بين الحرب والوحدة… مسنّون سودانيون يعودون إلى دار بلا أبناء

mainThumb
بين الحرب والوحدة… مسنّون سودانيون يعودون إلى دار بلا أبناء

01-02-2026 03:53 PM

printIcon

أخبار اليوم - بقدمٍ مبتورة، متوكئاً على عصا، عاد المسنّ السوداني، محمد الحسن البالغ من العمر 70 عاماً، إلى دار رعاية المسنّين في العاصمة الخرطوم. ورغم الإعياء والإرهاق اللذين بدوا واضحين على ملامح وجهه، فإنه كان غامراً بالفرح معبراً عن مشاعره بقوله: «أخيراً رجعنا إلى دارنا العامرة... لقد اشتقنا إليها كثيراً».

وأعادت السلطات السودانية، مؤخراً 21 مسنّاً إلى دار «الضو حجّوج» في مدينة الخرطوم بحري، إحدى مدن العاصمة المثلثة. وكان هؤلاء المسنون قد غادروا الدار بعد نحو شهرين من اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، وتم نقلهم حينها إلى دار إيواء بديلة في مدينة شندي بولاية نهر النيل شمال البلاد.

وخلال رحلة نزوحه، أُصيب الحسن بجرح في قدمه اليمنى ما استدعى تدخلاً جراحياً أدى إلى بتر جزءٍ منها. وقال لــ«الشرق الأوسط» إن المعاملة الكريمة التي يجدها من العاملين في الدار دفعته منذ سنوات إلى اتخاذ قرار قضاء بقية حياته فيها.

وخلال حديثه، أشار إلى ما حل بالدار التي لم تسلم جدرانها من آثار القذائف خلال العمليات العسكرية، فضلاً عن الدمار الكبير الذي لحق بالمباني المجاورة لها. وقبيل اندلاع الحرب، كانت الدار تؤوي 26 مسنّاً، توفي منهم أربعة في أثناء إقامتهم في دار الرعاية البديلة بولاية نهر النيل.

حفاوة الاستقبال

شكلت عودة المسنّين حدثاً استثنائياً لأهالي المنطقة الذين استقبلوهم بحفاوة بالغة، بعدما عاشوا بينهم سنوات عدة. وقال وزير التنمية الاجتماعية في ولاية الخرطوم، صديق فريني، إن «جميع المسنّين وصلوا إلى الدار وهم بصحة جيدة». وأضاف أن «بعض المسنّين يقيمون في الدار منذ عشرات السنين، ولا يسأل عنهم أي من أبنائهم أو أقربائهم، أحياناً نحاول إجراء اتصالات هاتفية بذويهم لإبلاغهم بظروفهم الصحية في حال مرض أحدهم، لكنهم يمتنعون عن الرد. وفي كثير من الأوقات يطلب مسنّون الاتصال بأبنائهم بدافع الشوق لرؤيتهم أو سماع أصواتهم... لكن من دون جدوى».

فقدان الأهل
كثير من المسنّين تخلى عنهم ذووهم وقطعوا التواصل معهم تماماً بعد مكوثهم سنوات طويلة في الدار. وقد وصل بعضهم إلى مرحلة العجز وعدم القدرة على المشي، فيما تعرّض آخرون لوعكات صحية خطيرة وأمراض مزمنة.

ولم يصدق المسنّ سلمان سليمان عودته إلى الدار، فانخرط في بكاء شديد، وظل يردد بصوت عالٍ «أنا في حلم أم حقيقة؟»، موضحاً أنه أُصيب بمرض الفشل الكلوي الحاد، وظل يتلقى العلاج خلال فترة النزوح في مدينة عطبرة الشمالية. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «أمنيتي الوحيدة أن أعود للعيش في منزلي الذي هجرته قبل الحرب».

ورغم ملامح الفرح التي ارتسمت على وجوه المسنّين عقب عودتهم إلى دارهم، فإنها سرعان ما تتبدد مع استحضار ذكريات فراق الأسرة وانقطاع التواصل معهم. وقال أحدهم إن «آخر ما يتمناه هو أن يرى أبناءه قبل أن يرحل عن هذه الدنيا».

ورغم الإعياء والتعب الشديدين، تساءل مسنٌّ آخر: «هل سيأتي أبنائي ليحملوني على أكتافهم بعد موتي؟ لكنني أسامحهم رغم الحياة المرّة التي عشتها من دونهم، وسأظل أحبهم».

أسر بديلة

وذكر وزير التنمية الاجتماعية، صديق فريني، أنه في حال وفاة أحد المسنّين داخل الدار، تُتخذ إجراءات الدفن عقب إبلاغ الشرطة.

وكشف عن توجه نحو تحول تدريجي لتجفيف الدار من المسنّين عبر إدماجهم في أسرٍ بديلة، مشيراً إلى أن هذا الخيار يُعد من أفضل الحلول لإيواء المسنّين، لما يوفره من بيئة أسرية واجتماعية مستقرة تساعدهم على التعايش.

وتأسست دار «الضو حجّوج» لرعاية وكفالة المسنّين عام 1928 في مدينة الخرطوم بحري، ويُشترط لقبول المقيمين فيها أن يتجاوز عمر الشخص 65 عاماً، ويتم إدخالهم بعد إجراءات مشددة عبر النيابة والشرطة. غير أن هناك حالات نادرة جرى فيها قبول مسنّين حضروا برفقة أقاربهم، أو رفضوا العيش مع أسرهم.

وتبلغ السعة الاستيعابية للدار 70 شخصاً، ووفقاً لإحصاءات منظمة الصحة العالمية، تبلغ نسبة المسنّين في السودان نحو 4 في المائة من إجمالي عدد السكان.