أخبار اليوم - في مخيم حلاوة الواقع شرق منطقة جباليا البلد وعلى مقربة من الخط الأصفر، تفصل مئات الأمتار بين خيام النازحين وعدة مواقع إسرائيلية مقامة على تلال مرتفعة تكشف مساحات واسعة من المنطقة المدمرة، وتراقب أبراج مرتفعة وطائرات بدون طيار كل حركة داخل المخيم.
ويتخوف أهالي المخيم من تهديد قادة الاحتلال بتوسعة الخط الأصفر والذي يمكن أن يهدد أكثر من 1800 عائلة تسكن المخيم بالنزوح القسري يعيشون في ظروف إنسانية صعبة نتيجة إطلاق النار اليومي من قبل جيش الاحتلال والذي أدى لاستشهاد أربعة من سكان المخيم وإصابة نحو 30 شخصا.
وبفعل الخطين الأصفر والبرتقالي يحصر الاحتلال المواطنين في 40% من مساحة القطاع الإجمالية البالغة 365 كيلو مترا مربعا، لتكون المساحة المتاحة للمواطنين نحو 146 كيلو مترا مربعا.
مكان مرعب
لم يدرك حلاوة أن إقامة خيمته على تلة مرتفعة قليلا سيحولها إلى مكان مرعب، مع إطلاق الاحتلال النار بشكل عشوائي تجاه الخيام إحدى الرصاصات أصابت رأس طفله آدم (14 سنة) عندما قام بتعبئة جالون ماء صغير وأثناء محاولته الصعود للخيمة أصابته الرصاصة التي أدت إلى استشهاده في إبريل/ نيسان الماضي.
يجلس حلاوة على باب الخيمة بجواره تجلس زوجته وطفله، جاؤوا للخيمة التي تركوها منذ استشهاد ابنهم لجلب غرض ضروري، تذرف عيونهم دموعا لم تجف، فلا زال قلب الأبوين يكتوي بنار الفراق، يروي لصحيفة "فلسطين": "استشهد ابني أمامي ومنذ تلك اللحظة لم نعد ننام في الخيمة ونتنقل بين خيام الأقارب، وإذا جئنا إلى هنا لجلب أغراض فإننا نسير زحفا من شدة إطلاق الرصاص في وقت الصباح، وأحيانا نغطي رؤوسنا بالأواني"، واصفا المشهد في المنطقة بأنه "مرعب".
فيما يحاول التماسك، يشرح صعوبة الوضع قائلا: "لا نستطيع النوم هنا خاصة مع ساعات الليلة، فتتحول المنطقة إلى مكان أشباح، ويأتي الرصاص إلى الخيام كما أصابت واحدة رأس ابني".
ينظر حلاوة إلى المساحة المكشوفة أمام خيمته، وإلى المواقع العسكرية التي تراقب المخيم وتبعد نحو 800 متر قائلا بنبرات مليئة بالقلق: " لا زلنا نخشى بأي لحظة أن يتوسع الخط ويقوم الاحتلال بتهجيرنا مرة أخرى، بعدما عانينا من النزوح وعدنا إلى أراضينا وتكيفنا مع واقع صعب يحيط بنا الخطر من كل مكان".
في بعض المناطق اقتربت المكعبات الصفراء من شارع صلاح الدين، وفي حي التفاح شرق مدينة غزة تخطت الشارع، وسط مخاوف الأهالي المتواجدين على مقربة من الخط من تمدد جديد يهدد آخر أماكن النزوح التي لجؤوا إليها.
قرب مسجد المحطة كان بعض الجيران يجلسون أمام محل تجاري يحاولون الاحتماء خلف المباني من الرصاص كون المنطقة مكشوفة والمسافة الفاصلة عن المواقع العسكرية لا تزيد عن 500 متر، يتكئ أحدهم على عكازين بعد إصابته بطلق ناري أطلقه جيش الاحتلال، وبحذر يسير الناس في المكان الذي يمنع الاحتلال شاحنات توزيع المياه من الوصول للمنطقة.
في الشارع الخلفي بمحيط مدرسة دار الأرقم، تعيش منال حسونة في منزل مكون من طابقين دمر الاحتلال معظم بيوت المربع السكني الذي تسكن فيه وأغلق الركام الطريق المؤدي لمنزلها وللوصول إليه تحتاج إلى تسلق الركام في كل مرة، تضررت معظم أعمدته.
تشعر حسونة أنها "تعيش في الهواء" فالواجهة المقابلة لمواقع الاحتلال مفرغة وغطتها بالشوادر، ما يزيد من المخاطر، وتخشى هي وجيرانها أن يتوسع الخط أكثر ليشملهم النزوح فبات شارع "يافا" هو المكان الفاصل بينهم وبين الخط.
تقف أمام منزلها وهي تضع جبيرة طبية على يدها المصابة إثر شظايا قنبلة ألقتها عليها مسيرة "كواد" كابتر أثناء محاولتها العودة لمنزلها في سبتمبر/ أيلول 2025، وتحتاج للسفر لاستكمال العلاج بعد خضوعها لعمليات جراحية، وتروي لصحيفة "فلسطين": "تأتي مسيرة "كواد كابتر" وتقوم بإطلاق النار المباشر على بيوتنا في محاولة لدفعنا للتهجير. نعاني هنا من الخوف والرعب نتيجة القصف المدفعي والرصاص وأصوات الطائرات المنخفض. نعيش هنا بعناية الرحمن بانتظار الفرج".
"نحاول البقاء هنا.."
أما إيمان حسونة والتي كانت تجلس على باب خيمة أخرى مقامة بجانب حائط لحماية العائلة المكونة من عشرة أفراد من الرصاص والشظايا، فتشعر بعدم الاستقرار في المنطقة، وتقول لصحيفة "فلسطين" بملامح يسيطر عليها الخوف من المجهول: "نشعر بأننا بأي وقت سنفر من المنطقة تحت القصف. لكننا نحاول البقاء والعيش هنا لأنها أراضينا، لأن الخط الأصفر كان في السابق بمحيط بمستشفى الدرة ثم تقدم لشارع صلاح الدين وتخطاه ولم يعد يفصلنا عنه سوى شارع يافا ومتنزه المحطة".
تعيش حسونة على مقربة من منزلها المدمر، وما يشعرها بنوع من الاطمئنان أن هناك العديد من البيوت القائمة أمام الخيام المقامة هنا ما تمنع كشفهم من قبل المواقع العسكرية الإسرائيلية، ما يسمح لنساء العائلة التجمع عصرا في أرض مكشوفة للترفيه عن النفس قبل أن يلتزم الجميع خيامهم مع حلول المساء والذي ينشط فيه القصف والتمشيط الناري، والذي تسمع فيه أصوات محركات دبابات جيش الاحتلال بشكل يبعث الخوف. وفق تعبير حسونة.
من "جنة" إلى أرض قاحلة
بنفس المكان يعيش عبد الناصر حسونة في خيمة، بعد تدمير منزله الواقع على شارع صلاح الدين، ونتيجة تقدم الخط الأصفر ليتخطى الطريق نزح هو وعائلته لهذه المنطقة في محاولة في البقاء على مقربة من المكان الذي يتمنى أن يعود إليه في أي انسحاب لجيش الاحتلال.
في داخل أرض زراعية ترثي سعاد غزال بقهر أرضها التي تصفها بأنها كانت "جنّة ترد الروح" لتتحول إلى أرض قاحلة ذبلت فيها الأشجار والزهور بفعل القصف الإسرائيلي الذي دمر المنطقة وطال منزلها الذي كان يطل على الأرض، لتعيش في جزء متبقي منه تعاني من القصف وأصوات الطائرات والرصاص والقوارض، وتقول لصحيفة "فلسطين" إنها عندما تريد الخروج من المنزل تضطر لسلك شوارع خلفية خوفا من الرصاص القادمة من المواقع العسكرية.
فلسطين أون لاين