عبدالهادي راجي المجالي
لقد قرأت بتمعن بيان الإخوة الأعزاء المعنون: (بيان من أجل وطن تعددي عصي على التطرف).. أنا بالطبع أتفق مع أشياء كثيرة طرحوها، ولكن لابد من توضيح بعض الأمور لهم حول البيان:
أولا: سيد قطب لم يكن بائعا على بكم غاز مع المجرم هزاع الذنيبات، لو أن هزاع الذنيبات قرأ سيد قطب قراءة معمقة، لما أمضى نصف حياته في السجن... القصة هي في الفتوى التي حصل عليها هؤلاء (الإرهابيون).. وفيمن قدم لهم سيد قطب في إطار أن ذبح المسيحي حلال... القصة في الفكر الرافض للحياة والدولة.
سيد قطب تحدث عن الطليعة المؤمنة والجاهلية المعاصرة والحاكمية الإلهية، وسيد قطب أخذ كل ذلك من أبو الأعلى المودودي بعبارة أخرى، من فتح باب الجهاد وإزالة العوائق أمام الطليعة المؤمنة هو (أبو الأعلى المودودي)... ولم تكن حركته فقهية صرفة، بل كانت سياسية لأنه في تلك الفترة كان يمهد لاستقلال باكستان عن الهند، ولا بد من شيء ملهم يمنح للشباب المسلم.. فأعاد طرح فكرة الحاكمية الإلهية أي: أن القرآن هو الحاكم بين البشر ولا يوجد نظام حكم في الإسلام غير القرآن.. المهم أن سيد قطب وأبو الأعلى المودودي اتفقوا أن الحاكمية الإلهية لا تتم إلا عبر إزالة المعيقات، هم وصفوا المجتمعات بأنهم أتباع للجاهلية المعاصرة، أي أن التكفير شمل الأنظمة والمجتمع والمسلم قبل المسيحي... ولا بد أن تتسيد الطليعة المؤمنة. والجهاد هو مزيل العقبات في ذلك... وحين فتحوا هذا الباب لم يحددوا مسلما أو مسيحيا بل كفروا الكل.
لكن د. عبدالله عزام الشهيد.. استطاع نسف تلك الفتوى، حين انتصرت في القاعدة وفتواه بضرورة الجهاد ضد الخارج وليس ضد الداخل... وكان له آراء في حرمة الدم المسلم.. وعبر تلك الفتوى ذهب مئات الشباب للجهاد في أفغانستان... لا ننكر أن صراعا بين الإسلام الشامي والمصري قد بدأ مع بداية القاعدة وكان الصراع على نسف نظريات سيد قطب.
بعض المفكرين المصريين قالوا أن معالم في الطريق لسيد قطب، لم يكن تفسيرا ولا فتوى.. هو رؤية فكرية إسلامية فلسفية للمجتمع المسلم، وهو المنهج الثوري للإخوان وجاءت في إطار الرد على نظرية الفلسفة الوجودية لجان جاك روسو التي اجتاحت أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، والتي دعت للثورة على القيم والأخلاق وتغليب الغريزة... جان جاك روسو رفض الحكومة والقانون وتطرف في حرية الفرد.
المهم أن كتب سيد قطب يفهمها من هو أكثر وعيا... ونحتاج للاختلاف معه في إطار العقل وليس في إطار التكفير والتجريم والنحر، وسيد قطب أول من رفض كتابه (معالم في الطريق) المرشد العام للإخوان المسلمين (مأمون الهضيبي) حين قام شقيقه محمد قطب بتهريب الكتاب من السجن، وكان لابد من عرضه على المرشد العام.. لأن الهيكل التنظيمي للإخوان ينص على إجازة المرشد لكل ما يؤلف أو يطبع، رفضه رفضا تاما لأن فيه ما ينص على إزالة العوائق أمام أسلمة المجتمع حتى لو كان سفك الدم.
أما بالنسبة لابن تيمية، يا ليت لو أن الإرهابيين يفهمون كلامه، ابن تيمية قدم فلسفة إسلامية.. هو أدخل الفلسفة وعلم الكلام في التفسير والاجتهاد، وهو الجذر وصدرت مئات الكتب في دحض ما يقول ومعارضته بل أن البعض قام بتكفيره، لكن الغريب أن ابن تيمية حين نريد أن نرد على افتراءات الشيعة نعود لما كتب، كل أئمة السنة وحتى جامعة الأزهر تستند على رأيه في دحض التشيع وافتراءات بعض الشيعة على المذهب السني... وما زال كتابه (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية) مرجعا في كليات أصول الدين بعالمنا العربي.
لا أريد الغوص في تفاصيل قد تشغل القارئ... ولكن الفكر الظلامي يستند على فتوى ظلامية، وكما يقول بعض المفكرين: (الإسلام اختطف).. من بعض من نصبوا أنفسهم على منابر الإفتاء دون علم أو تبحر في العلوم الشرعية، كل هذا الفكر الضلالي صدر عبر فتاوى مظلمة حرفت العقيدة والنص، والحديث...
حتى الوهابية التي انتقدوها وطالبوا بإلغاء كتب محمد بن عبدالوهاب... حين تقرأ لمحمد عابد الجابري تكتشف أنه وصفها بأنها أول تحرر من الموروثات وأول فكر إسلامي تقدمي لأنها نسفت المسلمات، وأسقطت أضرحة القبور.. ونبذت البدع، وكان لها رأي مهم في زيارة أضرحة الموتى... نتحدث عن محمد عابد الجابري أهم متنور عربي في القرن العشرين... أهم مغربي اقتحمت مؤلفاته (السوربون) وما زال هو المرجع في أزمة الموروث بعالمنا العربي.
هؤلاء لم يقرأوا سيد قطب، ولا يعرفون من ابن تيمية شيئا، ولم يسمعوا بأبو الأعلى المودودي هؤلاء خضعوا لغسيل أدمغة، وتحريف للعقيدة وتأويل في النصوص.
أنا لا أدافع عن أحد لأن ملايين المقالات هاجمت سيد قطب وابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب وأبو الأعلى، لكنهم وهم في قبورهم.. ظلت تفسيراتهم ونظرياتهم مرجعا.. والسؤال لماذا؟
لأننا لا نملك للآن مثقفا قادرا على التصدي ودحض المنهج الثوري لسيد قطب، ولأننا لم نفهم أن الإرث الاجتماعي والسياسي الذي ساد في زمنهم وجعلهم يتطرفون بالرأي والفكرة.. ولأن كليات الشريعة وأصول الدين لم تقدم الإسلام بشكله المعاصر... على الأقل مثلما قدمه راشد الغنوشي... الأصل أن لا نمنع كتب سيد قطب، الأصل أن نقرأها ونتعلم كيف ندحض الفكرة وكيف نرد على التفسير، وكيف نفكك النظرية... لكننا للأسف ما زلنا نعيد ترديد الروايات السخيفة...
في النهاية سيد قطب هو الملهم والباعث لمئات من الشباب (الإخوان) وأغلبهم في التثقيف الحزبي يقرأون كتبه... هل قام حزب الميثاق مثلا أو حزب عزم أو مبادرة، بدعوة الناس إلى مؤتمر حول قراءات نقدية في سيد قطب.. هل قامت الأحزاب التي شكلت وتناحرت فيما بينها على حصص المناصب في البرلمان بتقديم ندوة، ومناقشة فكر (الأحباش) ولماذا هذا الصدام الهائل في التفسير مع الإخوان ومع حسن البنا ومع سيد قطب.. ولماذا أصدر (أبو عبدالله الهرري) كتابه (ضلالات ابن تيمية)؟
هل قام حزب نمو مثلا بدعوة أحد أساتذة الشريعة ممن يختصون في التفسير، لعقد جلسة حوارية في إطار التثقيف الحزبي بعنوان: كيف نفهم انحرافات (ابن تيمية)... إن أحصاها أو وجدها هذا الأستاذ؟ هذه مهمة الأحزاب التي شكلتها الدولة وهذه مهمة الحزبيون الذين نصبتهم الدولة علينا كنواب ووزراء وسادة قوم وأعلى خيول العشيرة...
الحركة الإسلامية تتوسع في الأردن، السبب بسيط لأنهم ينتهجون الإقناع في حوارهم، ولأن التثقيف الحزبي لديهم لا يبدأ من سيد قطب بل يبدأ من دراسة سيرة وأثر وكتب حسن البنا.. بالمقابل أحزابنا تثقيفها الحزبي هو المناسف، ونظرياتها هي الصراع على الكراسي.. ومنهجها هو التقدم في الجاهات والعطوات وطهور فتحي، وزواج حمودة...
إن لم نفق.. سيكون القادم خطرا، أنا خائف على وطني جدا.. وصرت أخاف من مستقبل أولادي ورسائل الهاتف التي لا تحمل إلا المخالفات والحجوزات، صرت أخاف من وجوه الناس... صرت أخاف من غد، وماذا سيفعلون بي بعد غد.
عبدالهادي راجي المجالي
لقد قرأت بتمعن بيان الإخوة الأعزاء المعنون: (بيان من أجل وطن تعددي عصي على التطرف).. أنا بالطبع أتفق مع أشياء كثيرة طرحوها، ولكن لابد من توضيح بعض الأمور لهم حول البيان:
أولا: سيد قطب لم يكن بائعا على بكم غاز مع المجرم هزاع الذنيبات، لو أن هزاع الذنيبات قرأ سيد قطب قراءة معمقة، لما أمضى نصف حياته في السجن... القصة هي في الفتوى التي حصل عليها هؤلاء (الإرهابيون).. وفيمن قدم لهم سيد قطب في إطار أن ذبح المسيحي حلال... القصة في الفكر الرافض للحياة والدولة.
سيد قطب تحدث عن الطليعة المؤمنة والجاهلية المعاصرة والحاكمية الإلهية، وسيد قطب أخذ كل ذلك من أبو الأعلى المودودي بعبارة أخرى، من فتح باب الجهاد وإزالة العوائق أمام الطليعة المؤمنة هو (أبو الأعلى المودودي)... ولم تكن حركته فقهية صرفة، بل كانت سياسية لأنه في تلك الفترة كان يمهد لاستقلال باكستان عن الهند، ولا بد من شيء ملهم يمنح للشباب المسلم.. فأعاد طرح فكرة الحاكمية الإلهية أي: أن القرآن هو الحاكم بين البشر ولا يوجد نظام حكم في الإسلام غير القرآن.. المهم أن سيد قطب وأبو الأعلى المودودي اتفقوا أن الحاكمية الإلهية لا تتم إلا عبر إزالة المعيقات، هم وصفوا المجتمعات بأنهم أتباع للجاهلية المعاصرة، أي أن التكفير شمل الأنظمة والمجتمع والمسلم قبل المسيحي... ولا بد أن تتسيد الطليعة المؤمنة. والجهاد هو مزيل العقبات في ذلك... وحين فتحوا هذا الباب لم يحددوا مسلما أو مسيحيا بل كفروا الكل.
لكن د. عبدالله عزام الشهيد.. استطاع نسف تلك الفتوى، حين انتصرت في القاعدة وفتواه بضرورة الجهاد ضد الخارج وليس ضد الداخل... وكان له آراء في حرمة الدم المسلم.. وعبر تلك الفتوى ذهب مئات الشباب للجهاد في أفغانستان... لا ننكر أن صراعا بين الإسلام الشامي والمصري قد بدأ مع بداية القاعدة وكان الصراع على نسف نظريات سيد قطب.
بعض المفكرين المصريين قالوا أن معالم في الطريق لسيد قطب، لم يكن تفسيرا ولا فتوى.. هو رؤية فكرية إسلامية فلسفية للمجتمع المسلم، وهو المنهج الثوري للإخوان وجاءت في إطار الرد على نظرية الفلسفة الوجودية لجان جاك روسو التي اجتاحت أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، والتي دعت للثورة على القيم والأخلاق وتغليب الغريزة... جان جاك روسو رفض الحكومة والقانون وتطرف في حرية الفرد.
المهم أن كتب سيد قطب يفهمها من هو أكثر وعيا... ونحتاج للاختلاف معه في إطار العقل وليس في إطار التكفير والتجريم والنحر، وسيد قطب أول من رفض كتابه (معالم في الطريق) المرشد العام للإخوان المسلمين (مأمون الهضيبي) حين قام شقيقه محمد قطب بتهريب الكتاب من السجن، وكان لابد من عرضه على المرشد العام.. لأن الهيكل التنظيمي للإخوان ينص على إجازة المرشد لكل ما يؤلف أو يطبع، رفضه رفضا تاما لأن فيه ما ينص على إزالة العوائق أمام أسلمة المجتمع حتى لو كان سفك الدم.
أما بالنسبة لابن تيمية، يا ليت لو أن الإرهابيين يفهمون كلامه، ابن تيمية قدم فلسفة إسلامية.. هو أدخل الفلسفة وعلم الكلام في التفسير والاجتهاد، وهو الجذر وصدرت مئات الكتب في دحض ما يقول ومعارضته بل أن البعض قام بتكفيره، لكن الغريب أن ابن تيمية حين نريد أن نرد على افتراءات الشيعة نعود لما كتب، كل أئمة السنة وحتى جامعة الأزهر تستند على رأيه في دحض التشيع وافتراءات بعض الشيعة على المذهب السني... وما زال كتابه (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية) مرجعا في كليات أصول الدين بعالمنا العربي.
لا أريد الغوص في تفاصيل قد تشغل القارئ... ولكن الفكر الظلامي يستند على فتوى ظلامية، وكما يقول بعض المفكرين: (الإسلام اختطف).. من بعض من نصبوا أنفسهم على منابر الإفتاء دون علم أو تبحر في العلوم الشرعية، كل هذا الفكر الضلالي صدر عبر فتاوى مظلمة حرفت العقيدة والنص، والحديث...
حتى الوهابية التي انتقدوها وطالبوا بإلغاء كتب محمد بن عبدالوهاب... حين تقرأ لمحمد عابد الجابري تكتشف أنه وصفها بأنها أول تحرر من الموروثات وأول فكر إسلامي تقدمي لأنها نسفت المسلمات، وأسقطت أضرحة القبور.. ونبذت البدع، وكان لها رأي مهم في زيارة أضرحة الموتى... نتحدث عن محمد عابد الجابري أهم متنور عربي في القرن العشرين... أهم مغربي اقتحمت مؤلفاته (السوربون) وما زال هو المرجع في أزمة الموروث بعالمنا العربي.
هؤلاء لم يقرأوا سيد قطب، ولا يعرفون من ابن تيمية شيئا، ولم يسمعوا بأبو الأعلى المودودي هؤلاء خضعوا لغسيل أدمغة، وتحريف للعقيدة وتأويل في النصوص.
أنا لا أدافع عن أحد لأن ملايين المقالات هاجمت سيد قطب وابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب وأبو الأعلى، لكنهم وهم في قبورهم.. ظلت تفسيراتهم ونظرياتهم مرجعا.. والسؤال لماذا؟
لأننا لا نملك للآن مثقفا قادرا على التصدي ودحض المنهج الثوري لسيد قطب، ولأننا لم نفهم أن الإرث الاجتماعي والسياسي الذي ساد في زمنهم وجعلهم يتطرفون بالرأي والفكرة.. ولأن كليات الشريعة وأصول الدين لم تقدم الإسلام بشكله المعاصر... على الأقل مثلما قدمه راشد الغنوشي... الأصل أن لا نمنع كتب سيد قطب، الأصل أن نقرأها ونتعلم كيف ندحض الفكرة وكيف نرد على التفسير، وكيف نفكك النظرية... لكننا للأسف ما زلنا نعيد ترديد الروايات السخيفة...
في النهاية سيد قطب هو الملهم والباعث لمئات من الشباب (الإخوان) وأغلبهم في التثقيف الحزبي يقرأون كتبه... هل قام حزب الميثاق مثلا أو حزب عزم أو مبادرة، بدعوة الناس إلى مؤتمر حول قراءات نقدية في سيد قطب.. هل قامت الأحزاب التي شكلت وتناحرت فيما بينها على حصص المناصب في البرلمان بتقديم ندوة، ومناقشة فكر (الأحباش) ولماذا هذا الصدام الهائل في التفسير مع الإخوان ومع حسن البنا ومع سيد قطب.. ولماذا أصدر (أبو عبدالله الهرري) كتابه (ضلالات ابن تيمية)؟
هل قام حزب نمو مثلا بدعوة أحد أساتذة الشريعة ممن يختصون في التفسير، لعقد جلسة حوارية في إطار التثقيف الحزبي بعنوان: كيف نفهم انحرافات (ابن تيمية)... إن أحصاها أو وجدها هذا الأستاذ؟ هذه مهمة الأحزاب التي شكلتها الدولة وهذه مهمة الحزبيون الذين نصبتهم الدولة علينا كنواب ووزراء وسادة قوم وأعلى خيول العشيرة...
الحركة الإسلامية تتوسع في الأردن، السبب بسيط لأنهم ينتهجون الإقناع في حوارهم، ولأن التثقيف الحزبي لديهم لا يبدأ من سيد قطب بل يبدأ من دراسة سيرة وأثر وكتب حسن البنا.. بالمقابل أحزابنا تثقيفها الحزبي هو المناسف، ونظرياتها هي الصراع على الكراسي.. ومنهجها هو التقدم في الجاهات والعطوات وطهور فتحي، وزواج حمودة...
إن لم نفق.. سيكون القادم خطرا، أنا خائف على وطني جدا.. وصرت أخاف من مستقبل أولادي ورسائل الهاتف التي لا تحمل إلا المخالفات والحجوزات، صرت أخاف من وجوه الناس... صرت أخاف من غد، وماذا سيفعلون بي بعد غد.
عبدالهادي راجي المجالي
لقد قرأت بتمعن بيان الإخوة الأعزاء المعنون: (بيان من أجل وطن تعددي عصي على التطرف).. أنا بالطبع أتفق مع أشياء كثيرة طرحوها، ولكن لابد من توضيح بعض الأمور لهم حول البيان:
أولا: سيد قطب لم يكن بائعا على بكم غاز مع المجرم هزاع الذنيبات، لو أن هزاع الذنيبات قرأ سيد قطب قراءة معمقة، لما أمضى نصف حياته في السجن... القصة هي في الفتوى التي حصل عليها هؤلاء (الإرهابيون).. وفيمن قدم لهم سيد قطب في إطار أن ذبح المسيحي حلال... القصة في الفكر الرافض للحياة والدولة.
سيد قطب تحدث عن الطليعة المؤمنة والجاهلية المعاصرة والحاكمية الإلهية، وسيد قطب أخذ كل ذلك من أبو الأعلى المودودي بعبارة أخرى، من فتح باب الجهاد وإزالة العوائق أمام الطليعة المؤمنة هو (أبو الأعلى المودودي)... ولم تكن حركته فقهية صرفة، بل كانت سياسية لأنه في تلك الفترة كان يمهد لاستقلال باكستان عن الهند، ولا بد من شيء ملهم يمنح للشباب المسلم.. فأعاد طرح فكرة الحاكمية الإلهية أي: أن القرآن هو الحاكم بين البشر ولا يوجد نظام حكم في الإسلام غير القرآن.. المهم أن سيد قطب وأبو الأعلى المودودي اتفقوا أن الحاكمية الإلهية لا تتم إلا عبر إزالة المعيقات، هم وصفوا المجتمعات بأنهم أتباع للجاهلية المعاصرة، أي أن التكفير شمل الأنظمة والمجتمع والمسلم قبل المسيحي... ولا بد أن تتسيد الطليعة المؤمنة. والجهاد هو مزيل العقبات في ذلك... وحين فتحوا هذا الباب لم يحددوا مسلما أو مسيحيا بل كفروا الكل.
لكن د. عبدالله عزام الشهيد.. استطاع نسف تلك الفتوى، حين انتصرت في القاعدة وفتواه بضرورة الجهاد ضد الخارج وليس ضد الداخل... وكان له آراء في حرمة الدم المسلم.. وعبر تلك الفتوى ذهب مئات الشباب للجهاد في أفغانستان... لا ننكر أن صراعا بين الإسلام الشامي والمصري قد بدأ مع بداية القاعدة وكان الصراع على نسف نظريات سيد قطب.
بعض المفكرين المصريين قالوا أن معالم في الطريق لسيد قطب، لم يكن تفسيرا ولا فتوى.. هو رؤية فكرية إسلامية فلسفية للمجتمع المسلم، وهو المنهج الثوري للإخوان وجاءت في إطار الرد على نظرية الفلسفة الوجودية لجان جاك روسو التي اجتاحت أوروبا عقب الحرب العالمية الثانية، والتي دعت للثورة على القيم والأخلاق وتغليب الغريزة... جان جاك روسو رفض الحكومة والقانون وتطرف في حرية الفرد.
المهم أن كتب سيد قطب يفهمها من هو أكثر وعيا... ونحتاج للاختلاف معه في إطار العقل وليس في إطار التكفير والتجريم والنحر، وسيد قطب أول من رفض كتابه (معالم في الطريق) المرشد العام للإخوان المسلمين (مأمون الهضيبي) حين قام شقيقه محمد قطب بتهريب الكتاب من السجن، وكان لابد من عرضه على المرشد العام.. لأن الهيكل التنظيمي للإخوان ينص على إجازة المرشد لكل ما يؤلف أو يطبع، رفضه رفضا تاما لأن فيه ما ينص على إزالة العوائق أمام أسلمة المجتمع حتى لو كان سفك الدم.
أما بالنسبة لابن تيمية، يا ليت لو أن الإرهابيين يفهمون كلامه، ابن تيمية قدم فلسفة إسلامية.. هو أدخل الفلسفة وعلم الكلام في التفسير والاجتهاد، وهو الجذر وصدرت مئات الكتب في دحض ما يقول ومعارضته بل أن البعض قام بتكفيره، لكن الغريب أن ابن تيمية حين نريد أن نرد على افتراءات الشيعة نعود لما كتب، كل أئمة السنة وحتى جامعة الأزهر تستند على رأيه في دحض التشيع وافتراءات بعض الشيعة على المذهب السني... وما زال كتابه (منهاج السنة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية) مرجعا في كليات أصول الدين بعالمنا العربي.
لا أريد الغوص في تفاصيل قد تشغل القارئ... ولكن الفكر الظلامي يستند على فتوى ظلامية، وكما يقول بعض المفكرين: (الإسلام اختطف).. من بعض من نصبوا أنفسهم على منابر الإفتاء دون علم أو تبحر في العلوم الشرعية، كل هذا الفكر الضلالي صدر عبر فتاوى مظلمة حرفت العقيدة والنص، والحديث...
حتى الوهابية التي انتقدوها وطالبوا بإلغاء كتب محمد بن عبدالوهاب... حين تقرأ لمحمد عابد الجابري تكتشف أنه وصفها بأنها أول تحرر من الموروثات وأول فكر إسلامي تقدمي لأنها نسفت المسلمات، وأسقطت أضرحة القبور.. ونبذت البدع، وكان لها رأي مهم في زيارة أضرحة الموتى... نتحدث عن محمد عابد الجابري أهم متنور عربي في القرن العشرين... أهم مغربي اقتحمت مؤلفاته (السوربون) وما زال هو المرجع في أزمة الموروث بعالمنا العربي.
هؤلاء لم يقرأوا سيد قطب، ولا يعرفون من ابن تيمية شيئا، ولم يسمعوا بأبو الأعلى المودودي هؤلاء خضعوا لغسيل أدمغة، وتحريف للعقيدة وتأويل في النصوص.
أنا لا أدافع عن أحد لأن ملايين المقالات هاجمت سيد قطب وابن تيمية ومحمد بن عبدالوهاب وأبو الأعلى، لكنهم وهم في قبورهم.. ظلت تفسيراتهم ونظرياتهم مرجعا.. والسؤال لماذا؟
لأننا لا نملك للآن مثقفا قادرا على التصدي ودحض المنهج الثوري لسيد قطب، ولأننا لم نفهم أن الإرث الاجتماعي والسياسي الذي ساد في زمنهم وجعلهم يتطرفون بالرأي والفكرة.. ولأن كليات الشريعة وأصول الدين لم تقدم الإسلام بشكله المعاصر... على الأقل مثلما قدمه راشد الغنوشي... الأصل أن لا نمنع كتب سيد قطب، الأصل أن نقرأها ونتعلم كيف ندحض الفكرة وكيف نرد على التفسير، وكيف نفكك النظرية... لكننا للأسف ما زلنا نعيد ترديد الروايات السخيفة...
في النهاية سيد قطب هو الملهم والباعث لمئات من الشباب (الإخوان) وأغلبهم في التثقيف الحزبي يقرأون كتبه... هل قام حزب الميثاق مثلا أو حزب عزم أو مبادرة، بدعوة الناس إلى مؤتمر حول قراءات نقدية في سيد قطب.. هل قامت الأحزاب التي شكلت وتناحرت فيما بينها على حصص المناصب في البرلمان بتقديم ندوة، ومناقشة فكر (الأحباش) ولماذا هذا الصدام الهائل في التفسير مع الإخوان ومع حسن البنا ومع سيد قطب.. ولماذا أصدر (أبو عبدالله الهرري) كتابه (ضلالات ابن تيمية)؟
هل قام حزب نمو مثلا بدعوة أحد أساتذة الشريعة ممن يختصون في التفسير، لعقد جلسة حوارية في إطار التثقيف الحزبي بعنوان: كيف نفهم انحرافات (ابن تيمية)... إن أحصاها أو وجدها هذا الأستاذ؟ هذه مهمة الأحزاب التي شكلتها الدولة وهذه مهمة الحزبيون الذين نصبتهم الدولة علينا كنواب ووزراء وسادة قوم وأعلى خيول العشيرة...
الحركة الإسلامية تتوسع في الأردن، السبب بسيط لأنهم ينتهجون الإقناع في حوارهم، ولأن التثقيف الحزبي لديهم لا يبدأ من سيد قطب بل يبدأ من دراسة سيرة وأثر وكتب حسن البنا.. بالمقابل أحزابنا تثقيفها الحزبي هو المناسف، ونظرياتها هي الصراع على الكراسي.. ومنهجها هو التقدم في الجاهات والعطوات وطهور فتحي، وزواج حمودة...
إن لم نفق.. سيكون القادم خطرا، أنا خائف على وطني جدا.. وصرت أخاف من مستقبل أولادي ورسائل الهاتف التي لا تحمل إلا المخالفات والحجوزات، صرت أخاف من وجوه الناس... صرت أخاف من غد، وماذا سيفعلون بي بعد غد.
التعليقات