أخبار اليوم - لم يكن محمد مقاط، في الثلاثين من عمره، يتخيل أن يتحول خروجه اليومي لتأمين لقمة العيش إلى لحظة فاصلة ستغير مجرى حياته إلى الأبد. ففي الثالث عشر من تموز/يوليو 2025، أصيب في غارة إسرائيلية أدت إلى بتر قدمه اليمنى، ليخسر معها قدرته على العمل، ويبدأ فصلًا جديدًا من المعاناة.
محمد، رب أسرة مكونة من سبعة أفراد، كان يعيل زوجته وأطفاله الخمسة في ظل ظروف معيشية شديدة القسوة، ويعيش مع عائلته في منزل يضم ست أسر، قبل أن يُدمر بالكامل بفعل القصف الإسرائيلي، ليجد نفسه بلا بيت، بلا عمل، وبجسد ناقص، في مدينة أنهكتها حرب الإبادة والحصار.
لحظة الإصابة
يروي محمد تفاصيل اللحظة التي غيرت كل شيء بصوت يختلط فيه الألم بالرضا لصحيفة "فلسطين": "كنت أمشي متوكلاً على الله، أبحث عن أي شيء أؤمن به لقمة العيش لأطفالي، لكن فجأة سقطت القذائف من حولي، ولم أشعر بشيء إلا وأنا ملقى على الأرض. نظرت إلى نفسي، فوجدت أن ساقي لم تعد في مكانها".
في تلك اللحظة، لم تكن هناك سيارات إسعاف، ولا مستشفى قريب، ولا أدوات إسعاف أولية. نزف محمد لساعات، قبل أن يتمكن من ربط ساقه بنفسه لإيقاف النزيف، في مشهد يلخص حجم المأساة التي يعيشها الجرحى في غزة.
"ربطت الجرح بيدي. بعد بُتر قدمي بالكامل، كما أن ساقي الأخرى امتلاءت بالشظايا والجروح وهي بحاجة لإجراء عملية جراحية، منذ إصابتي قبل خمسة شهور"، يقول محمد.
وحالة محمد تمثل واحدة من آلاف الإصابات التي خلفتها حرب الإبادة على قطاع غزة. فقد أعلنت وزارة الصحة في غزة تسجيل نحو 6 آلاف حالة بتر أطراف خلال عامين من الحرب، مؤكدة أن جميع هذه الحالات بحاجة إلى برامج تأهيل عاجلة وطويلة الأمد.
وأشارت الوزارة، في بيان صدر، مؤخرًا، أن 25% من حالات البتر هم من الأطفال، ما يعني إعاقات دائمة في سن مبكرة، سترافقهم طيلة حياتهم. كما حذرت من أن النقص الحاد في الإمكانات الطبية والأدوات المساندة، وعلى رأسها الأطراف الصناعية، يضاعف من معاناة الجرحى، ويحوّل الإصابة من حدث طارئ إلى عبء إنساني ونفسي واجتماعي طويل الأمد.
أسرة بلا سند
قبل إصابته، كان محمد يخرج يوميًا إلى شوارع الصفطاوي والنعجة بحثًا عن أي مصدر رزق، يجمع الخشب، البلاستيك، وغيرها من المواد القابلة للاشتعال، لكنه اليوم لم يعد قادرًا حتى على المشي، بينما بقيت مسؤولية الأسرة كاملة على كاهله.
"كنت أجيب لقمة العيش لأولادي.. اليوم، عندما يطلب ابني مني شيئًا، أقول له: اصبر يا بابا، ربنا يرزقنا، ويهونها علينا"، يقول محمد، محاولًا إخفاء انكساره.
ولا تنتهي معاناة محمد عند بتر ساقه اليمنى، فنجله الأكبر يزن، يعاني من مشكلات صحية في عينيه، تشمل الكسل وقصر النظر والانحراف، كما أنه رزق بمولودة خلال الحرب، لم يتجاوز عمرها شهرين، أبصرت النور في الثلاثين من تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وسط القصف والخوف والنزوح، وانعدام أبسط مقومات الحياة.
أما ابنه الأصغر، فقد عانى بدوره من مشاكل صحية خطيرة، شملت الحمى الشوكية، قبل أن يتجاوز مرحلة الخطر بصعوبة.
اليوم، تعيش عائلة محمد في خيمة مهترئة بالكاد تقيهم من البرد والمطر، على المساعدات القليلة التي تصل أحيانًا وتنقطع كثيرًا. يقول: "إذا جاءت التكية نأكل، وإذا لم تأت ننام بلا طعام. الحمد لله على كل حال".
مأساة محمد ليست معزولة عن محيطه العائلي. فوالدته، التي تجاوزت الستين من عمرها، فقدت في هذه الحرب ثلاثة من أبنائها شهداء: ولدين وبنتًا، إضافة إلى حفيدة.
"نصبر ونحتسب، هذا قدرنا"، تقول الأم بصوت الرضا، وهي تتحدث عن محمد الذي بات جرحًا جديدًا في قلبها المثقل بالفقد.
في ظل هذا الواقع، لا يطلب محمد الكثير، يناشد المؤسسات الإنسانية والطبية، والمنظمات الدولية، وكل من يستطيع المساعدة، تمكينه من تركيب طرف صناعي وتأمين العلاج والتأهيل اللازمين، ليتمكن من استعادة قدرته على الحركة والعمل وإعالة أسرته بكرامة.
المصدر / فلسطين أون لاين