أخبار اليوم - عواد الفالح - يتصاعد في الآونة الأخيرة جدل واسع بين سائقي تطبيقات النقل الذكي، بعد أن وجد عدد منهم أنفسهم أمام التزامات مالية ثقيلة تتمثل بأقساط سيارات اشتروها خصيصاً للعمل على هذه المنصات، في وقت يشهد فيه القطاع تراجعاً في حجم الطلب وتشديداً في سياسات بعض الشركات، وصل في حالات إلى إيقاف حسابات أو تقليص فرص العمل.
القصة بدأت قبل سنوات، حين بدا العمل عبر التطبيقات فرصة واعدة للكثيرين، خصوصاً في ظل ضيق سوق العمل التقليدي. اندفع عدد كبير من الشبان إلى شراء مركبات حديثة بنظام التقسيط، اعتماداً على دخل يومي كان يبدو مستقراً نسبياً. بعضهم غيّر مهنته بالكامل، وآخرون اعتبروا الأمر استثماراً مضموناً في ظل انتشار ثقافة “العمل الحر” وسهولة التسجيل على المنصات.
لكن المعادلة تغيّرت تدريجياً. ازداد عدد المركبات العاملة على التطبيقات بشكل لافت، ما انعكس على متوسط الدخل اليومي للسائق. ومع أي قرار تنظيمي جديد، أو تحديث في شروط الشركات، وجد بعض الكباتن أنفسهم خارج المنصة أو أمام فرص أقل للعمل، فيما بقيت الأقساط البنكية ثابتة لا تتأثر بتقلّبات السوق.
عدد من السائقين يصفون ما جرى بأنه “مجازفة غير محسوبة”، مؤكدين أنهم لم يتوقعوا احتمال الاستغناء عنهم في أي لحظة. ويشيرون إلى أن قرارات الحظر أو الإيقاف قد تأتي فجأة، ما يضعهم في مواجهة مباشرة مع البنوك وشركات التمويل، دون مصدر دخل يغطي الالتزامات الشهرية.
في المقابل، يرى آخرون أن المسؤولية تقع أولاً على السائق نفسه، باعتبار أن قرار شراء سيارة بالتقسيط هو قرار شخصي واستثماري، يفترض أن يُبنى على دراسة مخاطر واضحة. ويؤكد هؤلاء أن طبيعة العمل عبر التطبيقات قائمة على المنافسة المفتوحة، وأن أي قطاع غير منظم بالكامل يظل عرضة للتذبذب في العرض والطلب.
المشهد الأوسع يكشف جانباً اقتصادياً أكثر تعقيداً. فالتوسع الكبير في عدد المركبات العاملة بالتطبيقات خلق فائضاً في السوق، ما خفّض متوسط الدخل الفردي. وفي ظل محدودية الطلب الفعلي، تحوّل كثير من السائقين إلى العمل لساعات أطول لتعويض النقص، ما زاد من الضغط النفسي والمالي عليهم.
وتشير معطيات ميدانية إلى وجود أعداد متزايدة من المركبات المرتبطة بتطبيقات النقل في ساحات المزادات أو الحجز، نتيجة تعثر أصحابها في سداد الأقساط. وهو ما يطرح تساؤلات حول طبيعة المخاطر المرتبطة بالاعتماد الكامل على هذا النوع من العمل كمصدر وحيد للدخل.
الملف يتجاوز حدود العلاقة بين السائق والشركة، ليصل إلى سؤال أعمق يتعلق بتنظيم اقتصاد المنصات الرقمية. فهل تكفي الشروط التعاقدية الحالية لحماية العاملين؟ وهل يُنظر إلى السائق كشريك أم كمستخدم يمكن الاستغناء عنه بسهولة؟ وكيف يمكن تحقيق توازن بين فتح باب العمل الحر وبين منع تضخم العرض بشكل يفوق قدرة السوق؟
في ظل هذه التطورات، تبدو الحاجة ملحّة إلى نقاش وطني أوسع حول مستقبل العمل عبر التطبيقات، وآليات تنظيمه بما يضمن استدامته ويحمي العاملين فيه من تقلبات مفاجئة قد تقلب حياتهم رأساً على عقب.
ويبقى السؤال مفتوحاً: هل كانت أزمة أقساط السيارات نتيجة قرارات فردية متسرعة، أم انعكاساً لخلل أعمق في إدارة وتنظيم اقتصاد التطبيقات في الأردن؟