أخبار اليوم - تتفاقم معاناة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال الإسرائيلي يومًا بعد يوم، مع استمرار سياسات قمع ممنهجة وتعذيب متصاعد، حوّلت السجون إلى ساحات انتقام مفتوح، لا سيما سجن الرملة، وتحديدًا قسم «ركيفت»، الذي بات رمزًا لواحدة من أقسى مراحل القهر التي يعيشها الأسرى منذ عقود. ومع استمرار الحرب على الشعب الفلسطيني، لم تتوقف الحرب داخل السجون، بل ازدادت شراسة، مستندة إلى غطاء سياسي وأمني تقوده حكومة الاحتلال الأكثر تطرفًا في تاريخها.
وتشير شهادات وبيانات حقوقية إلى تدهور خطير في أوضاع الاحتجاز داخل سجن الرملة، حيث يُحتجز الأسرى في أقسام تقع تحت الأرض، تفتقر إلى أدنى الشروط الإنسانية، وتنتشر فيها الرطوبة والعفن، ما يفاقم الأمراض الجلدية والتنفسية. ويُحرم الأسرى من الملابس الشتوية، فيما تُصادر الفرشات والبطانيات خلال ساعات النهار، ويُجبرون على مواجهة البرد القارس في ظروف لا تليق بالبشر. كما يعاني الأسرى من رداءة الطعام وقلّته، وتقليص مدة «الفورة» إلى نصف ساعة يوميًا، في ساحات مغلقة لا تصلها أشعة الشمس.
ولا تقتصر الانتهاكات على الظروف المعيشية القاسية، بل تمتد إلى سياسات ترهيب نفسي ممنهج، تشمل فرض رقابة مشددة على الزيارات، ومراقبة الأحاديث عبر السماعات، ومنع الأسرى من نقل أي أخبار أو رسائل إلى عائلاتهم. وقد اضطر عدد منهم إلى التعبير عن معاناتهم بالإشارات أو الكتابة، خشية العقاب، في مشهد يعكس حجم القمع ومحاولة عزلهم عن محيطهم الاجتماعي والإنساني.
وفي هذا السياق، قال الباحث في شؤون الأسرى تامر سباعنة، لـ "فلسطين أون لاين"، إن المشاهد التي توثق التنكيل والتعذيب والإهانة بحق الأسرى الفلسطينيين تمثل سلوكًا بالغ الخطورة، وتعكس استخفافًا صارخًا بالقانون الدولي والقيم الإنسانية.
وأوضح أن تعمّد نشر هذه الانتهاكات على العلن يرقى إلى جريمة إنسانية مكتملة الأركان، تتحمل سلطات الاحتلال مسؤوليتها الكاملة، مؤكدًا أن ما يجري داخل السجون يشكل انتهاكًا فاضحًا لاتفاقيات جنيف وكافة المواثيق الدولية.
وأكد سباعنة أن استمرار الصمت الدولي تجاه هذه الجرائم لا يعني الحياد، بل يشكّل تقويضًا لمكانة القانون الدولي ولقرارات الشرعية الدولية، ويمس بمصداقية المؤسسات المعنية بحماية حقوق الإنسان.
وحمّل وزراء حكومة الاحتلال، وعلى رأسهم المتطرف إيتمار بن غفير، المسؤولية المباشرة عن سياسة ممنهجة تقوم على التشفي والانتقام بحق الأسرى، لافتًا إلى أن هذه الممارسات أدت إلى استشهاد العشرات داخل السجون، سواء نتيجة التعذيب المباشر أو بفعل ظروف احتجاز قاتلة.
من جانبه، أكد المحامي المختص في شؤون الحركة الأسيرة خالد محاجنة، في حديث لـ "فلسطين أون لاين"، أن ما يجري داخل السجون الإسرائيلية يمثل تصعيدًا غير مسبوق في سياسة القمع السياسي الممنهج، التي تستهدف الأسرى الفلسطينيين، إضافة إلى أسرى من سوريا ولبنان والأردن.
وأوضح أن هذا التصعيد بلغ ذروته منذ تولي إيتمار بن غفير وزارة الأمن القومي، وتفاقم بشكل ملحوظ بعد السابع من أكتوبر، حيث تحولت السجون إلى أدوات للانتقام الجماعي.
وشدد محاجنة على أن الاعتقاد بأن وقف الحرب على قطاع غزة سيؤدي تلقائيًا إلى وقف الاعتداءات بحق الأسرى هو رهان خاطئ، مؤكدًا أن الحرب عليهم مستمرة، بل تتخذ منحًى تصاعديًا خطيرًا، تقوده مصلحة السجون بدعم سياسي مباشر.
وأشار إلى أن سياسات التعذيب والتجويع والإهمال الطبي والعزل الانفرادي باتت نهجًا ثابتًا، يهدف إلى كسر إرادة الأسرى وتحويلهم إلى ضحايا صامتين.
ورغم قسوة المشهد، يؤكد محاجنة أن الأسرى لم يفقدوا وعيهم أو إرادتهم، بل ما زالوا صامدين، ويشكلون جزءًا حيًا من الشعب الفلسطيني وبوصلة نضاله، في مواجهة سياسات تستهدف وجودهم الإنساني قبل السياسي.
ويؤكد الباحثان ضرورة تصاعد المطالبات الحقوقية والدولية بالتدخل العاجل لوقف الجرائم المرتكبة بحق الأسرى. فقد دعت مؤسسات حقوقية فلسطينية ودولية الأمم المتحدة وهيئاتها المختصة إلى فتح تحقيقات مستقلة، ومحاسبة الاحتلال على الانتهاكات الجسيمة، لا سيما في ظل تصنيف بعض الأسرى بوصفهم «مقاتلين غير شرعيين» دون لوائح اتهام، ما يفتح الباب أمام تجاوزات خطيرة خارج أي إطار قانوني.
ولفتا إلى أن الأنظار تتجه بشكل دائم إلى اللجنة الدولية للصليب الأحمر، التي يُطالبها مختصون وحقوقيون بالقيام بدورها القانوني والإنساني الكامل، من خلال الزيارات الدورية غير المقيّدة، والضغط لتوفير العلاج والرعاية الصحية، ووقف سياسات التعذيب والعقاب الجماعي.
في المحصلة، تكشف أوضاع الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال، ولا سيما في سجن الرملة، عن وجه آخر للحرب المستمرة على الشعب الفلسطيني؛ حرب تُدار خلف القضبان، وتُمارَس فيها أبشع أشكال الإذلال والتنكيل. وبين صمت دولي مريب وتصعيد إسرائيلي متواصل، يبقى الأسرى في مواجهة يومية مع الألم، متمسكين بإرادتهم وكرامتهم، بانتظار تحرك حقيقي ينهي معاناتهم ويضع حدًا لجرائم لا تسقط بالتقادم.
فلسطين أون لاين