أخبار اليوم – سارة الرفاعي
قال الدكتور نسيم أبو خضير إن المجتمعات لا تُبنى بالقوانين وحدها، وإنما بالقدوة، معتبرًا أن القدوة هي المعلم الصامت والخطاب العملي الذي يصل إلى القلوب دون استئذان، ويشكّل وعي الشباب وصورتهم عن أنفسهم ومستقبلهم.
وأوضح أبو خضير أن الإسلام جعل القدوة أصلًا في الإصلاح والتربية، مستشهدًا بقوله تعالى: «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة»، مؤكدًا أن القدوة لا تعني الشهرة أو المظهر أو عدد المتابعين، بل تعني القيم والسلوك والأثر، مشيرًا إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قدوة في الخلق قبل القول، وفي الرحمة قبل التشريع، فصنع جيلًا غيّر مجرى التاريخ.
وبيّن أن ملامح القدوة تغيّرت في العصر الحديث مع انتقال الرمزية من القيم إلى الشاشات، حيث لم يعد المعلم أو الأب أو العالم أو صاحب الخلق هو النموذج السائد بالضرورة، بل حلّ المؤثر الرقمي وصاحب الصورة اللامعة محلّهم في نظر كثير من الشباب، لافتًا إلى أن بعض المؤثرين يحملون رسائل إيجابية تسهم في نشر الوعي وتحفيز النجاح والعمل، وقد يشكّلون نوافذ أمل إذا صدقت النوايا واستقامت الرسالة.
وحذّر أبو خضير من خطورة استبدال القيم بالشهرة، وتحويل الاستعراض إلى قوة، والجسد إلى وسيلة جذب، والعلاقات السطحية إلى نموذج حياة، معتبرًا أن ذلك يؤدي إلى تشويه صامت لوعي الشباب والفتيات، وينتج عنه تمييع القيم، وهشاشة نفسية، ونظرة مشوهة للنجاح تقوم على الشهرة السريعة والمال دون جهد.
وأكد أن المسؤولية في حماية وعي الجيل مسؤولية مشتركة، تتحملها الأسرة من خلال بناء الثقة والحوار، والمدرسة عبر غرس التفكير النقدي، والإعلام بتحمل رسالته الأخلاقية، كما يتحملها المؤثرون أنفسهم لأن التأثير أمانة، إضافة إلى دور الشباب في التمييز بين الشهرة والقدوة.
ودعا أبو خضير الشباب إلى إدراك أن ليس كل مشهور قدوة، ولا كل من صعد سريعًا يستحق أن يُتبع، مشددًا على أن القدوة الحقيقية هي التي ترفع الإنسان بعقله وقيمه، وتقربه من ذاته وربه، لا من الوهم والفراغ.
وأشار إلى أن المشكلة لا تكمن في الفرح أو الضحك أو الترفيه، فالإسلام لم يكن يومًا ضد الفرح، بل دعا إلى التوازن، مبينًا أن الخطر الحقيقي حين يتحول الضحك إلى تخدير للعقل، والتفاهة إلى عادة، والاستخفاف بالعقول إلى موهبة، ما يؤدي مع الوقت إلى تفريغ العقل وجعل الجدية عبئًا والعلم مملًا.
وختم أبو خضير بالتأكيد على أن نهضة الأمم لا تقوم بمن يضحكها لحظة، بل بمن يوقظ ضميرها، ويحفظ قيمها، ويصنع إنسانها، داعيًا إلى اختيار المحتوى الذي يبني الوعي ولا يستهلكه، ويحفظ العقل والهوية، لأن الشباب هم زينة الحاضر وأمل الغد، وبهم تقاس نهضة الأوطان أو تعثرها.