان الأردن قد قطع فيها شوطاً مهماً قبل أكثر من عقد؟
أقول ذلك لأنني كنت جزءاً من تجربة التعداد السكاني لعام 2015، وكنت حينها مديراً عاماً لمركز تكنولوجيا المعلومات الوطني، وكانت مهمة المركز الإشراف التقني على العملية الإحصائية.
في ذلك الوقت، تم شراء أعداد كبيرة من أجهزة الـTablet، وأصبح الباحث يدخل إلى المنزل ويعبئ نموذجاً إلكترونياً، ثم تُرحّل البيانات بعد تدقيقها إلى قاعدة بيانات مخصصة.
كانت تجربة إلكترونية متقدمة بمقاييس ذلك الزمن، وتمت العملية بسلاسة، وكانت البيانات دقيقة إلى حد كبير.
واليوم، وبعد أكثر من عشر سنوات، وبعد أن تغير العالم بأكمله، كنت أتوقع أن نرى قفزة نوعية في طريقة إجراء التعداد، لا أن نعود إلى أسلوب يعتمد بصورة أساسية على طرق أبواب المنازل وإبراز الوثائق.
فماذا حدث خلال هذه السنوات؟
لقد تغيرت التكنولوجيا بصورة هائلة.
دخل الذكاء الاصطناعي إلى تفاصيل حياة الدول، وأصبحت البيانات هي الثروة الحقيقية للحكومات، وتحولت قواعد البيانات المترابطة إلى واحدة من أهم أدوات صناعة القرار.
ونحن في الأردن لسنا دولة تبدأ من الصفر.
لدينا دائرة أحوال مدنية وجوازات تمتلك قاعدة بيانات وطنية ضخمة، ولدينا الرقم الوطني، ولدينا قواعد بيانات حكومية متعددة، ولدينا منصات إلكترونية وهوية رقمية، ولدينا خرائط رقمية ونظم معلومات جغرافية، ولدينا وزارة معنية بالاقتصاد الرقمي.
فلماذا لا نستخدم كل ذلك؟
لماذا لا يكون المواطن هو من يدخل إلى منصة حكومية موثوقة، باستخدام هويته الرقمية، ويقوم بتعبئة نموذج التعداد إلكترونياً، وتكون المعلومات المقدمة تحت طائلة المسؤولية القانونية؟
بعدها تبدأ التكنولوجيا بعملها.
تُقارن البيانات تلقائياً مع سجل الأحوال المدنية، وتُكتشف حالات التناقض أو النقص، وتُصنف الأسر التي تحتاج إلى تدقيق.
عندها فقط يذهب الباحث إلى المنزل الذي توجد حول بياناته علامة استفهام.
لماذا نرسل باحثاً إلى مليون منزل إذا كانت التكنولوجيا تستطيع أن تحدد لنا آلاف المنازل التي تحتاج فعلاً إلى زيارة؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح.
بل إن التعداد بهذه الطريقة يمكن أن يتحول من عملية إحصائية إلى مشروع وطني لتحديث بيانات الدولة.
قد يكتشف النظام أن هناك عنواناً قديماً، أو قيداً غير محدث، أو اختلافاً في بيانات الأسرة، أو شخصاً انتقل إلى مسكن آخر.
وبذلك لا نعرف فقط عدد السكان، وإنما نساهم في تصحيح قواعد البيانات الوطنية نفسها.
والأمر لا يتوقف عند ذلك.
لماذا لا نستفيد من نظم المعلومات الجغرافية GIS والخرائط الرقمية لإنشاء سجل دقيق للمباني والوحدات السكنية وربط السكان بعناوين سكنية موثوقة؟
عندها تصبح الدولة قادرة على معرفة: أين يسكن المواطن؟ كم عدد أفراد الأسرة؟ ما توزيع السكان؟ أين تتركز الكثافة السكانية؟ وما التغيرات التي طرأت على الخريطة السكانية؟
وهذه المعلومات ليست ترفاً إحصائياً.
إنها أساس التخطيط للمدارس والمستشفيات والطرق والنقل والخدمات وفرص العمل والمياه والطاقة وكل ما يتعلق بإدارة الدولة.
لكن هناك سؤالاً أكبر من كل ذلك:
ماذا يعني أن نتحدث منذ سنوات عن الحكومة الرقمية، ثم عندما تأتي مناسبة وطنية بهذا الحجم نتصرف وكأن قواعد البيانات الحكومية غير موجودة؟
التحول الرقمي ليس أن نضع جهاز Tablet في يد الموظف بدلاً من ورقة.
هذا كان تحولاً مهماً في عام 2015.
أما اليوم، فالتحول الحقيقي هو أن لا نطلب من المواطن معلومة تستطيع الدولة الحصول عليها من قواعد بياناتها الموثوقة، وأن نجعل الأنظمة الحكومية تتحدث مع بعضها بعضاً.
نحن لا نحتاج إلى رقمنة الإجراءات القديمة فقط؛ نحتاج إلى إعادة اختراع الإجراءات نفسها.
ولست ضد الباحث الميداني، ولا ضد زيارة المنازل عندما تكون الزيارة ضرورية. بل على العكس، قد يكون الباحث هو خط الدفاع الأخير للتأكد من صحة البيانات.
لكنني ضد أن يكون العمل الميداني هو نقطة البداية دائماً، بينما يفترض أن تكون البيانات الحكومية هي نقطة البداية، والعمل الميداني هو الاستثناء للتحقق.
وهنا يجب أن يكون النقاش وطنياً لا إدارياً فقط.
الأردن أنفق سنوات وأموالاً وجهداً في مشروع التحول الرقمي. فهل وصلنا فعلاً إلى مرحلة تستطيع فيها الدولة أن تتبادل بياناتها بأمان وكفاءة، أم أن كل مؤسسة ما زالت تعيش داخل جزيرتها الرقمية الخاصة؟
إذا كانت الإجابة هي الثانية، فالمشكلة ليست في التعداد.
المشكلة في مشروع التحول الرقمي برمته.
العالم لا ينتظرنا.
الدول اليوم تبني سجلات سكانية ديناميكية، وتستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات، وتربط الخرائط بالسكان والخدمات، وتنتقل من التعداد الدوري إلى تحديث البيانات بصورة مستمرة.
بينما نحن ما زلنا نناقش: هل سيطرق الباحث الباب؟ وهل سيطلب الوثيقة؟ وهل ستكون هناك غرامة؟
يا سادة… نحن في عام 2026، وليس في عام 2015!
كان المطلوب بعد تجربة 2015 أن نقول: ماذا تعلمنا؟ وكيف نذهب أبعد؟
لا أن نقول: كيف نكرر التجربة بعد عشر سنوات؟
الدولة الحديثة لا تُقاس بعدد الأجهزة التي تملكها، ولا بعدد المنصات التي تطلقها، وإنما بقدرتها على ربط معلوماتها وتحويلها إلى قرار، وتسهيل حياة مواطنيها، وتوفير المال والوقت والجهد.
ولذلك، فإن السؤال الذي أضعه أمام أصحاب القرار ليس اعتراضاً على التعداد، وإنما دعوة لإعادة التفكير:
هل نريد تعداداً سكانياً جديداً… أم نريد أن نبني للمرة الأولى قاعدة بيانات سكانية وطنية ذكية، تتحدث وتتحدث معها مؤسسات الدولة على مدار الساعة؟
إذا كان هدفنا أن نعرف عدد السكان فقط، فطرق الأبواب قد تحقق الهدف.
أما إذا كان هدفنا أن نبني دولة رقمية حقيقية، فعلينا أن نفكر بطريقة مختلفة تماماً.
ففي زمن الذكاء الاصطناعي، لا يجوز أن تكون أعظم ثروة تمتلكها الدولة ــ وهي البيانات ــ موزعة بين مؤسسات لا تتحدث مع بعضها، ثم نطلب من المواطن أن يحمل أوراقه ويفتح لنا باب بيته كي نعرف ما نعرفه أصلاً!
هذه ليست قضية تعداد فقط.
إنها قضية: هل نحن فعلاً نتحول رقمياً… أم أننا فقط نغيّر شكل الورقة؟.
التعليقات