أخبار اليوم - في ظل تصاعد خطر مقاومة الميكروبات للمضادات الحيوية اعتبر عضو اللجنة الوطنية لترشيد استخدام المضادات الحيوية وأستاذ العلاج الدوائي السريري في الأمراض المعدية الدكتور ضرار بلعاوي أن قرار المؤسسة العامة للغذاء والدواء بمنع صرف المضادات الحيوية دون وصفة طبية خطوة ضرورية ومبررة علميا.
لكنه شدد في الوقت ذاته في تصريح إلى "الرأي" على ضرورة تقييم اشتراط فحص الزراعة والحساسية لكل وصفة تقييما نقديا، بحيث يأخذ بعين الاعتبار الواقع السريري والاقتصادي في الأردن.
وأكد بلعاوي أن الأردن يقف فعليا في قلب أزمة مقاومة المضادات الحيوية، مشيرا إلى توثيق معدلات مرتفعة من البكتيريا المفرزة لإنزيمات ESBL والمكورات العنقودية المقاومة للميثيسيلين (MRSA)، سواء في المستشفيات أو في المجتمع، نتيجة سنوات من الاستخدام العشوائي وثقافة "التطبيب الذاتي"، وسهولة الوصول إلى المضادات واسعة الطيف دون رقابة مهنية كافية.
وبين أن تضييق الخناق على الصرف العشوائي يمثل ضرورة لحماية الأمن الصحي الوطني، إلا أن ربط صرف كل مضاد حيوي بنتيجة زراعة مخبرية يطرح إشكاليات جوهرية في بيئات الطوارئ والرعاية الحرجة.
وأوضح بلعاوي أن المعايير العالمية في أقسام الطوارئ والعناية الحثيثة، تعتمد على البدء الفوري بالعلاج التجريبي في حالات الإنتان أو الالتهاب الرئوي الحاد، مع أخذ عينات للزراعة بالتوازي، ثم تعديل العلاج لاحقا وفق النتائج.
وأضاف أن اشتراط ظهور النتيجة قبل الصرف قد يؤدي إلى تعطيل التدخل العلاجي المنقذ للحياة، وهو ما يتعارض مع أسس الممارسة السريرية الحديثة.
ولفت إلى أن هذا الاشتراط قد يثقل كاهل الفئات الهشة، ككبار السن والأطفال ومرضى نقص المناعة، حيث تكون نافذة التدخل ضيقة، وغالبا ما يكون التشخيص سريريا واضحا ولا يحتمل تأخير العلاج لعدة أيام بانتظار تقرير مخبري.
وشدد بلعاوي أن أي سياسة صحية يجب أن تراعي البعد الاقتصادي، مشيرا إلى أن إلزام المريض بدفع كلفة الاستشارة، والزراعة المخبرية، واختبار الحساسية، إضافة إلى ثمن الدواء، قد يشكل عبئا ماليا كبيرا، خصوصا على غير المؤمنين صحيا، مما قد يدفع بعض المرضى إلى تجنب النظام الصحي أو البحث عن بدائل غير قانونية.
ونوه إلى أن أزمة مقاومة المضادات الحيوية ليست مسؤولية الصيدليات وحدها، بل هي مشكلة جهازية تتطلب مساءلة أنماط الوصف الطبي أيضا، داعيا إلى تنظيم شمولي يخضع واصف الدواء وصارفه للمعايير نفسها، مع تعزيز دور الصيدلي السريري كشريك فاعل في ترشيد الاستخدام، لا مجرد منفذ للصرف.
واقترح بلعاوي اعتماد نهج تصنيفي يستند إلى تصنيف منظمة الصحة العالمية (AWaRe)، بحيث يسمح بصرف مضادات الفئة الأساسية بناء على التشخيص السريري، فيما تقيد المضادات عالية الخطورة، بشرط وجود تقرير زراعة أو إشراف اختصاصي، بما يحقق التوازن بين حماية فعالية الأدوية وضمان وصول المرضى للعلاج في الوقت المناسب.
ونادى بضرورة الاستثمار في الاختبارات التشخيصية السريعة لتقليل زمن الانتظار، واعتبار نتائجها بديلا علميا عمليا في حالات العدوى غير المعقدة، إلى جانب إطلاق حملات توعوية واسعة لتعزيز ثقافة الاستخدام الرشيد للمضادات الحيوية بين المواطنين والكوادر الصحية.
ووفق بلعاوي فإن الهدف يجب أن يكون وقف مقاومة البكتيريا لا وقف العلاج، مشيرا إلى أن السياسة الفعالة هي التي تجمع بين الصرامة العلمية والمرونة السريرية، وتحمي المريض دون أن تعطل إنقاذه.
الرأي