العميد المتقاعد محمد سليمان الشرمان
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ليست الاستقامة حالة عابرة، ولا خُلقًا انتقائيًا، ولا شعارًا يُرفع عند الرخاء ويُنسى عند الشدائد، بل هي منظومة حياة متكاملة، وذروة الإيمان العملي، والميزان الذي تُقاس به صدقية الإنسان عند الله وعند الناس. فالاستقامة هي أن يستوي السر والعلن، وأن يتطابق القول مع الفعل، وأن يكون الحق معيارك مع نفسك قبل غيرك، ومع القريب قبل البعيد، في الرضا والغضب، في القوة والضعف، في المكاسب والخسائر. ولهذا لم تأتِ الاستقامة في القرآن قبل الإيمان، بل بعده، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾ فـقالوا توحيدًا، و استقاموا سلوكًا، فالإيمان الصادق لا يكتمل إلا حين يتحول إلى نهج ثابت في الحياة. الاستقامة ثمرة الإحسان وحين نتأمل تعريف النبي ﷺ للإحسان: «أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك» ندرك أن الاستقامة هي الوجه العملي للإحسان؛ فمَن استشعر مراقبة الله، استقام باطنه، ومن استقام باطنه، صلح ظاهره، ومن صلح ظاهره، عمرت به الأرض. ولذلك كان أعظم دعاء يكرره المؤمن في اليوم والليلة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ لا لأنه يجهل الطريق، بل لأنه يخشى الانحراف عنه، فالاستقامة ليست معرفة الطريق، بل الثبات عليه حتى النهاية . جاء وعد الله واضحًا لا لبس فيه: ﴿تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ طمأنينة في الحياة، وثبات عند الموت، وبشرى عند اللقاء. قال الحسن البصري رحمه الله: «استقاموا على أمر الله، فعملوا بطاعته، واجتنبوا معصيته» فليست الاستقامة ادّعاء طهارة، بل مجاهدة مستمرة، وسير طويل النفس، وإصلاح ما أمكن إصلاحه دون يأس أو غرور. ما قامت حضارة، ولا صمدت أمة، ولا انتصر حق، إلا بقدر ما كان في أهلها من استقامة. فهذا عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول كلمته الخالدة: «نحن قوم أعزّنا الله بالإسلام، فمهما ابتغينا العزة بغيره أذلّنا الله» لم تكن عظمة عمر في شدته، بل في عدله المستقيم، حتى قال أحد ولاته: «عدلت فأمنت فنمت يا عمر». وسقطت أمم كثيرة لا لقلة مواردها، بل لانحراف ميزانها، إذ صدق ابن خلدون حين قال: «الظلم مؤذن بخراب العمران» والظلم في جوهره خروج عن الاستقامة. وهنا تستبين الاستقامة أنها ليست غلوًا يرهق النفس، ولا تسيّبًا يميت الضمير، بل هي وسطية واعية، قال ﷺ: «سَدِّدوا وقارِبوا وأبشروا» فهي ليست سرعة متهورة، بل تسارع منضبط، يريح السالك، ويحفظ الطريق، ويُثمر أثرًا دائمًا. ولهذا قال بعض الحكماء: «الثبات البطيء خير من اندفاع لا يُحسن التوقف». لا إصلاح بلا استقامة، ولا نهضة بلا ميزان أخلاقي ثابت. فالإصلاح يبدأ من النفس: صدقًا، وعدلًا، وإتقانًا، وخوفًا من الله. ثم يمتد إلى الأسرة، فالمجتمع، فالدولة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ وأهل الاستقامة هم معاول بناء، لا أدوات صراع، ولا وقود فتن، يزرعون حيثما حلّوا طمأنينة، وعدلًا، وأملًا، لأنهم يعملون لله لا للثناء، وللحق لا للمصلحة. الاستقامة نور هداية لا ينطفئ، وسفرٌ مبارك لا ينتهي إلا عند أبواب الجنة، وهي منزلة لا تُنال بالأماني، بل بالصدق، والمجاهدة، والاستمرار. نسأل الله العظيم أن يجعلنا من الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا، وأن يرزقنا الإخلاص في القول، والعدل في الفعل، والثبات حتى نلقاه، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه، نافعة لعباده. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ اللهم صلِّ وسلِّم وبارك على سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.