تعد الحقوق والحريات العامة إحدى الركائز الأساسية التي تقوم عليها النظم الدستورية الحديثة، إذ تشمل الاعتراف للأفراد بحرية التعبير عن آرائهم والمشاركة في الشأن العام بوسائل متعددة، من أبرزها التظاهر السلمي والاعتصامات بوصفها أدوات مشروعة للتعبير الجماعي عن المواقف السياسية والشعبية. وقد شهدت الساحة الأردنية خلال الأيام الماضية دعوات متصاعدة إلى تنظيم مظاهرات واعتصامات احتجاجا على استمرار إغلاق المسجد الأقصى، ورفضا لقانون إعدام الأسرى الفلسطينيين، وهي قضايا تمس وجدان الأردنيين وتعكس حسا وطنيا وقوميا متجذرا.
غير أن ممارسة هذه الحقوق الدستورية لا تتم بمعزل عن إطارها القانوني، بل تخضع لتنظيم يهدف إلى تحقيق التوازن بين حرية الأفراد في ممارستها بالشكل والكيفية التي يرونها مناسبة، وبين متطلبات الحفاظ على الأمن الوطني والنظام العام، وهي متطلبات ترتبط ارتباطا وثيقا بالتوقيت والظروف التي تمارس فيها هذه الحقوق. فالدولة الأردنية تجد نفسها اليوم أمام تحديات إقليمية معقدة، في ظل الاعتداءات الإيرانية وما يرافقها من تداعيات سياسية وأمنية غير مسبوقة، الأمر الذي يقتضي اعتماد مقاربة مختلفة في تنظيم ممارسة الحقوق والحريات ضمن سياق استثنائي.
وفي هذا الإطار، فإن اختلاف آليات التعاطي مع الحقوق الدستورية في الأوضاع غير الاعتيادية مقارنة بالظروف العادية يعد من المبادئ المستقرة في الفقه الدستوري، وتتبناه مختلف الأنظمة القانونية حتى في غياب الإعلان الرسمي للأحكام العرفية. وقد كرست المحاكم الدستورية هذا التوجه؛ إذ استقر اجتهاد المحكمة الدستورية العليا المصرية على أن الحقوق والحريات العامة، رغم سموها، ليست حقوقا مطلقة تمارس بمعزل عن المجتمع وظروفه، وأن تنظيمها يتسع نطاقه كلما واجهت الدولة أخطارا حقيقية أو ظروفا استثنائية، بما يبرر فرض قيود مؤقتة تقتضيها حالة الضرورة.
ويتقاطع هذا الاتجاه مع ما استقر عليه اجتهاد المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان، التي أكدت بدورها أن ممارسة الحقوق الدستورية، بما فيها حرية التعبير وحرية التجمع، قد تخضع لقيود تفرضها ضرورات حماية الأمن القومي وسلامة المجتمع، خاصة في حالات الطوارئ أو الأزمات التي تهدد كيان الدولة، وأن للسلطات العامة سلطة تقديرية في تحديد مدى هذه الأخطار وكيفية التعامل معها، متى كان هناك تهديد فعلي وحقيقي للنظام العام.
ولا يختلف هذا التصور عن الإطار الدستوري الأردني؛ فالدستور الذي كفل الحقوق والحريات العامة، أجاز تنظيم ممارستها بقانون بما يحقق التوازن بينها وبين متطلبات النظام العام والأمن الوطني. كما أن التشريعات الناظمة للاجتماعات العامة تؤكد على ضرورة مراعاة المصلحة العامة والحفاظ على الأمن والاستقرار عند ممارسة هذه الحقوق، الأمر الذي يعكس توجها دستوريا مستقرا يقوم على عدم إطلاق الحقوق، وإنما ممارستها ضمن حدود تضمن عدم تعارضها مع سلامة المجتمع والدولة.
وانطلاقا من هذه المبادئ الدستورية والقضائية المستقرة، فإن الواقع الأردني الراهن يفرض إعادة ترتيب أولويات ممارسة الحقوق الفردية، دون أن يعني ذلك إلغاءها أو الانتقاص من جوهرها. فالحقوق، وإن كانت متكافئة من حيث الأصل، إلا أن ممارستها العملية تخضع لأولويات تفرضها المصلحة العامة والمستجدات على أرض الواقع. فالحقوق الدستورية للأردني لا تقتصر على حرية التعبير والتظاهر، بل تشمل أيضا حقه في الأمن والسلامة العامة وحرية التنقل والحفاظ على السلم المجتمعي، وهي حقوق تكتسب أولوية متقدمة في ظل ما يواجهه الوطن من تحديات أمنية غير مسبوقة.
من هنا، فإن الدعوات إلى التظاهر والاعتصام في هذه المرحلة تثير إشكاليات عملية تتعلق بحسن توزيع موارد الدولة وأولوياتها. فقوات إنفاذ القانون مطالبة اليوم بالتركيز على حماية الجبهة الداخلية من أي تهديدات أو اختراقات خارجية، لا أن يتم استنزافها في إدارة المتظاهرين وضبطهم، خاصة في ظل بيئة إقليمية متوترة قد تستغل أي حالة انشغال أمني لإلحاق الضرر بالدولة الأردنية.
ولا يعني ذلك تهميش صوت الشارع أو التقليل من أهمية تعبير الأردنيين عن مشاعرهم الصادقة تجاه أشقائهم في فلسطين، بل إن الموقف الرسمي يعكس هذا الصوت بوضوح من خلال حراك دبلوماسي نشط يقوده جلالة الملك، إلى جانب وزير الخارجية، اللذين يعبران باستمرار عن موقف الأردن الرافض للإجراءات الإسرائيلية، بما في ذلك إغلاق الأماكن الدينية والانتهاكات المرتبطة بها، وكذلك المساس بحياة الأسرى الفلسطينيين.
وعليه، فإن تنظيم ممارسة الحق في التظاهر وتقديم اعتبارات الأمن الوطني في هذه المرحلة لا يعد انتقاصا من جوهر هذا الحق، وإنما يمثل تطبيقا سليما لمبدأ دستوري راسخ يقوم على تحقيق التوازن بين الحقوق والحريات ومتطلبات الأمن والاستقرار. فالتحدي الحقيقي في النظم الدستورية لا يكمن في تقرير الحقوق في الأوقات العادية، بل في كيفية إدارة ممارستها وإعادة ترتيب أولوياتها في ظل الظروف الاستثنائية، بحيث يعاد تنظيمها بما يضمن حماية الدولة واستقرارها، فبقاء الدولة هو الضمانة الأساسية لاستمرار ممارسة جميع الحقوق والحريات بعد انتهاء الأوضاع الاستثنائية والعودة إلى الحياة الاعتيادية.
* أستاذ القانون الدستوري في كلية الحقوق في الجامعة الأردنية
laith@lawyer.com