كهرباء تحت رحمة المولدات .. أسعار مرتفعة واحتكار يرهق العائلات

mainThumb
كهرباء تحت رحمة المولدات... أسعار مرتفعة واحتكار يرهق العائلات

01-04-2026 09:46 AM

printIcon

أخبار اليوم - في كل ليلة، تجلس أم شادي الوادية داخل منزلها المتضرر جزئيًا في حي النصر غرب مدينة غزة، تحيط بها جدران متشققة وسقف متهالك، في حين يغرق المكان في ظلام دامس لا يقطعه سوى ضوء خافت يصدر أحيانًا من مولد الحي.

تفرد الأم بطانية رقيقة على الأرض لأطفالها، وتنتظر بصمت اللحظات القليلة التي يصل فيها التيار الكهربائي، وكأنها تترقب حدثًا نادرًا. تقول بصوت متعب لـ "فلسطين أون لاين": "نعيش على دقائق من الكهرباء، نعدّها بالثواني لا بالساعات".

تعتمد العائلة على مولد كهربائي خاص في الحي، لكن هذا الاعتماد تحوّل إلى عبء ثقيل يفوق قدرتهم على الاحتمال. فبحسب أم شادي، يصل سعر الكيلوواط إلى نحو 27 شيقلًا، وهو رقم تصفه بأنه "خارج عن المنطق".

وتضيف: "نحن لا نشغّل أجهزة ولا نعيش برفاهية، فقط نريد ضوءًا في الليل وشحن هواتفنا، ومع ذلك ندفع مبالغ كبيرة لا نقدر عليها".

وتوضح أن فاتورة الكهرباء الأسبوعية تصل إلى نحو 100 شيقل، رغم أن استهلاكهم يقتصر على تشغيل مصباح واحد لساعات محدودة ليلًا وشحن بعض الهواتف.

وتتابع: "تخيّل أن ندفع 100 شيقل في الأسبوع فقط من أجل لمبة! هذا ليس عدلًا".

بالنسبة لعائلة لا يتجاوز دخلها الشهري 700 شيقل، تبدو هذه الأرقام قاسية إلى حد غير محتمل. تقول أم شادي: "نحن نصرف أكثر من نصف دخلنا على الكهرباء فقط، فماذا يتبقى للطعام؟ وماذا عن الأطفال؟".

وتشير إلى أن زوجها يعمل بشكل متقطع، ولا تتوفر مصادر دخل ثابتة، ما يجعل كل شيقل يُحسب بدقة، في وقت تتزايد فيه المصاريف يومًا بعد يوم.

وتقول: "أحيانًا نضطر لإطفاء الضوء لتوفير المال، فنعيش في ظلام كامل. الأطفال يخافون، وأنا أخاف عليهم أكثر من الظلام نفسه".

داخل المنزل، تبدو آثار الحرب واضحة في كل زاوية، لكن ما يرهق العائلة اليوم ليس فقط الدمار، بل كلفة البقاء على قيد الحياة.

تقول الوادية: "الحرب دمّرت البيت، والمولدات تستنزف ما تبقى منا. نحن ندفع ثمن الكهرباء وكأننا نعيش في أفضل الظروف، بينما نحن في بيت شبه مدمر".

وتنتقد بشدة غياب الرقابة على أسعار المولدات، مضيفة: "كل صاحب مولد يفرض السعر الذي يريده، ولا أحد يحاسبه. نحن مجبرون، وليس لدينا خيار آخر".

ثم تنظر إلى أطفالها الجالسين حولها في الظلام، وتقول جملة تختصر معاناتها: "نحن لا نطلب الكثير... فقط ضوء بسيط نعيش به، لكن حتى هذا أصبح غاليًا علينا".

واقع جديد

لم يكن خالد الكفارنة يتخيل أن يصبح الضوء حلمًا يوميًا يطارده، بعد أن نزح من منزله في بلدة بيت حانون شمال قطاع غزة إلى حي النصر غرب مدينة غزة، حيث يقيم اليوم داخل شقة مكتظة مع أفراد أسرته، محاولًا التأقلم مع واقع جديد تحكمه المولدات الخاصة.

في إحدى زوايا الغرفة، يجلس ابنه الصغير ممسكًا بهاتف محمول، يوجّه ضوءه نحو دفتره المدرسي، محاولًا إنجاز واجباته قبل أن تنفد البطارية. يقول الكفارنة لـ"فلسطين أون لاين": "ابني يدرس على ضوء الهاتف، لأن الكهرباء تأتي وتذهب عشرات المرات في اليوم. لا نستطيع الاعتماد على المولد حتى لساعتين متواصلتين".


يوضح الكفارنة أن الاشتراك في مولد الحي لم يعد خيارًا مريحًا، بل عبئًا مفروضًا على السكان في ظل غياب أي بديل.

ويقول: "نحن مجبرون على الاشتراك، لا توجد كهرباء حكومية، وكل حي تحت سيطرة مولد واحد، وكأن كل منطقة أصبحت مزرعة خاصة لصاحب المولد".

ويشير إلى أن هذا الواقع خلق نوعًا من الاحتكار، حيث يفرض أصحاب المولدات شروطهم وأسعارهم دون رقابة حقيقية.

ويضيف بلهجة غاضبة: "إذا لم يعجبك السعر، ألغِ الاشتراك واجلس في الظلام. لا يوجد خيار آخر. كل صاحب مولد يتحكم في منطقته كما يريد، ويحدد السعر والحد الأدنى للاستهلاك حتى لو لم تستهلك شيئًا".

ويؤكد أن بعض أصحاب المولدات يفرضون رسومًا مرتفعة منذ البداية، إلى جانب حد أدنى للاستهلاك لا يتناسب مع حاجة الأسر الفقيرة.

ويقول: "حتى لو كان استهلاكك بسيطًا، يُجبرونك على دفع مبلغ ثابت أسبوعيًا. نحن ندفع مقابل كهرباء لا نحصل عليها فعليًا".

أما عن الخدمة، فيصفها بأنها "سيئة وغير مستقرة"، مشيرًا إلى الانقطاعات المتكررة التي تفقد الناس أي شعور بالاستقرار.

ويضيف: "الكهرباء تنقطع عشر مرات في اليوم، وأحيانًا أكثر. تأتي لدقائق وتختفي فجأة، وكأنها تستهزئ بنا".

هذه الانقطاعات لا تؤثر فقط على الإضاءة، بل تمتد إلى مجمل تفاصيل الحياة اليومية.

ويتابع: "لا نستطيع تشغيل الأجهزة، ولا حفظ الطعام، وحتى شحن الهواتف أصبح معاناة. كل شيء مرتبط بالكهرباء، وعندما تنقطع يتوقف كل شيء".


ويشير الكفارنة إلى أن ضعف التيار الكهربائي الناتج عن المولدات تسبب أيضًا في تلف بعض الأجهزة المنزلية، ما زاد من خسائر العائلة.

ويقول: "خسرنا أجهزة بسبب ضعف الكهرباء وانقطاعها المفاجئ، ومع ذلك ندفع فاتورة كاملة، وكأن الخدمة ممتازة".

بالنسبة لابنه، لم تعد الدراسة سهلة كما كانت، إذ أصبحت مرتبطة بوجود شحن في الهاتف أكثر من ارتباطها بوجود كهرباء مستقرة.

ويتابع: "أحيانًا ينام دون أن ينهي واجباته لأن الهاتف يفرغ شحنه. هذا جيل كامل يُحرم من أبسط حقوقه بسبب الكهرباء".

تكاليف مرتفعة

من جانبه، قال زياد الأشقر، وهو صاحب مولد كهربائي في غرب مدينة غزة، لـ"فلسطين أون لاين" إن كثيرًا من المواطنين يعتقدون أن أصحاب المولدات يحققون أرباحًا كبيرة، لكن الواقع – بحسب قوله – مختلف تمامًا، مشيرًا إلى أن تكاليف التشغيل ارتفعت بشكل غير مسبوق منذ الحرب.

ويضيف: "نحن نتفهم غضب الناس من الأسعار، لكن يجب أيضًا أن يعرفوا حجم التكاليف التي نتحملها. تشغيل المولد ليس وقودًا فقط، بل يشمل زيوتًا وصيانة وقطع غيار وكوابل ورواتب عمال، وكلها ارتفعت أسعارها بشكل كبير".

ويوضح أن أكبر مشكلة تواجههم هي صعوبة توفير قطع الغيار والزيوت الصناعية، بسبب القيود على إدخالها وارتفاع أسعارها في السوق المحلية.

ويتابع: "أي عطل بسيط قد يكلف مئات أو آلاف الشواقل، وقطع الغيار أصبحت نادرة، وإذا توفرت تكون بأسعار مضاعفة. أحيانًا يتعطل المولد ونحتاج أيامًا لإصلاحه".

أما أسعار الوقود، فيشير إلى أنها العامل الأهم في تحديد سعر الكهرباء، موضحًا أنها ارتفعت بشكل كبير مقارنة بما كانت عليه قبل الحرب.


ويقول: "الناس تقارن الأسعار بما قبل الحرب، لكن الظروف تغيّرت تمامًا. نحن نحسب تكلفة إنتاج الكيلوواط، وليس السعر بشكل عشوائي".

ويرفض الأشقر اتهامات الاحتكار بشكل مطلق، لكنه يقر بوجود تجاوزات فردية في السوق.

ويضيف: "لا أنكر أن بعض أصحاب المولدات يرفعون الأسعار بشكل مبالغ فيه، لكن لا يجوز التعميم. هناك من يحاول الالتزام بسعر عادل، لكن التكاليف هي التي تفرض نفسها".

ويؤكد أن أصحاب المولدات يعملون أيضًا في ظروف صعبة وخطرة، خاصة خلال الحرب، حيث تعرضت بعض المولدات للقصف أو التدمير.

ويقول: "المولدات استُهدفت أكثر من مرة، وخسرنا معدات وكوابل. هذه خسائر كبيرة لا يتحدث عنها أحد".

ويرى الأشقر أن الحل لا يكمن في مهاجمة أصحاب المولدات، بل في تنظيم السوق ووضع تسعيرة واضحة وعادلة للجميع.

ويختم بالقول: "نحن مع تنظيم العمل ووضع تسعيرة موحدة، فهذا يحمي المواطن وصاحب المولد في الوقت نفسه. السوق اليوم يعاني من فوضى، والتنظيم هو الحل".

فلسطين أون لاين