الاستدامة بين المسؤولية الفردية والتحديات العالمية

mainThumb
الاستدامة بين المسؤولية الفردية والتحديات العالمية

26-05-2026 12:09 PM

printIcon

د. ماهر سليمان الزيادات
أستاذ مساعد في الاستدامة والابتكار التكنولوجي وريادة الأعمال المملكة المتحدة

في كل مرة تُطرح فيها قضية الاستدامة، يعتقد كثيرون أنها مسؤولية الحكومات، أو الشركات الكبرى، أو المنظمات الدولية فقط، وكأن الفرد العادي يقف خارج هذه المعادلة بلا دور حقيقي. لكن الحقيقة الصادمة هي أن هذا الاعتقاد بحد ذاته جزء من المشكلة.
الاستدامة بمفهومها البسيط تعني تلبية احتياجاتنا اليوم دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تلبية احتياجاتها. أي أن نستخدم الموارد المتوفرة بوعي، ونحافظ على قيمتها، ونمنع استنزافها. لذلك، فهي ليست مسؤولية الآخر أو الغير، بل مسؤولية تبدأ من عند كل فرد، من سلوكنا اليومي ومن القرارات الصغيرة التي نتخذها كل يوم دون أن نشعر. إنها قضية وجود بالنسبة لأجيالنا القادمة لأننا ببساطة وفي ظل النمط الاستهلاكي المفرط الحالي لا نستهلك حصتنا فقط من الموارد، بل نستهلك أيضاً حق الأجيال القادمة.
المغالطة الأخرى التي يستند إليها الكثيرون هي: ”أنا لست متأثراً، إذاً أنا غير معني“. نحن نعيش على كوكب محدود الموارد وليس على كوكب قادر على العطاء إلى ما لا نهاية. والحقيقة أن أي خلل يحدث في أي جزء منه ينعكس سريعاً على الجميع. واليوم، لم تعد مؤشرات الخطر مجرد توقعات مستقبلية، بل أصبحت واقعاً نعيشه بالفعل. ارتفاع درجات الحرارة، التصحر، شح المياه، تلوث الهواء، فقدان التنوع الحيوي، ذوبان الجليد في القطبين، واختلال الأنظمة البيئية كلها إشارات واضحة إلى أن العالم يقترب من مرحلة حرجة ضمن واقع يتشكل اليوم، وسيدفع ثمنه كل إنسان بشكل مباشر أو غير مباشر.
الأرقام لا تجامل أحداً. في الأردن، حصة الفرد من المياه لا تتجاوز 60 متراً مكعباً سنوياً، مقارنة بـ 500 متر مكعب كحد أدنى عالمياً. وتبدو الصورة أكثر حساسية وخطورة حيث ننتج ما يقارب 2.7 مليون طن من النفايات الصلبة سنوياً. أي ما يعادل 0.8 إلى 1 كغ للفرد يومياً، ومع النمو السكاني هذه الكمية في تزايد مستمر. ورغم هذا الحجم الكبير من النفايات، فإنه لا يتم إعادة تدوير سوى 7% إلى 15% فقط، بينما لا تتجاوز نسبة إعادة تدوير البلاستيك 16%. بمعنى آخر إن معظم ما نرميه لا يعود إلى دورة الاقتصاد مرة أخرى. نحن بالفعل أمام أزمة وتحدٍ حقيقي يمس حياتنا، وزراعتنا، وأمننا الغذائي، وحتى استقرارنا الاقتصادي والاجتماعي.
بناءً على ما سبق، نحن جميعاً متأثرون، لكن السؤال المركزي هو: هل نحن أيضاً مساهمون؟ كل تصرف يومي نقوم به يحمل أثراً بيئياً. طريقة استهلاكنا، ما نشتريه، ما نهدره، وكيف نتخلص من النفايات كلها قرارات صغيرة، لكنها تتراكم لتشكل أثراً هائلاً بمرور الوقت. الإسراف في استخدام الموارد، الاعتماد المفرط على البلاستيك، هدر الطعام، الاستخدام غير الواعي للكهرباء أو المياه، ثقافة ”الاستهلاك السريع“، وعدم الالتزام بالممارسات المستدامة كلها تساهم في تعميق الأزمة وتترك أثراً سلبياً يساهم في تدمير البيئة.
لنأخذ مثالاً بسيطاً لإدراك أثرنا البيئي: كم نستخدم من الأكياس البلاستيكية يومياً؟ كل كيس بلاستيكي، وغالباً ما يُستخدم مرة واحدة، قد يحتاج إلى ما يقارب 400 عام ليتحلل. مجرد استخدام واحد لدقائق قد يترك أثراً يمتد لقرون. فما بالك بمليارات الأكياس المستخدمة يومياً حول العالم؟ هناك حل بسيط إذا عوّدنا أنفسنا عليه، وهو استخدام حقيبة قماش متعددة الاستخدام والتي قد تعادل إستخدام أكثر من 100 كيس بلاستيكي. مثال آخر من حياتنا اليومية: لإنتاج قميص قطني واحد نحتاج إلى نحو 2700 لتر من المياه، بينما إنتاج بنطال واحد من الجينز يستهلك تقريباً 3781 لتراً من الماء، بالإضافة إلى عشرات ساعات العمل في عمليات الزراعة والإنتاج. عندما نتخلص من هذه المنتجات برميها، فإننا لا نخسر قيمتها المالية فقط، بل نهدر أيضاً هذه الكميات الضخمة من المياه والجهود المبذولة في زراعتها وصناعتها. بمعنى آخر، نحن لا نرمي قطعة ملابس… بل نرمي موارد ثمينة. هنا يظهر جوهر الاستدامة الحقيقي ليس فقط في تقليل الاستهلاك، بل في الحفاظ على قيمة المنتج لأطول فترة ممكنة، من خلال إعادة الاستخدام، وإعادة التدوير، وإطالة دورة حياة المنتج بدلاً من التخلص منه بسرعة.
حتى الهاتف المحمول الذي نحمله في جيوبنا يحمل بصمة كربونية ضخمة. فقبل أن يصل إلينا، تمر مكوناته بمراحل طويلة من استخراج معادن ومواد خام من الأرض، نقلها إلى المصانع، استهلاك كميات هائلة من الطاقة في التصنيع، ثم الشحن والنقل عبر السفن والطائرات، وأخيراً الاستهلاك اليومي وشحن البطارية باستمرار. بمعنى آخر، كل شيء نستهلكه تقريباً يترك أثراً على البيئة.
البعض يعتقد أن مساهمته الفردية لن تغيّر شيئاً، لكن الحقيقة أن أعظم التحولات تبدأ من سلوك جماعي يتشكل من قرارات فردية صغيرة. إذا قرر ملايين الناس تبني عادات جديدة تصب نحو الاستدامة، فإن الأثر سيكون هائلاً.
السؤال الحقيقي اليوم هو: هل أنا مستعد أن أتحمل مسؤوليتي وأن أُحدث فرقاً واضحاً ؟ فلا يمكن أن نطالب بشوارع وأماكن عامة ومتنزهات وبيئة نظيفة بأسلوب حياة يقود إلى التلوث. أو أن نطالب بمستقبل أفضل في ظل وجود عادات إستهلاكية سيئة وغير منضبطة! الاستدامة تتحقق عندما يتحمل كل فرد مسؤوليته ضمن جهود أوسع تشمل الجميع، على مستوى الأسر والمجتمعات، والشركات، والمدارس، والجامعات، والحكومات، ضمن استراتيجيات وخطط واضحة تشمل كل القطاعات.
المستقبل الذي سنعيشه غداً والذي ستعيشه الأجيال القادمة نصنعه اليوم بسلوكنا و أفعالنا.
د. ماهر سليمان الزيادات
أستاذ مساعد في الاستدامة والابتكار التكنولوجي وريادة الأعمال
المملكة المتحدة