أخبار اليوم - عواد الفالح - فتح الإعلان عن رصد مخالفات صحية في عدد من المقاصف المدرسية باباً واسعاً للنقاش العام حول واقع الغذاء المقدم للطلبة، وحدود الرقابة، ومسؤولية الجهات المعنية في حماية صحة الأطفال داخل المدارس الحكومية والخاصة على حد سواء. فالقضية، كما يراها كثيرون، تتجاوز تسجيل مخالفات أو إحالة مقاصف بعينها إلى القضاء، لتلامس سؤالاً أعمق يتعلق بمنظومة الإشراف كاملة، ومن يتحمل مسؤولية ما يصل إلى أيدي الطلبة يومياً.
ورغم تأكيد المؤسسة العامة للغذاء والدواء أن المقاصف التي أُحيلت إلى القضاء لم تسجل فيها حالات تسمم، إلا أن هذا التوضيح لم يكن كافياً لتهدئة القلق، بل زاد منسوب التساؤل لدى الأهالي حول جدوى الرقابة إذا كانت المخالفات قائمة أصلاً، ولماذا يُترك الخلل ليتراكم حتى لحظة التفتيش بدل معالجته مسبقاً من إدارات المدارس ومديريات التربية.
ويذهب كثيرون إلى أن المشكلة لا تكمن في المقصف كمساحة بيع فقط، بل في فلسفة التعامل معه، حيث تحوّل في بعض المدارس إلى منفذ لتصريف سلع رديئة أو غير صحية، تُشترى بأقل كلفة وتُباع للطلبة باعتبارها الخيار الوحيد المتاح خلال اليوم الدراسي. ويُحمّل هؤلاء مسؤولية ذلك لإدارات المقاصف التي تضع الربح فوق السلامة، ولغياب رقابة يومية حقيقية من المدرسة نفسها قبل أي جهة خارجية.
في المقابل، يلفت آخرون إلى أن النقاش يجب ألا يكون انتقائياً، فالمقاصف في المدارس الحكومية – كما الخاصة – تعاني من ضعف البنية، ورداءة أماكن التخزين، وأحياناً غياب أبسط شروط السلامة، في ظل مدارس تفتقر أصلاً إلى بيئة صحية متكاملة، من صفوف تعاني الرطوبة والعفن، إلى ساحات وأسوار غير آمنة، ما يجعل المقصف جزءاً من صورة أكبر تتعلق بسلامة الطالب داخل المدرسة ككل.
ويبرز في النقاش بُعد اجتماعي لا يقل أهمية، يتمثل في صعوبة ضبط السلوك الغذائي للطلبة في ظل انتشار الأغذية المصنعة، حيث يرى كثيرون أن منع هذه المواد داخل المقصف فقط لا يكفي، طالما يراها الطفل متداولة حوله، وأن الحل يتطلب بديلاً صحياً حقيقياً ومتاحاً، لا مجرد قرارات منع تُطبق على الورق وتُكسر في الواقع.
كما يطالب صوت واسع بأن تكون العقوبات واضحة ورادعة، وأن يُعلن عنها بشفافية، حتى لا تبدو الإحالات إلى القضاء إجراءً شكلياً، مع التأكيد على أن صحة الطلبة خط أحمر لا يحتمل المجاملة أو التساهل، وأن أي تهاون في هذا الملف يُعد إخلالاً بمسؤولية أخلاقية قبل أن يكون مخالفة قانونية.
وفي خضم هذا الجدل، تتجه الأنظار إلى الحملة الرقابية المرتقبة التي أعلنت عنها المؤسسة، وسط تساؤل أساسي: هل ستكون حملة عابرة تُغلق بعدها الملفات، أم خطوة ضمن مسار مستدام يعيد تعريف المقصف المدرسي بوصفه جزءاً من العملية التربوية والصحية، لا مجرد دكان داخل أسوار المدرسة؟
سؤال يبقى مفتوحاً، بانتظار أن تُترجم الرقابة إلى واقع ملموس يشعر به الطالب والأهل معاً، لا إلى بيانات تُقرأ ثم تُنسى.