بقلم المحامي علاء مفلح ابو سويلم
تُعد جريمة شهادة الزور من الجرائم التي تضرب في العمق فكرة العدالة ذاتها لأنها تمس المصدر الذي تستقي منه المحكمة قناعتها وهو الدليل القولي وعليه فقد عالجها قانون العقوبات الأردني بنهج صارم يوازن بين حماية الحقيقة وضمان عدم التوسع في التجريم دون دليل يقيني.
ويُعرّف الفقه والقضاء شهادة الزور بأنها كل قول يدلي به الشاهد بعد حلف اليمين أمام جهة قضائية أو هيئة مخولة قانوناً بسماع الشهود يكون مخالفاً للحقيقة أو متضمناً إنكاراً لها أو كتماناً لجزء منها بقصد التأثير في سير العدالة أو تغيير قناعة المحكمة ويشترط في هذا التعريف عناصر دقيقة أولها أن تكون الشهادة قد أُديت أمام جهة مختصة وثانيها أن تتعلق بواقعة منتجة في النزاع وثالثها وهو الأهم أن يتوافر القصد الجرمي أي علم الشاهد بكذب أقواله واتجاه إرادته إلى تضليل القضاء فلا تقوم الجريمة بمجرد الخطأ أو التناقض أو ضعف الذاكرة وإنما تقوم حين يتحول الشاهد من ناقل للواقع إلى صانع لواقع غير صحيح.
وقد استقر اجتهاد محكمة التمييز الأردنية على أن معيار الكذب في شهادة الزور ليس معياراً شكلياً بل موضوعي يرتبط بمدى تأثير الشهادة في تكوين قناعة المحكمة بحيث لا يكفي أن تكون الأقوال غير دقيقة بل يجب أن تكون موجهة ومقصودة لإحداث تضليل فعلي في مسار الدعوى وهو ما يضيق من نطاق التجريم ويمنع إساءة استعمال هذا النص.
أما من حيث الآثار القانونية فإن شهادة الزور تُحدث خللاً عميقاً في البنيان القضائي إذ تؤدي إلى إضعاف قيمة الدليل الذي بُني عليها وقد تصل إلى حد تقويض الحكم إذا ثبت أن هذا الحكم تأسس عليها بصورة جوهرية كما تفتح المجال لإعادة المحاكمة متى تبين أن الحقيقة قد حُجبت عن المحكمة بفعل هذه الشهادة ولا تقف الآثار عند حدود الدعوى الأصلية بل تمتد إلى مساءلة الشاهد جزائياً بعقوبة مستقلة وإلى مسؤوليته مدنياً عن تعويض الضرر الذي ألحقه بالغير نتيجة تضليل القضاء وهو ما يعكس خطورة هذه الجريمة بوصفها جريمة ذات أثر مزدوج جزائي ومدني في آن واحد.
وفيما يتعلق بالعقوبة فقد نصت المادة 214 من قانون العقوبات الأردني على معاقبة من يشهد زوراً بالحبس من ثلاثة أشهر إلى ثلاث سنوات بعد حلف اليمين أمام جهة قضائية مختصة غير أن المشرّع لم يقف عند هذا الحد بل شدد العقوبة إذا ترتب على الشهادة الكاذبة نتائج جسيمة فإذا أدت إلى الحكم بعقوبة خطيرة كالإعدام أو الأشغال الشاقة المؤبدة فإن العقوبة ترتفع إلى الأشغال الشاقة المؤقتة أما إذا نُفذ حكم الإعدام استناداً إلى شهادة زور ثم تكشف كذبها فإن العقوبة قد تصل إلى الأشغال الشاقة المؤبدة وذلك كله مشروط بثبوت العلاقة السببية المباشرة بين الشهادة والحكم الصادر وهو شرط دقيق تخضع عناصره لتقدير القضاء.
وفيما يتعلق بالرجوع عن الشهادة فإن هذه المسألة تُعد من أدق المسائل التطبيقية حيث يميّز القضاء بين مرحلتين أساسيتين فإذا بادر الشاهد إلى الرجوع عن أقواله الكاذبة قبل صدور الحكم فإن هذا السلوك لا يمحو الجريمة من حيث الأصل ولكنه يُعد سبباً مخففاً تقديرياً تأخذ به المحكمة عند تقدير العقوبة لما ينطوي عليه من دلالة على تراجع الإرادة الجرمية وتصحيح مسار العدالة أما إذا تم الرجوع بعد صدور الحكم فإن الأثر يكون أكثر تعقيداً إذ قد يشكل سبباً لإعادة المحاكمة إذا ثبت أن الشهادة كانت مؤثرة في الحكم غير أنه لا يعفي الشاهد من المسؤولية الجزائية عن فعله السابق.
وخلاصة القول أن جريمة شهادة الزور ليست مجرد انحراف عن الصدق بل هي عدوان مباشر على وظيفة القضاء وأن التعامل معها قانوناً وقضاءً يقوم على معادلة دقيقة قوامها عدم التهاون مع الكذب المتعمد وفي الوقت ذاته عدم التوسع في التجريم دون دليل يقيني مع فتح المجال أمام التراجع الصادق كعامل يخفف من وطأة المسؤولية دون أن يلغيها حفاظاً على هيبة العدالة واستقرارها.