بين القنوات الرسمية والشارع .. لماذا يخشى الأردنيون تحوّل السفراء إلى "فاعلين ميدانيين"؟

mainThumb
بين القنوات الرسمية والشارع.. لماذا يخشى الأردنيون تحوّل السفراء إلى "فاعلين ميدانيين"؟

14-02-2026 05:52 PM

printIcon

أخبار اليوم - عواد الفالح - لم تكن تحركات أي سفير في الأردن حدثًا عابرًا هذه المرة. جولة هنا، زيارة عزاء هناك، صورة في محافظة، حديث في مجلس… وفجأة يتحول الأمر إلى نقاش واسع حول السيادة، والدبلوماسية، وحدود الدور، ومن يملك حق الحركة ومن يضع الخطوط.

في الآراء التي طفت إلى السطح، لم يكن الرفض موجّهًا لدولة بعينها بقدر ما كان اعتراضًا على الفكرة ذاتها: لماذا يتحول السفير إلى فاعل ميداني مباشر في مجتمع له مؤسساته وأعرافه؟ ولماذا يشعر بعض الأردنيين أن الزيارات المتكررة تحمل رسائل تتجاوز المجاملة الدبلوماسية؟

قطاع من المواطنين عبّر عن استغرابه من تحوّل السفراء إلى حضور دائم في الفضاء العام، معتبرين أن العلاقة الطبيعية لأي سفير تكون مع الدولة عبر قنواتها الرسمية، لا مع الشارع. أحدهم قال إن الدبلوماسية لها أصول واضحة، تبدأ من وزارة الخارجية وتنتهي عبر التنسيق الرسمي، وأن أي حركة خارج هذا الإطار تثير التساؤل، حتى لو كانت في ظاهرها إنسانية.

آخرون رأوا أن تكرار الجولات يبعث رسالة غير مريحة مفادها أن الأردن ساحة مفتوحة للتنافس السياسي، وأن بعض العواصم تحاول أن تقترب من المزاج الشعبي مباشرة، متجاوزة المؤسسات. بالنسبة لهؤلاء، القضية ليست في شخصية السفير أو الدولة التي يمثلها، بل في فكرة “الحضور السياسي الرمزي” داخل المجتمع.

في المقابل، هناك من لم يجد في الأمر ما يدعو للقلق، معتبرًا أن التواصل جزء من العمل الدبلوماسي، وأن الأردن بلد منفتح، يستقبل الجميع ضمن القانون. هؤلاء يرون أن تضخيم المشهد يمنح الزيارات أكثر مما تحتمل، وأن قوة الدولة لا تهتز بجولة أو صورة.

لكن اللافت أن شريحة واسعة من الأردنيين بدت منزعجة من المشهد بمجمله، سواء تعلّق بسفير دولة كبرى أو إقليمية. في رأيهم، الأردن ليس ساحة استعراض، ولا مساحة رسائل متبادلة بين محاور متصارعة. أحدهم لخّص الفكرة بقوله إن “البلد ليس مزرعة يتقاسمها اللاعبون”، وإن الكرامة الوطنية تبدأ من وضوح الحدود بين الضيافة والسياسة.

ويذهب بعض المراقبين إلى أن هذا الحساسية الشعبية تعكس تحولات أعمق في وعي الأردنيين. فالمجتمع الذي تابع على مدى سنوات صراعات المنطقة، بات أكثر حساسية تجاه أي حضور خارجي يُقرأ في سياق الاستقطاب الإقليمي. هناك خوف غير معلن من أن يتحول المشهد الرمزي إلى اصطفاف، ومن المجاملة إلى اصطفاف سياسي.

الأردني، كما يظهر من هذه الآراء، لا يريد خصومة مع أحد، لكنه لا يريد أيضًا أن يشعر بأن بلده موضوع منافسة بين عواصم تبحث عن موطئ قدم في وجدان الناس. هو يريد علاقات متوازنة، واضحة، تمر عبر الدولة ومؤسساتها، لا عبر صور عابرة في عزاء أو لقاء.

في لحظة إقليمية مضطربة، تبدو الحساسية الأردنية تجاه جولات السفراء رسالة بحد ذاتها: العلاقات الخارجية مرحب بها، لكن السيادة خط أحمر، والرمزية السياسية في الفضاء العام ليست تفصيلًا عابرًا.

ويبقى السؤال الذي يتردد في المجالس قبل العناوين: هل نحن أمام دبلوماسية نشطة طبيعية، أم أمام سباق نفوذ ناعم يدرك الأردنيون أبعاده أكثر مما يظن أصحابه؟