أخبار اليوم – عواد الفالح - ثمة فرق كبير بين أن تورث أبناءك المال، وأن تورثهم اسمًا يستطيعون أن يمشوا به بين الناس بعد رحيلك. المال يمكن أن يزيد وينقص، والشركات يمكن أن تتغير، والمحال التي تضج بالزبائن اليوم قد تغلق أبوابها غدًا، أما الاسم حين يبنيه صاحبه على مهل، ويضع فيه من عمره وسمعته ومواقفه، فإنه يصبح أثقل من كل ما تركه في الخزائن. والحاج حيدر مراد، الذي رحل في الثاني عشر من أيلول عام 2018، ترك هذا النوع من الإرث.
وحين نعود إلى حكايته، علينا أن نعود إلى غزة، إلى الشجاعية تحديدًا، عام 1940. هناك ولد حيدر عيسى مراد في بيت تاجر. كان والده عيسى مراد يعرف الطرق بين غزة والأردن وبيروت، ويعرف أن التجارة في ذلك الزمن لم تكن هاتفًا ومصرفًا وتحويلًا يصل خلال ثوانٍ. كانت شحنة في البحر، وطريقًا طويلًا، وانتظارًا، واحتمالًا دائمًا للخسارة. وفي عام 1954 غرقت للوالد شحنة كبيرة في البحر. هذه الحكاية تبدو تفصيلًا صغيرًا في سيرة طويلة، لكنها بالنسبة لي مفتاح لفهم الابن؛ فالفتى الذي يرى مال أبيه تبتلعه المياه يتعلم مبكرًا أن المال لا أمان له، وأن ما يبقى للتاجر حين تذهب البضاعة هو اسمه.
ذهب حيدر إلى القاهرة ودرس التجارة والاقتصاد، ثم عاد إلى حياة لم تكن تنتظره وفي يدها وظيفة مضمونة. جاء إلى عمّان، وهنا بدأت الحكاية الأخرى. كانت العاصمة أصغر كثيرًا من صورتها الحالية؛ يعرف التجار بعضهم بعضًا، ويعرف الناس صاحب المحل، ومن باع ومن اشترى ومن أوفى بوعده ومن أخلفه. كان دفتر التاجر يحتوي أرقامًا، لكن دفتر الناس كان يحتوي سمعته، والدفتر الثاني كان أخطر.
في تلك البيئة بنى حيدر مراد تجارته. لم يبدأ «شهبندرًا»، فهذه الألقاب تأتي في نهاية الطريق ولا تُوزع في بدايته. عمل مع والده، ثم أسس عام 1970 مجموعته التجارية، وأدخل إلى السوق أجهزة وعلامات كانت بالنسبة إلى الأردنيين جزءًا من انتقال اجتماعي كامل. التلفزيون الملون والغسالة الأوتوماتيكية والثلاجة لم تكن يومها مجرد بضائع كهربائية؛ كانت إشارات إلى بيت أردني يتغير، ودخل ومستوى معيشة وعادات تتبدل. كان التاجر، من حيث يدري أو لا يدري، شريكًا في هذا التحول.
لكن حيدر مراد فهم شيئًا آخر: أن كبر المحل لا يكفي لكي يكبر صاحبه. يستطيع المرء أن يكون غنيًا ويبقى صغيرًا في ذاكرة مدينته، ويستطيع أن تكون لديه تجارة متواضعة ويصبح مرجعًا للناس. المسافة بين الاثنين اسمها الثقة. ومن هنا بدأ حيدر يخرج من حدود تجارته الخاصة إلى همّ القطاع التجاري، حتى دخل غرفة تجارة عمّان عام 1986، ثم أصبح نائبًا لرئيسها ورئيسًا لها، وبعدها رئيسًا لغرفة تجارة الأردن.
ربع قرن تقريبًا أمضاه في العمل التجاري العام. ولو كانت القضية كرسيًا لما بقيت كل تلك السنوات، فالكرسي بطبيعته مؤقت. ما أبقى الرجل كان قدرته على أن يمثل طبقة اجتماعية كاملة كانت ترى التجارة جزءًا من بناء الدولة، لا مجرد وسيلة للثراء. ولهذا التصق به لقب «شهبندر التجار». والشهبندر في الذاكرة العربية ليس أغنى رجل في السوق بالضرورة؛ إنه كبير التجار ومرجعهم، الرجل الذي إذا اختلف اثنان ذهبا إليه، وإذا أصاب السوق أمر كان صوته حاضرًا.
ومن غرفة التجارة ذهب حيدر مراد إلى مجلس الأعيان، ودخل مجالس ومؤسسات اقتصادية ووطنية عديدة، وحصل على وسام الاستقلال من الدرجة الأولى. لكن أجمل ما في سيرته أن الأردنيين لم يحفظوا اسمه باعتباره «العين حيدر مراد» ولا «رئيس الغرفة حيدر مراد». بقي «الحاج حيدر». أحيانًا يختار الناس للرجل لقبًا أدق من كل القرارات الرسمية، والحاج هنا لم تكن كلمة تسبق الاسم فقط؛ كانت وصفًا لجيل كامل من رجال السوق الذين جمعوا التجارة والوجاهة والعمل الاجتماعي في شخصية واحدة.
كان ذلك الجيل يعرف أن الغنى يفرض على صاحبه واجبات. لهذا نجد حيدر مراد في العمل الخيري، وفي رعاية الأيتام، وفي مساعدة الأسر وتعليم الطلبة ومؤسسات البر والإحسان. وهذه النقطة بالذات تستحق الوقوف عندها؛ لأننا حين نتحدث عن رجال الاقتصاد نقيسهم عادة بما جمعوا، بينما المقياس الأهم أحيانًا هو ما أعادوه إلى المجتمع الذي صنع نجاحهم.
لقد تغيرت التجارة كثيرًا منذ أيام حيدر مراد. صارت الشركات أكبر، والأرقام أسرع، والإعلانات أكثر، والأسواق أوسع. لكن شيئًا ما أصبح أقل حضورًا: العلاقة الشخصية بين اسم التاجر وسمعة تجارته. في الزمن القديم كان انهيار سمعة الرجل أخطر عليه من خسارة صفقة، لأن السوق كان يعرفه شخصيًا. لم يكن يستطيع أن يختبئ خلف اسم شركة أو شاشة أو حملة علاقات عامة. كان وجهه هو العلامة التجارية، وكلمته هي الضمان.
لهذا فإن استعادة حيدر مراد اليوم ليست بكاءً على رجل رحل قبل ثمانية أعوام، ولا حنينًا مجانيًا إلى عمّان القديمة. إنها استعادة لسؤال أصبح أكثر أهمية: ماذا يبقى من رجل الأعمال بعد أن تنتهي أعماله؟ هل يبقى رقمًا في سجل الشركات، أم مدرسة في الطريقة التي يُمارس بها المال دوره في المجتمع؟
حين توفي الحاج حيدر، شيع من مسجد الملك الحسين إلى مقبرة العائلة. وبعد سنوات أقام أبناؤه في خلدا مسجدًا يحمل اسمه صدقة جارية عن روحه. وفي هذا المشهد شيء من اكتمال الدائرة؛ الرجل الذي قضى عمره يفتح أبواب التجارة، ترك أبناؤه باسمه بابًا يفتح للصلاة. والذي أمضى سنوات يحسب الأرباح والخسائر، انتهت حكايته إلى حساب آخر لا يعرفه إلا الله.
ومن غزة التي ولد فيها، إلى القاهرة التي تعلم فيها، إلى عمّان التي صنعت معه وصنع معها جزءًا من تاريخ تجارتها، قطع حيدر مراد رحلة طويلة. لكنه حين غادرها لم يأخذ معه شيئًا من البضاعة التي باعها، ولا من الشركات التي أسسها، ولا من المقاعد التي جلس عليها.
بقي اسمه، وهنا ربما تكمن الحكاية كلها: عيسى مراد خسر يومًا شحنة ابتلعها البحر، وابنه حيدر أمضى حياته يبني شيئًا لا يستطيع البحر أن يبتلعه، أنها السمعة، وعمل الخير، وخدم الوطن الذي أحبه.
أخبار اليوم – عواد الفالح - ثمة فرق كبير بين أن تورث أبناءك المال، وأن تورثهم اسمًا يستطيعون أن يمشوا به بين الناس بعد رحيلك. المال يمكن أن يزيد وينقص، والشركات يمكن أن تتغير، والمحال التي تضج بالزبائن اليوم قد تغلق أبوابها غدًا، أما الاسم حين يبنيه صاحبه على مهل، ويضع فيه من عمره وسمعته ومواقفه، فإنه يصبح أثقل من كل ما تركه في الخزائن. والحاج حيدر مراد، الذي رحل في الثاني عشر من أيلول عام 2018، ترك هذا النوع من الإرث.
وحين نعود إلى حكايته، علينا أن نعود إلى غزة، إلى الشجاعية تحديدًا، عام 1940. هناك ولد حيدر عيسى مراد في بيت تاجر. كان والده عيسى مراد يعرف الطرق بين غزة والأردن وبيروت، ويعرف أن التجارة في ذلك الزمن لم تكن هاتفًا ومصرفًا وتحويلًا يصل خلال ثوانٍ. كانت شحنة في البحر، وطريقًا طويلًا، وانتظارًا، واحتمالًا دائمًا للخسارة. وفي عام 1954 غرقت للوالد شحنة كبيرة في البحر. هذه الحكاية تبدو تفصيلًا صغيرًا في سيرة طويلة، لكنها بالنسبة لي مفتاح لفهم الابن؛ فالفتى الذي يرى مال أبيه تبتلعه المياه يتعلم مبكرًا أن المال لا أمان له، وأن ما يبقى للتاجر حين تذهب البضاعة هو اسمه.
ذهب حيدر إلى القاهرة ودرس التجارة والاقتصاد، ثم عاد إلى حياة لم تكن تنتظره وفي يدها وظيفة مضمونة. جاء إلى عمّان، وهنا بدأت الحكاية الأخرى. كانت العاصمة أصغر كثيرًا من صورتها الحالية؛ يعرف التجار بعضهم بعضًا، ويعرف الناس صاحب المحل، ومن باع ومن اشترى ومن أوفى بوعده ومن أخلفه. كان دفتر التاجر يحتوي أرقامًا، لكن دفتر الناس كان يحتوي سمعته، والدفتر الثاني كان أخطر.
في تلك البيئة بنى حيدر مراد تجارته. لم يبدأ «شهبندرًا»، فهذه الألقاب تأتي في نهاية الطريق ولا تُوزع في بدايته. عمل مع والده، ثم أسس عام 1970 مجموعته التجارية، وأدخل إلى السوق أجهزة وعلامات كانت بالنسبة إلى الأردنيين جزءًا من انتقال اجتماعي كامل. التلفزيون الملون والغسالة الأوتوماتيكية والثلاجة لم تكن يومها مجرد بضائع كهربائية؛ كانت إشارات إلى بيت أردني يتغير، ودخل ومستوى معيشة وعادات تتبدل. كان التاجر، من حيث يدري أو لا يدري، شريكًا في هذا التحول.
لكن حيدر مراد فهم شيئًا آخر: أن كبر المحل لا يكفي لكي يكبر صاحبه. يستطيع المرء أن يكون غنيًا ويبقى صغيرًا في ذاكرة مدينته، ويستطيع أن تكون لديه تجارة متواضعة ويصبح مرجعًا للناس. المسافة بين الاثنين اسمها الثقة. ومن هنا بدأ حيدر يخرج من حدود تجارته الخاصة إلى همّ القطاع التجاري، حتى دخل غرفة تجارة عمّان عام 1986، ثم أصبح نائبًا لرئيسها ورئيسًا لها، وبعدها رئيسًا لغرفة تجارة الأردن.
ربع قرن تقريبًا أمضاه في العمل التجاري العام. ولو كانت القضية كرسيًا لما بقيت كل تلك السنوات، فالكرسي بطبيعته مؤقت. ما أبقى الرجل كان قدرته على أن يمثل طبقة اجتماعية كاملة كانت ترى التجارة جزءًا من بناء الدولة، لا مجرد وسيلة للثراء. ولهذا التصق به لقب «شهبندر التجار». والشهبندر في الذاكرة العربية ليس أغنى رجل في السوق بالضرورة؛ إنه كبير التجار ومرجعهم، الرجل الذي إذا اختلف اثنان ذهبا إليه، وإذا أصاب السوق أمر كان صوته حاضرًا.
ومن غرفة التجارة ذهب حيدر مراد إلى مجلس الأعيان، ودخل مجالس ومؤسسات اقتصادية ووطنية عديدة، وحصل على وسام الاستقلال من الدرجة الأولى. لكن أجمل ما في سيرته أن الأردنيين لم يحفظوا اسمه باعتباره «العين حيدر مراد» ولا «رئيس الغرفة حيدر مراد». بقي «الحاج حيدر». أحيانًا يختار الناس للرجل لقبًا أدق من كل القرارات الرسمية، والحاج هنا لم تكن كلمة تسبق الاسم فقط؛ كانت وصفًا لجيل كامل من رجال السوق الذين جمعوا التجارة والوجاهة والعمل الاجتماعي في شخصية واحدة.
كان ذلك الجيل يعرف أن الغنى يفرض على صاحبه واجبات. لهذا نجد حيدر مراد في العمل الخيري، وفي رعاية الأيتام، وفي مساعدة الأسر وتعليم الطلبة ومؤسسات البر والإحسان. وهذه النقطة بالذات تستحق الوقوف عندها؛ لأننا حين نتحدث عن رجال الاقتصاد نقيسهم عادة بما جمعوا، بينما المقياس الأهم أحيانًا هو ما أعادوه إلى المجتمع الذي صنع نجاحهم.
لقد تغيرت التجارة كثيرًا منذ أيام حيدر مراد. صارت الشركات أكبر، والأرقام أسرع، والإعلانات أكثر، والأسواق أوسع. لكن شيئًا ما أصبح أقل حضورًا: العلاقة الشخصية بين اسم التاجر وسمعة تجارته. في الزمن القديم كان انهيار سمعة الرجل أخطر عليه من خسارة صفقة، لأن السوق كان يعرفه شخصيًا. لم يكن يستطيع أن يختبئ خلف اسم شركة أو شاشة أو حملة علاقات عامة. كان وجهه هو العلامة التجارية، وكلمته هي الضمان.
لهذا فإن استعادة حيدر مراد اليوم ليست بكاءً على رجل رحل قبل ثمانية أعوام، ولا حنينًا مجانيًا إلى عمّان القديمة. إنها استعادة لسؤال أصبح أكثر أهمية: ماذا يبقى من رجل الأعمال بعد أن تنتهي أعماله؟ هل يبقى رقمًا في سجل الشركات، أم مدرسة في الطريقة التي يُمارس بها المال دوره في المجتمع؟
حين توفي الحاج حيدر، شيع من مسجد الملك الحسين إلى مقبرة العائلة. وبعد سنوات أقام أبناؤه في خلدا مسجدًا يحمل اسمه صدقة جارية عن روحه. وفي هذا المشهد شيء من اكتمال الدائرة؛ الرجل الذي قضى عمره يفتح أبواب التجارة، ترك أبناؤه باسمه بابًا يفتح للصلاة. والذي أمضى سنوات يحسب الأرباح والخسائر، انتهت حكايته إلى حساب آخر لا يعرفه إلا الله.
ومن غزة التي ولد فيها، إلى القاهرة التي تعلم فيها، إلى عمّان التي صنعت معه وصنع معها جزءًا من تاريخ تجارتها، قطع حيدر مراد رحلة طويلة. لكنه حين غادرها لم يأخذ معه شيئًا من البضاعة التي باعها، ولا من الشركات التي أسسها، ولا من المقاعد التي جلس عليها.
بقي اسمه، وهنا ربما تكمن الحكاية كلها: عيسى مراد خسر يومًا شحنة ابتلعها البحر، وابنه حيدر أمضى حياته يبني شيئًا لا يستطيع البحر أن يبتلعه، أنها السمعة، وعمل الخير، وخدم الوطن الذي أحبه.
أخبار اليوم – عواد الفالح - ثمة فرق كبير بين أن تورث أبناءك المال، وأن تورثهم اسمًا يستطيعون أن يمشوا به بين الناس بعد رحيلك. المال يمكن أن يزيد وينقص، والشركات يمكن أن تتغير، والمحال التي تضج بالزبائن اليوم قد تغلق أبوابها غدًا، أما الاسم حين يبنيه صاحبه على مهل، ويضع فيه من عمره وسمعته ومواقفه، فإنه يصبح أثقل من كل ما تركه في الخزائن. والحاج حيدر مراد، الذي رحل في الثاني عشر من أيلول عام 2018، ترك هذا النوع من الإرث.
وحين نعود إلى حكايته، علينا أن نعود إلى غزة، إلى الشجاعية تحديدًا، عام 1940. هناك ولد حيدر عيسى مراد في بيت تاجر. كان والده عيسى مراد يعرف الطرق بين غزة والأردن وبيروت، ويعرف أن التجارة في ذلك الزمن لم تكن هاتفًا ومصرفًا وتحويلًا يصل خلال ثوانٍ. كانت شحنة في البحر، وطريقًا طويلًا، وانتظارًا، واحتمالًا دائمًا للخسارة. وفي عام 1954 غرقت للوالد شحنة كبيرة في البحر. هذه الحكاية تبدو تفصيلًا صغيرًا في سيرة طويلة، لكنها بالنسبة لي مفتاح لفهم الابن؛ فالفتى الذي يرى مال أبيه تبتلعه المياه يتعلم مبكرًا أن المال لا أمان له، وأن ما يبقى للتاجر حين تذهب البضاعة هو اسمه.
ذهب حيدر إلى القاهرة ودرس التجارة والاقتصاد، ثم عاد إلى حياة لم تكن تنتظره وفي يدها وظيفة مضمونة. جاء إلى عمّان، وهنا بدأت الحكاية الأخرى. كانت العاصمة أصغر كثيرًا من صورتها الحالية؛ يعرف التجار بعضهم بعضًا، ويعرف الناس صاحب المحل، ومن باع ومن اشترى ومن أوفى بوعده ومن أخلفه. كان دفتر التاجر يحتوي أرقامًا، لكن دفتر الناس كان يحتوي سمعته، والدفتر الثاني كان أخطر.
في تلك البيئة بنى حيدر مراد تجارته. لم يبدأ «شهبندرًا»، فهذه الألقاب تأتي في نهاية الطريق ولا تُوزع في بدايته. عمل مع والده، ثم أسس عام 1970 مجموعته التجارية، وأدخل إلى السوق أجهزة وعلامات كانت بالنسبة إلى الأردنيين جزءًا من انتقال اجتماعي كامل. التلفزيون الملون والغسالة الأوتوماتيكية والثلاجة لم تكن يومها مجرد بضائع كهربائية؛ كانت إشارات إلى بيت أردني يتغير، ودخل ومستوى معيشة وعادات تتبدل. كان التاجر، من حيث يدري أو لا يدري، شريكًا في هذا التحول.
لكن حيدر مراد فهم شيئًا آخر: أن كبر المحل لا يكفي لكي يكبر صاحبه. يستطيع المرء أن يكون غنيًا ويبقى صغيرًا في ذاكرة مدينته، ويستطيع أن تكون لديه تجارة متواضعة ويصبح مرجعًا للناس. المسافة بين الاثنين اسمها الثقة. ومن هنا بدأ حيدر يخرج من حدود تجارته الخاصة إلى همّ القطاع التجاري، حتى دخل غرفة تجارة عمّان عام 1986، ثم أصبح نائبًا لرئيسها ورئيسًا لها، وبعدها رئيسًا لغرفة تجارة الأردن.
ربع قرن تقريبًا أمضاه في العمل التجاري العام. ولو كانت القضية كرسيًا لما بقيت كل تلك السنوات، فالكرسي بطبيعته مؤقت. ما أبقى الرجل كان قدرته على أن يمثل طبقة اجتماعية كاملة كانت ترى التجارة جزءًا من بناء الدولة، لا مجرد وسيلة للثراء. ولهذا التصق به لقب «شهبندر التجار». والشهبندر في الذاكرة العربية ليس أغنى رجل في السوق بالضرورة؛ إنه كبير التجار ومرجعهم، الرجل الذي إذا اختلف اثنان ذهبا إليه، وإذا أصاب السوق أمر كان صوته حاضرًا.
ومن غرفة التجارة ذهب حيدر مراد إلى مجلس الأعيان، ودخل مجالس ومؤسسات اقتصادية ووطنية عديدة، وحصل على وسام الاستقلال من الدرجة الأولى. لكن أجمل ما في سيرته أن الأردنيين لم يحفظوا اسمه باعتباره «العين حيدر مراد» ولا «رئيس الغرفة حيدر مراد». بقي «الحاج حيدر». أحيانًا يختار الناس للرجل لقبًا أدق من كل القرارات الرسمية، والحاج هنا لم تكن كلمة تسبق الاسم فقط؛ كانت وصفًا لجيل كامل من رجال السوق الذين جمعوا التجارة والوجاهة والعمل الاجتماعي في شخصية واحدة.
كان ذلك الجيل يعرف أن الغنى يفرض على صاحبه واجبات. لهذا نجد حيدر مراد في العمل الخيري، وفي رعاية الأيتام، وفي مساعدة الأسر وتعليم الطلبة ومؤسسات البر والإحسان. وهذه النقطة بالذات تستحق الوقوف عندها؛ لأننا حين نتحدث عن رجال الاقتصاد نقيسهم عادة بما جمعوا، بينما المقياس الأهم أحيانًا هو ما أعادوه إلى المجتمع الذي صنع نجاحهم.
لقد تغيرت التجارة كثيرًا منذ أيام حيدر مراد. صارت الشركات أكبر، والأرقام أسرع، والإعلانات أكثر، والأسواق أوسع. لكن شيئًا ما أصبح أقل حضورًا: العلاقة الشخصية بين اسم التاجر وسمعة تجارته. في الزمن القديم كان انهيار سمعة الرجل أخطر عليه من خسارة صفقة، لأن السوق كان يعرفه شخصيًا. لم يكن يستطيع أن يختبئ خلف اسم شركة أو شاشة أو حملة علاقات عامة. كان وجهه هو العلامة التجارية، وكلمته هي الضمان.
لهذا فإن استعادة حيدر مراد اليوم ليست بكاءً على رجل رحل قبل ثمانية أعوام، ولا حنينًا مجانيًا إلى عمّان القديمة. إنها استعادة لسؤال أصبح أكثر أهمية: ماذا يبقى من رجل الأعمال بعد أن تنتهي أعماله؟ هل يبقى رقمًا في سجل الشركات، أم مدرسة في الطريقة التي يُمارس بها المال دوره في المجتمع؟
حين توفي الحاج حيدر، شيع من مسجد الملك الحسين إلى مقبرة العائلة. وبعد سنوات أقام أبناؤه في خلدا مسجدًا يحمل اسمه صدقة جارية عن روحه. وفي هذا المشهد شيء من اكتمال الدائرة؛ الرجل الذي قضى عمره يفتح أبواب التجارة، ترك أبناؤه باسمه بابًا يفتح للصلاة. والذي أمضى سنوات يحسب الأرباح والخسائر، انتهت حكايته إلى حساب آخر لا يعرفه إلا الله.
ومن غزة التي ولد فيها، إلى القاهرة التي تعلم فيها، إلى عمّان التي صنعت معه وصنع معها جزءًا من تاريخ تجارتها، قطع حيدر مراد رحلة طويلة. لكنه حين غادرها لم يأخذ معه شيئًا من البضاعة التي باعها، ولا من الشركات التي أسسها، ولا من المقاعد التي جلس عليها.
بقي اسمه، وهنا ربما تكمن الحكاية كلها: عيسى مراد خسر يومًا شحنة ابتلعها البحر، وابنه حيدر أمضى حياته يبني شيئًا لا يستطيع البحر أن يبتلعه، أنها السمعة، وعمل الخير، وخدم الوطن الذي أحبه.
التعليقات