كيف أصبح التقسيط أسلوباً يومياً لشراء الاحتياجات الأساسية في البيوت الأردنية؟

mainThumb
كيف أصبح التقسيط أسلوباً يومياً لشراء الاحتياجات الأساسية في البيوت الأردنية؟

20-05-2026 03:08 PM

printIcon

أخبار اليوم - تالا الفقيه - يشهد سوق الشراء بالتقسيط في الأردن توسعاً ملحوظاً خلال الفترة الأخيرة، مع تزايد اعتماد مواطنين على أنظمة الدفع المؤجل لتأمين احتياجات أساسية ومنزلية كانت تُشترى سابقاً نقداً، في مشهد يعكس حجم الضغوط الاقتصادية التي تواجه كثيراً من الأسر، ويطرح في الوقت ذاته تساؤلات حول حدود هذا التوسع وتأثيره على الاستقرار المالي والاجتماعي.

وباتت لافتات “اشترِ الآن وادفع لاحقاً” و”التقسيط المريح” حاضرة بقوة في معارض الأثاث والأجهزة الكهربائية وحتى بعض المتاجر اليومية، وسط إقبال متزايد من عائلات ترى في التقسيط الوسيلة الوحيدة لتأمين متطلبات الحياة في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.

ويقول مواطنون إن الرواتب لم تعد تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية دفعة واحدة، ما دفع كثيرين إلى اللجوء للتقسيط حتى في أمور كانت تعتبر سابقاً من الكماليات. أحد الموظفين أوضح أن شراء الأجهزة المنزلية أو تأثيث البيت أصبح “مهمة شبه مستحيلة” دون تقسيط، مضيفاً أن كثيراً من الأسر تؤجل احتياجاتها لأشهر طويلة بانتظار فرصة دفع مريحة.

في المقابل، ترى أسر أخرى أن التقسيط لم يعد يقتصر على الأثاث أو الأجهزة، بل امتد ليشمل احتياجات يومية وتعليمية وصحية، ما يعكس تغيراً واضحاً في نمط الإنفاق داخل المجتمع. وتقول إحدى السيدات إن العائلات أصبحت تدير حياتها “بالدفعات الشهرية”، معتبرة أن التقسيط منح كثيرين فرصة للحفاظ على مستوى معيشي مقبول رغم الظروف الصعبة.

لكن هذا التوسع لا يخلو من مخاوف وتحذيرات، إذ يرى مواطنون أن الاعتماد المفرط على الشراء بالأقساط قد يحوّل الأسرة إلى رهينة لالتزامات شهرية متراكمة، خاصة مع تعدد الجهات الممولة وسهولة الحصول على التمويل دون تقدير دقيق للقدرة على السداد.

ويقول بعض المنتقدين إن ثقافة “اشترِ الآن وفكر لاحقاً” بدأت تتسلل إلى المجتمع، محذرين من أن الإغراءات التسويقية قد تدفع البعض إلى شراء احتياجات تفوق قدرتهم الفعلية، ما يفتح الباب أمام التعثر المالي والمشكلات الأسرية.

من جهتهم، يشير مراقبون اقتصاديون إلى أن ازدياد الشراء بالتقسيط غالباً ما يرتبط بتراجع القوة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، معتبرين أن الظاهرة تعكس تغيراً في سلوك المستهلك الأردني الذي بات يبحث عن حلول مرنة لتجاوز الضغوط اليومية. ويرى هؤلاء أن التقسيط بحد ذاته ليس مؤشراً سلبياً، بل يصبح مقلقاً عندما يتحول إلى وسيلة لتغطية الاحتياجات الأساسية بشكل دائم.

كما يؤكد مختصون في الاقتصاد الأسري أن بعض العائلات تدخل في دوامة من الالتزامات الشهرية دون تخطيط مالي واضح، ما يجعل أي ظرف طارئ كفقدان العمل أو ارتفاع المصاريف سبباً مباشراً للأزمة. ويشدد هؤلاء على أهمية التوعية المالية وضرورة التفريق بين الحاجة الفعلية والرغبة الاستهلاكية.

في المقابل، يرى مختصون في قطاع التجارة والتمويل أن أنظمة التقسيط ساهمت في تنشيط الأسواق ومنحت شرائح واسعة فرصة الحصول على احتياجاتها بطرق أكثر مرونة، خاصة في ظل صعوبة الدفع النقدي الكامل. ويؤكد بعضهم أن التقسيط أصبح جزءاً من الاقتصاد الحديث في مختلف دول العالم، وليس ظاهرة محلية مرتبطة بالأزمات فقط.

وبين من يعتبر التقسيط طوق نجاة للأسر في مواجهة الغلاء، ومن يراه بوابة لاستنزاف طويل الأمد، يستمر اتساع هذه الظاهرة داخل المجتمع الأردني، في وقت يبدو فيه أن العلاقة بين المواطن والدخل والأسعار باتت أكثر تعقيداً من أي وقت مضى، وأن “القسط الشهري” أصبح بنداً ثابتاً في حياة كثير من العائلات.