الدكتور خالد محمد السُليمي: عقيد ركن متقاعد باحث ومحلل في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية السؤال الذي تحوّل إلى دم: لم يعُد السؤال عن السجون الأردنية سؤالاً نظرياً يُطرح في ندوات حقوق الإنسان، بل تحوّل إلى دم على أرض كنيسة حمود في الكرك، وإلى رصاصة اخترقت جسد العريف جواد السلايطة في عمّان، ففي 23 تشرين الأول 2026، اقتحم ثلاثة مسلحين كنيسة القديس جاورجيوس أثناء مراسم عزاء، فأطلقوا النار على الأبرياء، فسقط تسعة شهداء وأصيب نحو أربعين بجروح، وبعد أقل من أسبوعين، وفي 4 تشرين الثاني 2026، ارتقى العريف جواد السلايطة شهيداً أثناء أدائه واجبه، برصاصة من فكر تكفيري منحرف، السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة: من أين جاء هؤلاء الشباب؟ وأي بيئة أنتجتهم؟ وهل كانت السجون جزءاً من العلاج، أم جزءاً من المشكلة؟
حمود… حين يتحول العزاء إلى مذبحة: ما جرى في كنيسة حمود ليس مجرد حادثة إرهابية عابرة، بل كشف عن خلل عميق في المنظومة، ثلاثة شبان أردنيون، اثنان منهم شقيقان والثالث نسيبهما، خططوا ونفذوا جريمة استهدفت أبرياء في مكان عبادة أثناء تشييع جنازة، الحكومة أكدت أنهم ينتمون لفكر تكفيري، وأن التحقيقات مستمرة لكشف كل من حرض أو أيّد أو برّر، لكن السؤال الأعمق: هل مرّ هؤلاء الشبان عبر منظومة الإصلاح والتأهيل؟ وهل خرجوا منها أكثر تطرفاً مما دخلوا؟ الأرقام الرسمية تشير إلى أن عدد نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل بلغ 27,817 نزيلاً، بينهم 298 محكوماً بالإعدام و150 بالسجن المؤبد، هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل مسؤولية وطنية عن كل نفس خرجت من تلك المراكز، وعن كل فكرة حملتها معها إلى الخارج.
السلايطة… حين يدفع حامي الديار الثمن: استشهاد العريف جواد السلايطة لم يكن حادثاً معزولاً، بل امتداد لسلسلة استهداف رجال الأمن العام الذين يقفون في وجه الفكر التكفيري، فالوزارات والهيئات الرسمية توالت في إدانة الجريمة، مؤكدة أن الاعتداء على رجال الأمن اعتداء على أمن المجتمع بأكمله، لكن السؤال الذي يطرحه الشارع الأردني: من المسؤول عن وصول الفكر التكفيري إلى شاب يقتل شرطياً في وضح النهار؟ هل هي أجهزة الأمن التي تفتقر أحياناً إلى الاستباقية؟ أم المؤسسات الدينية التي لم تنجح في تحصين العقول؟ أم المجتمع الذي يغض الطرف عن خطاب الكراهية؟ أم منظومة السجون التي قد تُخرّج متطرفاً حيث كان المفروض أن تُخرّج مواطناً صالحاً؟ المسؤولية مشتركة ، والحلول لا يمكن أن تكون أمنية فقط.
المواقف الحكيمة والثابتة لجلالة الملك عبدالله الثاني: في خضم هذه الفواجع، برزت المواقف الملكية كبوصلة أخلاقية واستراتيجية لا تحيد، فجلالة الملك عبدالله الثاني كان أول من تحدث بعد مجزرة حمود، مؤكداً أن 'لا مجال للتهاون عندما يتعلق الأمر بأرواح الأردنيين'، وأن 'يد العدالة ستطاول كل إرهابي'، ولم يكتفِ جلالته بالإدانة، بل وجّه الأجهزة المعنية إلى الرد بحزم وملاحقة كل من أيّد الاعتداء أو برّره، ودعا إلى تقييم أمني شامل ومراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه، وفي خطاب العرش الأخير، وضع جلالته سيادة القانون فوق كل اعتبار، مؤكداً أنه 'لا اسم ولا نفوذ ولا منصب فوق القانون'، هذه المواقف ليست ردود فعل، بل رؤية ملكية تدرك أن أمن الأردن لا يُبنى بالجدران وحدها، بل بالعدالة والكرامة وتحصين العقول.
من المسؤول… وما هي الحلول المقنعة: الإجابة الصادقة عن 'من المسؤول' لا يمكن أن تختصر في جهة واحدة، فالمسؤولية تبدأ من منظومة السجون التي تفتقر إلى برامج فكرية مضادة للتطرف، وتستمر في غياب المتابعة النفسية والاجتماعية بعد الإفراج، وتكتمل في مجتمع يترك الخريج من السجن بلا عمل ولا سكن ولا فرصة ثانية، فالحلول المقنعة تبدأ من داخل الزنزانة: عزل النزلاء المتطرفين عن غيرهم، وتعيين مرشدين فكريين مؤهلين، وربط برامج التأهيل بسوق العمل، ثم تمتد إلى الخارج: شراكة حقيقية مع القطاع الخاص لتوظيف المفرج عنهم، وإحياء دور الأسرة والمسجد والجامعة في التحصين الفكري، وفي الوقت نفسه، لا بد من مراجعة سياسة التوقيف الإداري التي تدفع شباباً إلى بيئة السجن دون إدانة قضائية، فتُنتج متطرفين لا مجرمين، فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى إرادة سياسية وجرأة في الاعتراف بالخلل، لا إلى بيانات إدانة تُكتب ثم تُنسى.
أخيراً… حين تصبح الزنزانة سؤال هوية: ما جرى في حمود وعمّان ليس مجرد حوادث أمنية، بل صرخة في وجه منظومة كاملة، فالسجن الذي لا يُصلح، يُخرّج متطرفاً أكثر اقتناعاً، وضحية أكثر غضباً، والأردن الذي يواجه اليوم أعتى التحديات الإقليمية، لا يمكن أن يسمح لجبهته الداخلية أن تتصدع من الداخل، فدماء شهداء حمود ودم الشهيد السلايطة ليست مجرد أرقام في بيان رسمي، بل أمانة في أعناق كل مسؤول وكل مواطن، الحل ليس في المزيد من الزنازين، بل في المزيد من العدالة والفرص والكرامة، وإذا كانت السجون مراكز إصلاح بالاسم، فلتكن إصلاحاً بالفعل، قبل أن تُنتج لنا 'حمود' أخرى، و'سلايطة' آخر.
توصيات لصناع القرار الاستراتيجي في الدولة الأردنية: 1. تدقيق فوري في ملفات النزلاء المتطرفين بمراجعة شاملة لسجلات جميع الموقوفين والمحكومين على خلفيات تكفيرية، مع تصنيف دقيق لمستوى الخطورة، وعزل من ثبت ترويجه للفكر المتطرف داخل المراكز عن باقي النزلاء لمنع انتقال العدوى الفكرية. 2. إنشاء 'وحدة مكافحة التطرف داخل مراكز الإصلاح' متخصصة تضم خبراء في علم النفس والاجتماع والفكر الإسلامي، تعمل على مدار الساعة داخل المراكز، وتضع برامج فكرية مضادة لكل نزيل مصنف كمتطرف، وتتابع تطوره حتى بعد الإفراج عنه لخمس سنوات على الأقل. 3. مراجعة سياسة التوقيف الإداري بإعادة النظر في حالات التوقيف الإداري التي تُطيل احتجاز أشخاص دون إدانة قضائية، لأن هذه السياسة تُنتج احتكاكاً مبكراً مع بيئة السجن وتُحوّل شباباً إلى 'خريجي تطرف' بدل أن تُصلحهم، مع إيجاد بدائل قضائية ورقابية أكثر إنصافاً. 4. برنامج وطني للمتابعة بعد الإفراج بإلزام كل مفرج عنه من ذوي الخلفيات التكفيرية ببرنامج متابعة نفسية واجتماعية لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، يتضمن زيارات ميدانية دورية، وتوفير فرصة عمل أو تدريب مهني، ومنع أي وصمة اجتماعية عبر خطاب إعلامي وطني مسؤول. 5. تعويض أسر الشهداء والمصابين كالتزام وطني بقديم تعويضات مادية ومعنوية عاجلة لأسر شهداء حمود وأسرة الشهيد السلايطة، مع ضمان رعاية المصابين جسدياً ونفسياً، لأن كرامة الشهيد لا تُوفى بالبيانات، بل بالأفعال التي تحفظ كرامة أسرته وتضمن مستقبلها.
الدكتور خالد محمد السُليمي: عقيد ركن متقاعد باحث ومحلل في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية السؤال الذي تحوّل إلى دم: لم يعُد السؤال عن السجون الأردنية سؤالاً نظرياً يُطرح في ندوات حقوق الإنسان، بل تحوّل إلى دم على أرض كنيسة حمود في الكرك، وإلى رصاصة اخترقت جسد العريف جواد السلايطة في عمّان، ففي 23 تشرين الأول 2026، اقتحم ثلاثة مسلحين كنيسة القديس جاورجيوس أثناء مراسم عزاء، فأطلقوا النار على الأبرياء، فسقط تسعة شهداء وأصيب نحو أربعين بجروح، وبعد أقل من أسبوعين، وفي 4 تشرين الثاني 2026، ارتقى العريف جواد السلايطة شهيداً أثناء أدائه واجبه، برصاصة من فكر تكفيري منحرف، السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة: من أين جاء هؤلاء الشباب؟ وأي بيئة أنتجتهم؟ وهل كانت السجون جزءاً من العلاج، أم جزءاً من المشكلة؟
حمود… حين يتحول العزاء إلى مذبحة: ما جرى في كنيسة حمود ليس مجرد حادثة إرهابية عابرة، بل كشف عن خلل عميق في المنظومة، ثلاثة شبان أردنيون، اثنان منهم شقيقان والثالث نسيبهما، خططوا ونفذوا جريمة استهدفت أبرياء في مكان عبادة أثناء تشييع جنازة، الحكومة أكدت أنهم ينتمون لفكر تكفيري، وأن التحقيقات مستمرة لكشف كل من حرض أو أيّد أو برّر، لكن السؤال الأعمق: هل مرّ هؤلاء الشبان عبر منظومة الإصلاح والتأهيل؟ وهل خرجوا منها أكثر تطرفاً مما دخلوا؟ الأرقام الرسمية تشير إلى أن عدد نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل بلغ 27,817 نزيلاً، بينهم 298 محكوماً بالإعدام و150 بالسجن المؤبد، هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل مسؤولية وطنية عن كل نفس خرجت من تلك المراكز، وعن كل فكرة حملتها معها إلى الخارج.
السلايطة… حين يدفع حامي الديار الثمن: استشهاد العريف جواد السلايطة لم يكن حادثاً معزولاً، بل امتداد لسلسلة استهداف رجال الأمن العام الذين يقفون في وجه الفكر التكفيري، فالوزارات والهيئات الرسمية توالت في إدانة الجريمة، مؤكدة أن الاعتداء على رجال الأمن اعتداء على أمن المجتمع بأكمله، لكن السؤال الذي يطرحه الشارع الأردني: من المسؤول عن وصول الفكر التكفيري إلى شاب يقتل شرطياً في وضح النهار؟ هل هي أجهزة الأمن التي تفتقر أحياناً إلى الاستباقية؟ أم المؤسسات الدينية التي لم تنجح في تحصين العقول؟ أم المجتمع الذي يغض الطرف عن خطاب الكراهية؟ أم منظومة السجون التي قد تُخرّج متطرفاً حيث كان المفروض أن تُخرّج مواطناً صالحاً؟ المسؤولية مشتركة ، والحلول لا يمكن أن تكون أمنية فقط.
المواقف الحكيمة والثابتة لجلالة الملك عبدالله الثاني: في خضم هذه الفواجع، برزت المواقف الملكية كبوصلة أخلاقية واستراتيجية لا تحيد، فجلالة الملك عبدالله الثاني كان أول من تحدث بعد مجزرة حمود، مؤكداً أن 'لا مجال للتهاون عندما يتعلق الأمر بأرواح الأردنيين'، وأن 'يد العدالة ستطاول كل إرهابي'، ولم يكتفِ جلالته بالإدانة، بل وجّه الأجهزة المعنية إلى الرد بحزم وملاحقة كل من أيّد الاعتداء أو برّره، ودعا إلى تقييم أمني شامل ومراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه، وفي خطاب العرش الأخير، وضع جلالته سيادة القانون فوق كل اعتبار، مؤكداً أنه 'لا اسم ولا نفوذ ولا منصب فوق القانون'، هذه المواقف ليست ردود فعل، بل رؤية ملكية تدرك أن أمن الأردن لا يُبنى بالجدران وحدها، بل بالعدالة والكرامة وتحصين العقول.
من المسؤول… وما هي الحلول المقنعة: الإجابة الصادقة عن 'من المسؤول' لا يمكن أن تختصر في جهة واحدة، فالمسؤولية تبدأ من منظومة السجون التي تفتقر إلى برامج فكرية مضادة للتطرف، وتستمر في غياب المتابعة النفسية والاجتماعية بعد الإفراج، وتكتمل في مجتمع يترك الخريج من السجن بلا عمل ولا سكن ولا فرصة ثانية، فالحلول المقنعة تبدأ من داخل الزنزانة: عزل النزلاء المتطرفين عن غيرهم، وتعيين مرشدين فكريين مؤهلين، وربط برامج التأهيل بسوق العمل، ثم تمتد إلى الخارج: شراكة حقيقية مع القطاع الخاص لتوظيف المفرج عنهم، وإحياء دور الأسرة والمسجد والجامعة في التحصين الفكري، وفي الوقت نفسه، لا بد من مراجعة سياسة التوقيف الإداري التي تدفع شباباً إلى بيئة السجن دون إدانة قضائية، فتُنتج متطرفين لا مجرمين، فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى إرادة سياسية وجرأة في الاعتراف بالخلل، لا إلى بيانات إدانة تُكتب ثم تُنسى.
أخيراً… حين تصبح الزنزانة سؤال هوية: ما جرى في حمود وعمّان ليس مجرد حوادث أمنية، بل صرخة في وجه منظومة كاملة، فالسجن الذي لا يُصلح، يُخرّج متطرفاً أكثر اقتناعاً، وضحية أكثر غضباً، والأردن الذي يواجه اليوم أعتى التحديات الإقليمية، لا يمكن أن يسمح لجبهته الداخلية أن تتصدع من الداخل، فدماء شهداء حمود ودم الشهيد السلايطة ليست مجرد أرقام في بيان رسمي، بل أمانة في أعناق كل مسؤول وكل مواطن، الحل ليس في المزيد من الزنازين، بل في المزيد من العدالة والفرص والكرامة، وإذا كانت السجون مراكز إصلاح بالاسم، فلتكن إصلاحاً بالفعل، قبل أن تُنتج لنا 'حمود' أخرى، و'سلايطة' آخر.
توصيات لصناع القرار الاستراتيجي في الدولة الأردنية: 1. تدقيق فوري في ملفات النزلاء المتطرفين بمراجعة شاملة لسجلات جميع الموقوفين والمحكومين على خلفيات تكفيرية، مع تصنيف دقيق لمستوى الخطورة، وعزل من ثبت ترويجه للفكر المتطرف داخل المراكز عن باقي النزلاء لمنع انتقال العدوى الفكرية. 2. إنشاء 'وحدة مكافحة التطرف داخل مراكز الإصلاح' متخصصة تضم خبراء في علم النفس والاجتماع والفكر الإسلامي، تعمل على مدار الساعة داخل المراكز، وتضع برامج فكرية مضادة لكل نزيل مصنف كمتطرف، وتتابع تطوره حتى بعد الإفراج عنه لخمس سنوات على الأقل. 3. مراجعة سياسة التوقيف الإداري بإعادة النظر في حالات التوقيف الإداري التي تُطيل احتجاز أشخاص دون إدانة قضائية، لأن هذه السياسة تُنتج احتكاكاً مبكراً مع بيئة السجن وتُحوّل شباباً إلى 'خريجي تطرف' بدل أن تُصلحهم، مع إيجاد بدائل قضائية ورقابية أكثر إنصافاً. 4. برنامج وطني للمتابعة بعد الإفراج بإلزام كل مفرج عنه من ذوي الخلفيات التكفيرية ببرنامج متابعة نفسية واجتماعية لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، يتضمن زيارات ميدانية دورية، وتوفير فرصة عمل أو تدريب مهني، ومنع أي وصمة اجتماعية عبر خطاب إعلامي وطني مسؤول. 5. تعويض أسر الشهداء والمصابين كالتزام وطني بقديم تعويضات مادية ومعنوية عاجلة لأسر شهداء حمود وأسرة الشهيد السلايطة، مع ضمان رعاية المصابين جسدياً ونفسياً، لأن كرامة الشهيد لا تُوفى بالبيانات، بل بالأفعال التي تحفظ كرامة أسرته وتضمن مستقبلها.
الدكتور خالد محمد السُليمي: عقيد ركن متقاعد باحث ومحلل في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية السؤال الذي تحوّل إلى دم: لم يعُد السؤال عن السجون الأردنية سؤالاً نظرياً يُطرح في ندوات حقوق الإنسان، بل تحوّل إلى دم على أرض كنيسة حمود في الكرك، وإلى رصاصة اخترقت جسد العريف جواد السلايطة في عمّان، ففي 23 تشرين الأول 2026، اقتحم ثلاثة مسلحين كنيسة القديس جاورجيوس أثناء مراسم عزاء، فأطلقوا النار على الأبرياء، فسقط تسعة شهداء وأصيب نحو أربعين بجروح، وبعد أقل من أسبوعين، وفي 4 تشرين الثاني 2026، ارتقى العريف جواد السلايطة شهيداً أثناء أدائه واجبه، برصاصة من فكر تكفيري منحرف، السؤال الذي يفرض نفسه بقسوة: من أين جاء هؤلاء الشباب؟ وأي بيئة أنتجتهم؟ وهل كانت السجون جزءاً من العلاج، أم جزءاً من المشكلة؟
حمود… حين يتحول العزاء إلى مذبحة: ما جرى في كنيسة حمود ليس مجرد حادثة إرهابية عابرة، بل كشف عن خلل عميق في المنظومة، ثلاثة شبان أردنيون، اثنان منهم شقيقان والثالث نسيبهما، خططوا ونفذوا جريمة استهدفت أبرياء في مكان عبادة أثناء تشييع جنازة، الحكومة أكدت أنهم ينتمون لفكر تكفيري، وأن التحقيقات مستمرة لكشف كل من حرض أو أيّد أو برّر، لكن السؤال الأعمق: هل مرّ هؤلاء الشبان عبر منظومة الإصلاح والتأهيل؟ وهل خرجوا منها أكثر تطرفاً مما دخلوا؟ الأرقام الرسمية تشير إلى أن عدد نزلاء مراكز الإصلاح والتأهيل بلغ 27,817 نزيلاً، بينهم 298 محكوماً بالإعدام و150 بالسجن المؤبد، هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات، بل مسؤولية وطنية عن كل نفس خرجت من تلك المراكز، وعن كل فكرة حملتها معها إلى الخارج.
السلايطة… حين يدفع حامي الديار الثمن: استشهاد العريف جواد السلايطة لم يكن حادثاً معزولاً، بل امتداد لسلسلة استهداف رجال الأمن العام الذين يقفون في وجه الفكر التكفيري، فالوزارات والهيئات الرسمية توالت في إدانة الجريمة، مؤكدة أن الاعتداء على رجال الأمن اعتداء على أمن المجتمع بأكمله، لكن السؤال الذي يطرحه الشارع الأردني: من المسؤول عن وصول الفكر التكفيري إلى شاب يقتل شرطياً في وضح النهار؟ هل هي أجهزة الأمن التي تفتقر أحياناً إلى الاستباقية؟ أم المؤسسات الدينية التي لم تنجح في تحصين العقول؟ أم المجتمع الذي يغض الطرف عن خطاب الكراهية؟ أم منظومة السجون التي قد تُخرّج متطرفاً حيث كان المفروض أن تُخرّج مواطناً صالحاً؟ المسؤولية مشتركة ، والحلول لا يمكن أن تكون أمنية فقط.
المواقف الحكيمة والثابتة لجلالة الملك عبدالله الثاني: في خضم هذه الفواجع، برزت المواقف الملكية كبوصلة أخلاقية واستراتيجية لا تحيد، فجلالة الملك عبدالله الثاني كان أول من تحدث بعد مجزرة حمود، مؤكداً أن 'لا مجال للتهاون عندما يتعلق الأمر بأرواح الأردنيين'، وأن 'يد العدالة ستطاول كل إرهابي'، ولم يكتفِ جلالته بالإدانة، بل وجّه الأجهزة المعنية إلى الرد بحزم وملاحقة كل من أيّد الاعتداء أو برّره، ودعا إلى تقييم أمني شامل ومراجعة سياسات مكافحة الفكر المتطرف وتجفيف منابعه، وفي خطاب العرش الأخير، وضع جلالته سيادة القانون فوق كل اعتبار، مؤكداً أنه 'لا اسم ولا نفوذ ولا منصب فوق القانون'، هذه المواقف ليست ردود فعل، بل رؤية ملكية تدرك أن أمن الأردن لا يُبنى بالجدران وحدها، بل بالعدالة والكرامة وتحصين العقول.
من المسؤول… وما هي الحلول المقنعة: الإجابة الصادقة عن 'من المسؤول' لا يمكن أن تختصر في جهة واحدة، فالمسؤولية تبدأ من منظومة السجون التي تفتقر إلى برامج فكرية مضادة للتطرف، وتستمر في غياب المتابعة النفسية والاجتماعية بعد الإفراج، وتكتمل في مجتمع يترك الخريج من السجن بلا عمل ولا سكن ولا فرصة ثانية، فالحلول المقنعة تبدأ من داخل الزنزانة: عزل النزلاء المتطرفين عن غيرهم، وتعيين مرشدين فكريين مؤهلين، وربط برامج التأهيل بسوق العمل، ثم تمتد إلى الخارج: شراكة حقيقية مع القطاع الخاص لتوظيف المفرج عنهم، وإحياء دور الأسرة والمسجد والجامعة في التحصين الفكري، وفي الوقت نفسه، لا بد من مراجعة سياسة التوقيف الإداري التي تدفع شباباً إلى بيئة السجن دون إدانة قضائية، فتُنتج متطرفين لا مجرمين، فالإصلاح الحقيقي يحتاج إلى إرادة سياسية وجرأة في الاعتراف بالخلل، لا إلى بيانات إدانة تُكتب ثم تُنسى.
أخيراً… حين تصبح الزنزانة سؤال هوية: ما جرى في حمود وعمّان ليس مجرد حوادث أمنية، بل صرخة في وجه منظومة كاملة، فالسجن الذي لا يُصلح، يُخرّج متطرفاً أكثر اقتناعاً، وضحية أكثر غضباً، والأردن الذي يواجه اليوم أعتى التحديات الإقليمية، لا يمكن أن يسمح لجبهته الداخلية أن تتصدع من الداخل، فدماء شهداء حمود ودم الشهيد السلايطة ليست مجرد أرقام في بيان رسمي، بل أمانة في أعناق كل مسؤول وكل مواطن، الحل ليس في المزيد من الزنازين، بل في المزيد من العدالة والفرص والكرامة، وإذا كانت السجون مراكز إصلاح بالاسم، فلتكن إصلاحاً بالفعل، قبل أن تُنتج لنا 'حمود' أخرى، و'سلايطة' آخر.
توصيات لصناع القرار الاستراتيجي في الدولة الأردنية: 1. تدقيق فوري في ملفات النزلاء المتطرفين بمراجعة شاملة لسجلات جميع الموقوفين والمحكومين على خلفيات تكفيرية، مع تصنيف دقيق لمستوى الخطورة، وعزل من ثبت ترويجه للفكر المتطرف داخل المراكز عن باقي النزلاء لمنع انتقال العدوى الفكرية. 2. إنشاء 'وحدة مكافحة التطرف داخل مراكز الإصلاح' متخصصة تضم خبراء في علم النفس والاجتماع والفكر الإسلامي، تعمل على مدار الساعة داخل المراكز، وتضع برامج فكرية مضادة لكل نزيل مصنف كمتطرف، وتتابع تطوره حتى بعد الإفراج عنه لخمس سنوات على الأقل. 3. مراجعة سياسة التوقيف الإداري بإعادة النظر في حالات التوقيف الإداري التي تُطيل احتجاز أشخاص دون إدانة قضائية، لأن هذه السياسة تُنتج احتكاكاً مبكراً مع بيئة السجن وتُحوّل شباباً إلى 'خريجي تطرف' بدل أن تُصلحهم، مع إيجاد بدائل قضائية ورقابية أكثر إنصافاً. 4. برنامج وطني للمتابعة بعد الإفراج بإلزام كل مفرج عنه من ذوي الخلفيات التكفيرية ببرنامج متابعة نفسية واجتماعية لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، يتضمن زيارات ميدانية دورية، وتوفير فرصة عمل أو تدريب مهني، ومنع أي وصمة اجتماعية عبر خطاب إعلامي وطني مسؤول. 5. تعويض أسر الشهداء والمصابين كالتزام وطني بقديم تعويضات مادية ومعنوية عاجلة لأسر شهداء حمود وأسرة الشهيد السلايطة، مع ضمان رعاية المصابين جسدياً ونفسياً، لأن كرامة الشهيد لا تُوفى بالبيانات، بل بالأفعال التي تحفظ كرامة أسرته وتضمن مستقبلها.
التعليقات
السجون بين الإصلاح والانفجار: دروس من حمود والسلايطة
 
طريقة العرض :
كامل
الصورة الرئيسية فقط
بدون صور
اظهار التعليقات
التعليقات