حين يُشرّع الموت: هل يفتح قانون إعدام الأسرى باب المساءلة الدولية أم باب الانفجار؟

mainThumb
حين يُشرّع الموت: هل يفتح قانون إعدام الأسرى باب المساءلة الدولية أم باب الانفجار؟

04-04-2026 10:58 AM

printIcon

الدكتور خالد محمد السُليمي

في عالمٍ يدّعي أنه محكوم بالقانون، تأتي لحظات تُختبر فيها حقيقة هذا الادعاء، ليست كل القوانين متساوية، فبعضها ينظم الحياة، وبعضها يُعيد تعريفها… وبعضها، حين يُقرّ، يضع البشرية أمام سؤال وجودي: هل يمكن أن يتحول القانون ذاته إلى أداة تنتهك القيم التي وُجد لحمايتها؟، إن إقرار تشريع يسمح بإعدام الأسرى في سياق نزاع قائم لا يمثل مجرد خطوة قانونية، بل تحولاً بنيوياً في فلسفة إدارة الصراع، يضع قواعد القانون الدولي الإنساني أمام اختبار حقيقي، فحين تتقدم النصوص الوطنية على المبادئ الإنسانية العالمية، لا يصبح النقاش حول شرعية القرار فقط، بل حول مستقبل النظام القانوني الدولي ذاته.

البعد القانوني: من التشريع الداخلي إلى المسؤولية الدولية
وفقاً لـ اتفاقيات جنيف، وبخاصة الاتفاقية الرابعة، فإن حماية الأشخاص في زمن النزاعات المسلحة تُعد التزاماً قانونياً غير قابل للتصرف، كما أن المعايير الدولية تفرض ضمانات صارمة للمحاكمة العادلة، وتحظر العقوبات التي لا تتناسب مع طبيعة النزاع أو تفتقر إلى الضمانات القضائية الكاملة، أي تشريع يُفضي إلى إعدام أسرى في ظل ظروف نزاع، ودون الالتزام الكامل بهذه الضمانات، يثير شبهة الانتهاك الجسيم، وهي فئة من الانتهاكات التي قد ترقى إلى مستوى الجرائم الدولية.

المساءلة الدولية: من النص إلى المحكمة
في هذا السياق، تبرز أهمية المحكمة الجنائية الدولية كإطار قانوني لمساءلة الأفراد المسؤولين عن انتهاكات جسيمة، فالقانون الدولي لا يكتفي بتجريم الأفعال، بل يقرّ مبدأ المسؤولية الفردية، ما يعني أن القرارات السياسية والتشريعية قد تخضع لاحقاً للتقييم القانوني الدولي، وهذا لا يعني حتمية المساءلة، لكنه يفتح الباب أمامها، ويُبقي القرارات ضمن دائرة الفحص القانوني المستمر، خاصة عندما تتعلق بحقوق أساسية كالحياة والمحاكمة العادلة.

التأثير الاستراتيجي: حين يتحول القانون إلى محفّز صراع
من منظور استراتيجي، فإن تحويل الإعدام إلى أداة ضمن إدارة الصراع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، فبدلاً من تحقيق الردع، قد يُسهم في تعقيد البيئة الأمنية، ويُضعف فرص التهدئة، ويُعزّز السرديات المتطرفة على مختلف الأطراف، التجارب المقارنة تُظهر أن الإجراءات القصوى في بيئات النزاع لا تُنهي التوتر، بل غالباً ما تُعيد إنتاجه في أشكال أكثر حدة، ما يجعل من هذا التشريع عاملاً محفزاً للتصعيد بدلاً من احتوائه.


دور منظمات المجتمع المدني
في مثل هذه اللحظات، لا يقتصر الدور على الحكومات وحدها بل تتحمل منظمات المجتمع المدني مسؤولية تاريخية في حماية المعايير الإنسانية، إن الصمت في مواجهة تشريعات تمس جوهر الحق في الحياة قد يُفسَّر كقبول ضمني، بينما يشكل التحرك المنظم عبر التوثيق، والمناصرة، والضغط القانوني خط الدفاع الأول عن القيم الإنسانية، فالمطلوب اليوم ليس فقط إصدار بيانات، بل بناء حملات قانونية وإعلامية عابرة للحدود، قادرة على إبقاء هذه القضية في دائرة الاهتمام الدولي، وتحويلها من حدث عابر إلى ملف دائم على طاولة النقاش العالمي.

في الختام ... إن ما نشهده اليوم يتجاوز حدود نزاع بعينه، ليصل إلى جوهر العلاقة بين القانون والقوة، فحين تُستخدم الأدوات القانونية لتبرير إجراءات تمس الحق في الحياة، يصبح التحدي الحقيقي هو الحفاظ على معنى القانون ذاته، فهذه ليست معركة نصوص، بل معركة مبادئ، حيث يقف العالم أمام خيارين: الأول: إما أن تبقى القواعد الدولية مرجعاً حقيقياً يُحتكم إليه، والثاني: أن تتحول إلى إطار شكلي يُعاد تفسيره وفق موازين القوة، وفي هذا السياق، فإن المسؤولية لا تقع على طرف واحد، بل هي مسؤولية مشتركة للنظام الدولي، بمؤسساته ودوله ومجتمعاته، فالتاريخ لا يُسجّل فقط من أصدر القرارات، بل من وقف عندها، وطرح الأسئلة الصعبة، ورفض تحويل الاستثناء إلى قاعدة، (اللحظة الحالية ليست اختباراً للقانون فقط… بل لاختبار الضمير الدولي بأكمله).

توصيات استراتيجية (للحكومات – المجتمع المدني – الشعوب – المجتمع الدولي)
1. تفعيل المسارات القانونية الدولية من خلال دعم وتحريك ملفات قانونية عبر الأطر الدولية، بما في ذلك آليات المحكمة الجنائية الدولية، لضمان بقاء القضية ضمن نطاق المساءلة.
2. بناء تحالفات دبلوماسية متعددة الأطراف بتنسيق مواقف الدول لطرح القضية في المحافل الدولية بشكل جماعي، بما يعزز الضغط السياسي والقانوني.
3. دعم دور منظمات المجتمع المدني من خلال تمكين منظمات المجتمع المدني من الوصول إلى المعلومات وتوثيق الانتهاكات بشكل مهني ومستقل.
4. إطلاق حملات إعلامية استراتيجية بتطوير خطاب إعلامي مهني يركز على القانون والإنسانية، بعيداً عن التسييس المفرط، لضمان وصول الرسالة عالمياً.
5. تعزيز الوعي القانوني الشعبي من خلال نشر المعرفة بالقانون الدولي الإنساني بين الشعوب، بما يعزز الضغط المجتمعي الواعي.
6. تفعيل الأدوات الاقتصادية والدبلوماسية باستخدام أدوات الضغط غير العسكرية، مثل العلاقات الاقتصادية والدبلوماسية، للتأثير على مسار القرار.
7. دعم الوساطات الدولية والإقليمية بتشجيع المسارات الدبلوماسية التي تسعى لخفض التصعيد ومعالجة جذور الأزمة.
8. حماية الجبهة الداخلية إعلامياً ومجتمعياً من خلال منع انتشار المعلومات غير الدقيقة، وتعزيز خطاب متوازن يحافظ على المصداقية.
9. الاستثمار في القانون الدولي كأداة قوة ناعمة بتعزيز استخدام القانون الدولي ليس فقط كمرجعية، بل كوسيلة تأثير استراتيجية.
10. الاستعداد لمرحلة ما بعد الأزمة من خلال وضع خطط طويلة الأمد لمعالجة آثار هذه السياسات على الاستقرار الإقليمي والدولي.