أخبار اليوم - يصادف الثاني من نيسان من كل عام اليوم العالمي للتوعية بالتوحد، وهو محطة إنسانية عالمية تُضاء خلالها المعالم باللون الأزرق تعبيرا عن التضامن مع الأشخاص من ذوي اضطراب طيف التوحد، وتأكيدا على أهمية دعمهم وتمكينهم.
ولا يقتصر هذا اليوم على رمزيته، بل يُمثل دعوة مفتوحة لفهم الاختلاف وتعزيز القبول، والعمل على بناء مجتمعات أكثر شمولا، تحتفي بتنوع أنماط التفكير، وتتيح للجميع فرص العيش والمشاركة والإبداع دون تمييز.
وفي مشهد إنساني جامع، تتوحد الجهود عالميًا لتسليط الضوء على قصص ملهمة لأفراد يمتلكون طرقا فريدة في التفكير والتعبير، في تأكيد أن هذا التنوع يمثل عنصر قوة وثراء للمجتمعات.
وعلى المستوى المحلي، تتجدد في الأردن الدعوات إلى رفع مستوى الوعي المجتمعي، وتهيئة بيئات حاضنة تكفل حقوق الأشخاص من ذوي التوحد في التعليم والعمل والحياة العامة.
رحلة إنسانية مليئة بالصبر والأمل.
في هذا السياق، تروي “أم وائل”، والدة طفل يبلغ من العمر ست سنوات من ذوي اضطراب طيف التوحد، تجربتها، قائلة إن الطريق لا يكون سهلا في البداية، إذ تبحث عن تفسير لكل سلوك غير مألوف، قبل أن تدرك أن طفلها يرى العالم بطريقة مختلفة.
وتشير أن لحظة التشخيص تكون مليئة بالخوف، إلا أنها تقرر مواجهة التحدي بالتعلم والبحث والتواصل مع المختصين، مشيرة إلى أنها اليوم تحتفل بكل تقدم يحققه طفلها مهما يكون بسيطا.
وتستذكر إحدى أكثر اللحظات تأثيرا في رحلتها، حين ينطق طفلها باسمها لأول مرة، مؤكدة أن تلك الكلمة البسيطة تكون بالنسبة لها العالم بأسره.
وترى أن التحدي الأكبر يتمثل في وعي المجتمع، مؤكدة أن أبناءهم ليسوا مختلفين بشكل سلبي، بل مميزون بطريقتهم الخاصة، ويحتاجون إلى مزيد من التفهم والدعم.
جهود لتعزيز الدمج وتمكين حقيقي
ويأتي إحياء هذه المناسبة في ظل تزايد الاهتمام العالمي باضطراب طيف التوحد، حيث تعمل الحكومات والمؤسسات على تطوير برامج تعليمية وتأهيلية لتحسين جودة حياة المصابين، إلى جانب تكثيف الحملات التوعوية وورش العمل الهادفة إلى تصحيح المفاهيم المجتمعية.
ويؤكد مختصون أن التشخيص المبكر والتدخل المناسب يُعدان من الركائز الأساسية في دعم الأطفال وتنمية مهاراتهم، إلى جانب أهمية توفير بيئات تعليمية مرنة تراعي الفروق الفردية، وتمكين الأسر ودعمها.
وفي هذا الإطار، يقول أستاذ التربية الخاصة في جامعة آل البيت الدكتور إحسان غديفان الخالدي إن شعار اليوم العالمي لعام 2026 يتجاوز التوعية التقليدية نحو الاعتراف الكامل بقيمة كل فرد، مؤكدا أن الحديث عن قيمة كل حياة يعكس إعادة توجيه البوصلة الأخلاقية للمجتمعات، بحيث يصبح الأشخاص ذوو اضطراب طيف التوحد جزءًا أصيلا من النسيج الإنساني، لا مجرد موضوع للرعاية المؤقتة.
ويشير إلى أن هذا التحول يعكس نضجا عالميا في فهم التوحد بوصفه تنوعا نمائيا يتطلب بيئات عادلة، لا نظرات شفقة، مشددا على أن التوعية وحدها لا تكفي ما لم تُترجم إلى تمكين حقيقي.
وأوضح أن الدمج لا يقتصر على قرارات إدارية، بل هو منظومة متكاملة تبدأ بالتشخيص المبكر الدقيق، مرورا بتطبيق تدخلات قائمة على الأدلة، وصولا إلى تهيئة البيئات التعليمية وسوق العمل، لافتا إلى أن التحدي لا يكمن في قدرات الأشخاص، بل في قدرة الأنظمة على استيعاب هذا التنوع.
وأشار إلى أن الرسالة الأساسية لهذا العام تضع الكرامة في صلب النقاش، باعتبارها حقا فعليا يشمل التعليم النوعي، والخدمات الصحية الملائمة، والاستقلالية، والمشاركة المجتمعية، إلى جانب رفض كافة أشكال الإقصاء، حتى تلك التي تُمارس تحت عناوين الحماية أو الرعاية.
وبيّن أن التحديات لا تزال قائمة على المستوى الإقليمي، رغم بعض التقدم التشريعي، موضحا أن الفجوة بين النص والتطبيق ما تزال كبيرة، ما يستدعي إرادة تنفيذية جادة لتحويل الوعي إلى ممارسات ملموسة.
التوحد اختلاف يحتاج إلى فهم
من جهتها، أكدت المديرة العامة لمركز الأوج للتربية الخاصة والتوحد، رولا البطاينة، أن هذا اليوم يُعد محطة مهمة لتعزيز الفهم حول اضطراب طيف التوحد، الذي يُصنف ضمن الاضطرابات النمائية المؤثرة على مهارات التواصل والتفاعل الاجتماعي، إضافة إلى ظهور أنماط سلوكية متكررة واهتمامات محددة.
وأوضحت أن مظاهر التوحد تختلف من طفل لآخر، إلا أن من أبرز المؤشرات المبكرة تأخر النطق أو غيابه، ضعف التواصل البصري، صعوبة التفاعل مع الآخرين، تكرار الحركات أو الكلمات، والتمسك بالروتين.
وشددت على أن هذه المؤشرات لا تمثل حكما نهائيا، لكنها تستدعي التقييم المبكر لما له من دور كبير في تحسين جودة حياة الطفل.
وأكدت البطاينة أن الأسرة تلعب دورا محوريا في رحلة العلاج والتأهيل، حيث لا تقل مشاركة الأهل في الخطة العلاجية أهمية عن الجلسات المتخصصة، بل تمثل امتدادا لها في الحياة اليومية، وتسهم في تعزيز مهارات الطفل ودعمه نفسيًا.
ولفتت إلى أن التعاون بين المختصين والأسرة يُشكل حجر الأساس لتحقيق تقدم ملموس، إذ ينعكس هذا التكامل إيجابا على استجابة الطفل وتطوره.
وشددت على أن التوحد ليس عائقا، بل اختلاف يحتاج إلى فهم واحتواء، داعية إلى تقبل التنوع ومنح الأطفال الفرصة ليكونوا جزءًا فاعلا ومُلهما في المجتمع، لأن الوعي يفتح أبواب الأمل، والتقبل يصنع بيئة أكثر إنسانية.
رسالة إنسانية متجددة
ويبقى اليوم العالمي للتوعية بالتوحد تذكيرا متجددا بأهمية بناء مجتمعات أكثر عدالة وشمولا، تضمن تمكين الأشخاص من ذوي اضطراب طيف التوحد، وتعزز مشاركتهم الفاعلة في مختلف مناحي الحياة.
فالمجتمعات الإنسانية الحقيقية تُبنى على الفهم والقبول، وتزدهر حين يُمنح كل فرد الفرصة ليكون ذاته، بما يحمله من تميز واختلاف.