أخبار اليوم - مع اقتراب شهر رمضان، يعود السؤال القديم بصيغة أكثر حدّة: من المسؤول عن فوضى الأسعار التي ترافق الشهر الفضيل كل عام؟ هل هو المستهلك الذي يندفع إلى التخزين والتكديس بدافع الخوف أو العادة، أم التاجر الذي يرى في رمضان “موسمًا ذهبيًا” لتعويض خسائر العام، أم أن الخلل أعمق ويتصل بضعف الرقابة وغياب أدوات الضبط الفعّالة؟
مواطنون عبّروا عن غضبهم مما وصفوه بعقاب جماعي للفئات الأضعف، مؤكدين أن كثيرين لم يعودوا قادرين على التخزين أصلًا، بل بالكاد يشترون حاجتهم اليومية. ويقول هؤلاء إن الحديث المتكرر عن “سلوك المستهلك” بات شماعة جاهزة لتبرير الغلاء، فيما الواقع يشير إلى أن القدرة الشرائية تآكلت، وأن التخزين لم يعد خيارًا متاحًا لشرائح واسعة من المجتمع. ويضيفون أن المواطن الذي يُطلب منه الترشيد هو ذاته الذي يُفاجأ بارتفاعات متتالية دون مبرر واضح.
في المقابل، يرى تجار أن جزءًا من المشكلة يعود فعلًا إلى نمط الاستهلاك في رمضان، حيث يقفز الطلب على سلع بعينها بشكل حاد، ما يخلق ضغطًا على السوق وسلاسل التوريد. ويؤكد بعضهم أن البضائع التي لا تُباع تتعرض للتلف، وأن البيع بأسعار منخفضة أحيانًا يعني خسارة مؤكدة، خاصة في ظل كلف تشغيل مرتفعة وأجور ونقل وتخزين. غير أن هذا الطرح لا يحظى بإجماع، إذ يقرّ تجار آخرون بوجود ممارسات احتكارية واستغلال واضح لحاجة الناس، معتبرين أن بعض الأسعار لا علاقة لها بالكلفة بقدر ما ترتبط بمنطق “الموسم”.
مراقبون اقتصاديون يذهبون إلى أن تحميل طرف واحد المسؤولية تبسيط مخلّ للمشكلة. فالسوق، برأيهم، منظومة متكاملة: مستهلك يتصرف تحت ضغط الخوف والدخل المحدود، وتاجر يعمل في بيئة رقابية رخوة، ومؤسسات يفترض أن تضبط الإيقاع لكنها تتدخل غالبًا بعد فوات الأوان. ويشير هؤلاء إلى أن انضباط الأسعار لا يتحقق بالمناشدات الأخلاقية وحدها، بل بسياسات واضحة، وشفافية في التسعير، وإعلان الكلف الحقيقية، وتفعيل أدوات الردع بحق من يثبت تلاعبه.
ويؤكد مختصون أن التجارب الناجحة في ضبط أسعار المواسم لا تعتمد على عنصر واحد، بل على توازن دقيق: وعي استهلاكي يقلل الاندفاع، وتاجر ملتزم بهوامش ربح عادلة، ورقابة حاضرة قبل أن تشتعل الأزمة لا بعدها. كما يشددون على أهمية فتح باب المنافسة ومنع الاحتكار، وتوفير بدائل حقيقية في السوق، بدل الاكتفاء بخطاب لوم متبادل.
بين هذه الآراء المتقاطعة، يبقى السؤال مفتوحًا مع كل رمضان: هل نمتلك فعلًا أدوات ضبط الأسعار، أم أننا نعيد تدوير الجدل ذاته كل عام، بينما يدفع المواطن الثمن وحده؟ وفي غياب إجابة حاسمة، يبدو أن انضباط السوق سيظل رهينة لتوازن هش بين سلوك الناس، وأخلاق التجارة، وفعالية الدولة.