صالح الشرّاب العبادي
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس القرارات بحجمها المباشر، بل بارتداداتها العميقة على توازنات النظام الدولي. ما يحدث اليوم في مضيق هرمز، بعد تعثر جولات التفاوض بين واشنطن وطهران، ليس بداية تصعيد بقدر ما هو إعادة تعريف لقواعد الاشتباك بين القوة والاقتصاد والجغرافيا. نحن أمام ضغط أمريكي هائل يسعى لتحقيق مكاسب ملموسة، في مواجهة دولة أتقنت إدارة الضغوط على مدار أكثر من أربعين عامًا.
الولايات المتحدة، بقيادة دونالد ترامب، اختارت الانتقال من خيار الحرب المباشرة إلى استراتيجية الخنق المالي، عبر محاولة استهداف الشريان الاقتصادي لإيران من خلال حصار بحري يقيّد صادراتها النفطية ، في الظاهر، يبدو القرار تكتيكًا ذكيًا لتجنب حرب مكلفة، لكنه في العمق يكشف مأزقًا استراتيجيًا معقدًا:
كيف يمكن ضرب الخصم دون الإضرار بالنظام العالمي الذي تعتمد عليه القوة الضاربة نفسها؟
هل يمكن فعلاً منع ناقلات النفط الإيرانية، مع السماح في الوقت ذاته بمرور ناقلات دول الخليج؟ وكأننا أمام مضيقين منفصلين لا مضيق واحد! أم أن المنشآت النفطية على السواحل الخليجية ستكون بمنأى عن الصواريخ والطائرات المسيّرة وحتى القدرات المدفعية الإيرانية؟
هذه معادلة شديدة التعقيد، بل من أصعب العمليات العسكرية واللوجستية التي قد تواجهها الولايات المتحدة، لما تتطلبه من تأمين مساحات واسعة ومترامية، وحماية دوائر التأثير والاهتمام والمصالح الحيوية في بيئة شديدة الحساسية.
إيران، وفق كثير من التقديرات، لا تعتمد فقط على تصدير النفط، بل على منظومة مالية غير تقليدية تشمل رسوم العبور وأدوات الضغط غير المباشر في المضيق ووجود موانيء اخرى في بحر قزوين مع روسيا وطرق تجارة مع دول الجوار الشرقية ، ما جعل من هرمز مصدر دخل متحركًا. غير أن القراءة الأمريكية تبدو وكأنها تعيد إنتاج خطأ تاريخي متكرر: سوء فهم طبيعة الدولة الإيرانية.
من ذاكرة التاريخ، وقبل سقوط الشاه، وصف جيمي كارتر إيران بأنها “جزيرة استقرار”، لكن بعد أسابيع قليلة فقط اندلعت الثورة الإسلامية. لم يكن الخلل في نقص المعلومات، بل في سوء قراءة المجتمع والديناميات الداخلية. اليوم، يتكرر المشهد بصيغة مختلفة: تقارير استخباراتية، تقديرات خبراء، معطيات دقيقة… لكن القرار السياسي يسير في اتجاه آخر.
المشكلة ليست في غياب المعرفة، بل في تجاهلها.
إيران لا تتعامل مع الحصار كتهديد وجودي فوري، بل كجزء من “لعبة عض الأصابع” التي أتقنتها لعقود. هي لا تحتاج إلى كسر الحصار بالكامل، بل إلى رفع كلفته إلى مستوى يجعله غير قابل للاستمرار. وهنا تبدأ الأوراق الحقيقية بالظهور.
الورقة الأولى هي الجغرافيا. فإذا مُنعت إيران من تصدير نفطها عبر هرمز، فإنها تملك القدرة على تحويل المضيق من ممر طاقة عالمي إلى نقطة اختناق تفتقر إلى الحد الأدنى من اليقين الأمني البحري. ليس بالضرورة إغلاقه الكامل، بل تحويله إلى مساحة خطر دائم، حيث ترتفع كلفة التأمين والشحن، ويبدأ السوق العالمي بالاهتزاز. فمجرد احتمال ضئيل—ولو بنسبة واحد بالمئة—لوجود ألغام أو تهديدات كفيل بإرباك حركة الملاحة وتعطيلها.
لكن الأخطر من هرمز هو ما يتجاوزه.
في الجنوب، يقف باب المندب كامتداد استراتيجي للصراع، حيث يمكن عبر الحوثيين في اليمن تهديد أحد أهم شرايين التجارة العالمية. هنا لا نتحدث عن رد إيراني مباشر، بل عن توسيع مسرح العمليات دون إعلان حرب رسمية.
وإذا اجتمع الضغط في هرمز مع التهديد في باب المندب، فإن العالم لا يواجه أزمة إقليمية فحسب، بل اختناقًا مزدوجًا للطاقة والتجارة. وهذا هو جوهر العقيدة الإيرانية: نقل المعركة من مستوى عسكري تقليدي إلى مستوى نظام عالمي شامل.
في هذا السياق، تبرز الصين وروسيا كلاعبين صامتين لكن مؤثرين، ليس عبر تدخل مباشر، بل من خلال كسر العزلة، وتقديم دعم غير معلن—استخباراتي أو لوجستي. وهنا يتحول الحصار الأمريكي من مواجهة مع إيران إلى اختبار لقدرة واشنطن على فرض إرادتها في عالم يتجه نحو التعددية القطبية، ومع ذلك هناك إعلام ترامبي يقول ان هناك دول تساعد في فتح المضيق وإعلام مضاد من نفس المصدر مهاجمة النانو لعدم استعداده حتى اللحظة في المشاركة ..وهي مناورات إعلامية لاصطفاف دولي يسعى اليه ترامب .
المفارقة الكبرى أن القرار الأمريكي، المصمم لإضعاف إيران، قد يقود إلى نتائج عكسية: خفض في المعروض النفطي، ارتفاع في الأسعار، ضغط اقتصادي داخلي في الولايات المتحدة، وتآكل في شعبية القرار السياسي. أي أن واشنطن، وهي تضغط على طهران، تضغط في الوقت ذاته على نفسها.
وهنا تتجلى معضلة أعمق:
قد تستطيع الولايات المتحدة بدء هذه المواجهة، لكنها قد لا تستطيع إنهاءها وفق شروطها.
إيران لا تبحث عن نصر سريع، بل عن إطالة أمد الصراع، حيث يتحول الزمن إلى سلاح استراتيجي. وكلما طال أمد الأزمة، زادت كلفتها على الاقتصاد العالمي، وبدأت التصدعات بالظهور داخل معسكر الخصوم.
ما يحدث اليوم ليس مجرد أزمة في مضيق، بل اختبار لقدرة النظام الدولي على امتصاص صدمة جديدة. فإذا انتقل التصعيد من هرمز إلى باب المندب، فقد يدخل العالم مرحلة إعادة تسعير شاملة للطاقة والتجارة، تعيد رسم موازين القوة بعمق يفوق ما تفعله الحروب التقليدية.
هرمز، في هذه اللحظة، ليس مجرد ممر مائي…
بل مرآة تعكس حدود القوة الأمريكية، ومرونة الاستراتيجية الإيرانية، وهشاشة الاقتصاد العالمي .
أخيرًا، لا يمكن الجزم بأن المفاوضات قد انتهت. فالمسارات التفاوضية لا تُحسم بجولة أو جولتين، والباب لا يزال مواربًا أمام الطرفين. من المرجح أن تعود الوفود إلى طاولة التفاوض لكسر حالة الجمود.
في المقابل، تبرز إسرائيل كطرف يدفع نحو التصعيد دائماً ، مستعدة للعودة إلى المواجهة بعد انتكاسة مؤقتة تمثلت بوقف إطلاق نار لم يحقق أهدافها. وهي الأهداف ذاتها التي يتفاوض عليها الجانب الأمريكي بالنيابة عنها: الملف النووي، والبرنامج الصاروخي، ودعم الأذرع الإقليمية، إضافة إلى معادلة المضائق التي أصبحت اليوم جزءًا من شروط التفاوض.