الدكتور خالد محمد السليمي: عقيد ركن متقاعد باحث ومحلل في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية
مشهد عام
لم يعُد الصراع الأميركي-الإيراني صراعاً احتمالياً بل أصبح مساراً مُداراً بدقة على حافة الهاوية، فالمواجهة لم تختفِ، لكنها تغيّرت في أدواتها وتوقيتها وأشكالها، الولايات المتحدة لا تسعى إلى حرب شاملة تستنزفها في إقليم هش، وإيران لا تبحث عن صدام مباشر قد يُهدد بُنيتها الداخلية ومشروعها الإقليمي، بين هذين القيدين، نشأ نموذج "الردع المؤجَّل"، حيث تُستخدم الرسائل العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، والعمليات غير المنسوبة، كبدائل عن الحرب التقليدية، هذا النوع من الصراع لا يُقاس بعدد الضربات، بل بقدرة كل طرف على رفع كلفة الخطأ على الآخر دون تجاوز العتبة التي تُشعل الانفجار الكبير، المنطقة بأكملها تعيش داخل هذا الهامش الضيق، حيث أي سوء تقدير، أو حادث غير محسوب، قد يحوّل إدارة الصراع إلى انفلاته.
من الردع إلى الحرب غير المعلنة
الحرب بين واشنطن وطهران قائمة بالفعل، لكنها حرب بلا إعلان، تُدار عبر الفضاء السيبراني، والعمليات الاستخبارية، والضغط الاقتصادي، والاشتباك غير المباشر عبر حلفاء ووكلاء، هذا النموذج يسمح للطرفين بتحقيق مكاسب تكتيكية دون تحمّل كلفة الحرب الشاملة، الولايات المتحدة تستخدم التفوق التكنولوجي، والتحالفات، والعقوبات الذكية لإبقاء إيران تحت الضغط، بينما تعتمد طهران على استراتيجية "الصبر الهجومي"، وتوسيع نفوذها الإقليمي، وامتلاك القدرة على تعطيل الاستقرار دون تحمّل مسؤولية مباشرة، الخطير في هذا النموذج أنه يُطيل أمد الصراع ويُراكم التوتر، ويجعل الانفجار أقل توقّعاً زمنياً لكنه أكثر تدميراً إن وقع، فالحروب غير المعلنة لا تنتهي باتفاقات واضحة، بل غالباً تنزلق فجأة إلى مواجهة مفتوحة عندما تفشل أدوات الضبط.
ساعة الصفر: متى ولماذا؟
سؤال "متى تبدأ الحرب؟" هو السؤال الخطأ، السؤال الأدق هو: متى يفشل الردع؟ ساعة الصفر ليست قراراً سياسياً فقط، بل نتيجة تفاعل معقّد بين ضغوط داخلية، وحسابات إقليمية، ومتغيرات دولية، أي تصعيد كبير في الخليج، أو ضربة نوعية تُسفر عن خسائر بشرية واسعة، أو خطأ في التقدير السيبراني، قد يُجبر أحد الطرفين على الرد المباشر حفاظاً على المصداقية، كما أن تغيّر الإدارة في واشنطن، أو اهتزاز الداخل الإيراني، أو توسّع المواجهة في غزة ولبنان والبحر الأحمر، كلها عوامل قد تُسرّع الوصول إلى نقطة اللاعودة، ساعة الصفر ليست مُعلنة لأنها تخيف الجميع، لكن كل طرف يُعدّ نفسه لها بصمت، وهذا ما يجعل المرحلة الحالية الأخطر منذ عقود.
السيناريوهات المحتملة
1. السيناريو الأول يتمثل في استمرار الردع المؤجَّل، حيث تُبقي واشنطن وطهران الصراع تحت سقف محسوب عبر الضغوط الاقتصادية، الرسائل العسكرية غير المباشرة، واستخدام الوكلاء دون الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة، هذا السيناريو هو الأكثر ترجيحاً على المدى القريب، لكنه الأكثر هشاشة، لأنه يعتمد على دقة الحسابات لا على الثقة.
2. السيناريو الثاني هو الانفجار المحدود المحسوب، عبر ضربة نوعية أو سلسلة اشتباكات موضعية تستهدف إعادة رسم خطوط الردع دون توسيع ساحة القتال، هذا الخيار يُستخدم عادة عندما تشعر إحدى القوتين بتآكل الردع أو الحاجة لإعادة تثبيت الهيبة.
3. السيناريو الثالث، والأخطر استراتيجياً، فهو الانزلاق غير المقصود إلى مواجهة أوسع، نتيجة خطأ في التقدير، أو تصعيد غير منضبط من أحد الفاعلين غير الدوليين، ما قد يحوّل إدارة الصراع إلى أزمة سيطرة يصعب احتواؤها إقليمياً.
المنطقة كمساحة اختبار لا كطرف
الشرق الأوسط ليس صانع الصراع الأميركي-الإيراني بل مسرحه، دول المنطقة تدفع ثمن التوتر دون أن تكون صاحبة القرار فيه، خطوط الملاحة، أسواق الطاقة، الأمن الغذائي، والاستقرار الداخلي أصبحت أدوات ضغط متبادلة، الدول التي لا تمتلك سياسة توازن واضحة ستجد نفسها مُستدرَجة أو مُستنزَفة، في هذا السياق، تصبح الحكمة الاستراتيجية هي القدرة على حماية الداخل، وتحويل الجغرافيا من عبء إلى ورقة قوة، وعدم الوقوع في فخ الاصطفاف القسري، المرحلة المقبلة لن تُكافئ الخطابات العالية، بل الدول القادرة على قراءة الاتجاهات، وبناء هوامش أمان، والتصرف كدول لا كساحات، الصراع القادم، إن انفجر، لن يميّز بين من أشعله ومن احترق به.
ما الذي يتغيّر فعلياً؟
العالم يتجه نحو نظام أقل استقراراً وأكثر قسوة فالردع لم يعُد نووياً فقط بل اقتصادياً، وسيبرانياً، ونفسياً، في هذا العالم، لم تعُد القوة في إطلاق النار بل في القدرة على منع إطلاقها أو التحكم بتوقيتها، الصراع الأميركي-الإيراني هو نموذج لما سيكون عليه شكل الحروب القادمة: طويلة، رمادية، متعددة الأدوات، وقليلة الإعلان، الدول التي تفهم هذا التحول ستنجو، والتي تُدمن قراءة الماضي ستفاجأ بالمستقبل، ما نشهده ليس مقدمة حرب تقليدية فقط، بل اختبار لقدرة النظام الدولي على منع الانهيار الشامل، وقدرة الإقليم على البقاء متماسكاً وسط تصادم العمالقة.
في الختام... نحن لسنا أمام سؤال "هل ستقع الحرب؟" بل أمام سؤال أخطر: كيف نمنع الأسوأ حين يفشل الردع؟ الصراع الأميركي–الإيراني لم يعد أزمة مؤقتة، بل حالة مزمنة تُدار على حافة الانفجار، ساعة الصفر ليست وهماً إعلامياً، لكنها أيضاً ليست قدراً حتمياً، يوجد بين الردع والحرب مساحة ضيقة اسمها الحكمة الاستراتيجية، ومن يملأها بالعقل ينجو، ومن يملأها بالشعارات يُحترق، الإقليم يقف اليوم أمام مفترق طرق: إما أن يكون طرفاً واعياً يحمي نفسه، أو ساحة تُستنزف فيها الحسابات الكبرى، المستقبل لن يرحم الدول التي لا تُحسن القراءة، ولا ينتظر من يظن أن العاصفة ستتجاوز بيته وحده، ما بعد هذه المرحلة لن يشبه ما قبلها، ومن لا يستعد الآن، سيدفع الثمن لاحقاً.
توصيات استراتيجية لصناع القرار:
1. ترسيخ منطق الردع الذكي لا الردع الصلب، فالمرحلة القادمة لا تكافئ من يراكم القوة العسكرية فقط، بل من يُحسن إدارة الغموض الاستراتيجي، والقدرة على الرد دون الانجرار إلى مواجهة مفتوحة، فالردع اليوم هو مزيج من الاستخبارات، والاقتصاد، والتكنولوجيا، وإدارة التوقيت.
2. الاستثمار في الاستخبارات التنبؤية متعددة المصادر، فالصراع القادم لن يبدأ بطلقة، بل بإشارة، لذلك على صُنّاع القرار تطوير منظومات إنذار مبكر تعتمد التحليل التنبئي، الذكاء الاصطناعي، ودمج المؤشرات السياسية والاقتصادية والعسكرية والنفسية.
3. تحصين الجبهة الداخلية كأولوية أمن قومي، فلا حرب إقليمية تُدار بنجاح دون مجتمع متماسك، كما أن تعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، وحماية الأمن الغذائي والطاقة، أصبحا خطوط دفاع لا تقل أهمية عن أنظمة الدفاع الجوي.
4. إدارة التحالفات بمرونة لا بولاء مطلق، فزمن الاصطفاف الحاد يفرض شراكات انتقائية، لا تحالفات جامدة، لذلك على الدول المتوسطة الوزن تبني سياسة "الاقتراب المحسوب والابتعاد الذكي" لتجنب التحول إلى ساحة تصفية حسابات.
5. الاستعداد للحرب الرمادية طويلة الأمد، فالمواجهة القادمة إن وقعت ستكون ممتدة، غير معلنة، ومتشظية، لذلك يجب تطوير عقائد وطنية للتعامل مع الهجمات السيبرانية، الضغط الاقتصادي، وحروب الوكلاء دون استنزاف استراتيجي.
6. تحويل الجغرافيا من عبء إلى رافعة استراتيجية، فالموقع الجغرافي في الإقليم المضطرب يُمكن أن يكون مصدر قوة تفاوضية، ومركز عبور سياسي واقتصادي وأمني، إذا أُدير بعقل استراتيجي لا بردود فعل آنية.
7. توسيع هامش الدبلوماسية الوقائية لا دبلوماسية الأزمة، فالتدخل المبكر في تخفيف التوتر، والوساطة الصامتة، وبناء قنوات خلفية، يقلل من كلفة الانفجار ويمنح الدولة وزناً يفوق قدراتها العسكرية التقليدية.
8. الاستعداد لليوم التالي لا ليوم الحرب فقط، فأخطر خطأ استراتيجي هو التخطيط للحظة الانفجار دون تصور ما بعدها، لذلك فإعادة رسم خرائط النفوذ، الاقتصاد، والطاقة ستبدأ فور توقف النار، ومن لا يحجز مقعده مبكراً سيدفع الثمن لاحقاً.