أخبار اليوم - لم يكن فهد أبو داهوك بحاجة إلى كثير من الشرح وهو يقف أمام أنابيب مياه مقطعة على أطراف تجمعه السكني في بلدة بيت إكسا، شمال غرب القدس.
اكتفى بالإشارة إلى الخطوط المبعثرة على الأرض، قائلا إن المستوطنين الإسرائيليين أتلفوها منذ أيام، لتضاف إلى سلسلة طويلة من المضايقات التي يقول إن سكان المنطقة يعيشونها منذ أشهر.
في هذا المكان المحاصر بالجدار والحواجز والمستوطنات، لا تبدو معاناة السكان حدثا طارئا أو عابرا، لكنها بدأت تتصاعد منذ أشهر، بحسب أبو داهوك.
ويضيف للجزيرة: "بدأت وتيرة الاعتداءات تتصاعد مع استقرار مستوطن في المنطقة، وتبع ذلك قيود وملاحقات واعتداءات متكررة على السكان ومواشيهم".
منع الوصول للرعي
يشير الرجل إلى التلال المحيطة الممتدة على مسافات واسعة، موضحا أنها مناطق كانت تُستخدم للرعي والحركة اليومية لكنها أصبحت اليوم محظورة عليهم.
يضيف أن المستوطنين يمنعون الأهالي من دخولها سيرا على الأقدام أو برفقة أغنامهم، الأمر الذي حوّل تربية المواشي، وهي مصدر رزق أساسي للسكان، إلى مهمة شبه مستحيلة.
قبل أيام، هاجم مستوطن أفرادا كانوا يرعون الأغنام في المنطقة، وفق رواية أبو داهوك، واعتدى عليهم بالضرب.
لم يكن ذلك الحادث الوحيد الذي يرويه، فالرجل يتحدث عن واقع يومي من الاستفزازات والقيود التي انعكست مباشرة على حياة السكان وقدرتهم على البقاء.
ووسط الحقول الجافة، تبدو الأغنام وكأنها تشارك أصحابها معاناة الحصار نفسه. يقول أبو داهوك إن المواشي باتت محبوسة تماما، بعد إغلاق مساحات الرعي أمامها بشكل كامل تقريبا.
ومع تراجع المساحات المتاحة، ترتفع كلفة تربيتها وتتراجع قدرة العائلات على الاعتماد عليها كمصدر دخل وغذاء.
تضييق متواصل منذ 35 عاما
يعود أبو داهوك بذاكرته عشرات السنين إلى الوراء، مستذكرا نمط الحياة الذي اعتادت عليه عائلته.
فقبل نحو خمسة عقود كانوا يتنقلون بين بيت إكسا والأغوار وفق المواسم، يقضون الشتاء في الأغوار حيث الدفء ويعودون صيفا إلى بيت إكسا، لكن هذا النمط توقف بعدما منعهم الاحتلال من مواصلة تنقلهم، ليستقروا بشكل دائم في بيت إكسا منذ نحو 35 عاما.
ويرى أبو داهوك أنه لا يمكن فصل الاعتداءات الحالية عن هدف أكبر يتمثل في دفع السكان إلى مغادرة المكان. ويبين أن التضييق لا يقتصر على الرعي أو المياه، بل يشمل مختلف تفاصيل الحياة اليومية.
ويشير بيده نحو الجدار الفاصل القريب، موضحا أن الوصول إلى القدس والمناطق المحيطة بها أصبح مستحيلا بالنسبة لهم. ويضيف أن غياب المواصلات وصعوبة التنقل يزيدان من عزلتهم.
فهد أبو داهوك يحاصر الجدار والمستوطنات بلدة بيت إكسا قرب القدس من جهاتها الأربع، فلم لم يعد التضييق يقتصر على الحركة فقط، بل بات محاولة مستمرة لدفع السكان إلى ترك أرضهم
فهد أبو داهوك
يحاصر الجدار والمستوطنات بلدة بيت إكسا قرب القدس من جهاتها الأربع، فلم لم يعد التضييق يقتصر على الحركة فقط، بل بات محاولة مستمرة لدفع السكان إلى ترك أرضهم
لا خيار سوى البقاء
وخلال جولة ميدانية في المنطقة، ظهر عدد من الأشخاص المسلحين على مسافة غير بعيدة من التجمع السكني. أشار إليهم أبو داهوك باعتبارهم تابعين للمستوطن الموجود في المنطقة. ولاحقا، وصلت آليات عسكرية إسرائيلية إلى المكان، بينما طالب جنود السكان وطاقم الجزيرة بمغادرته ومنعوا التصوير.
ورغم ذلك، لا يتحدث أبو داهوك عن الرحيل كخيار مطروح. ويؤكد أن البقاء فيها جزء من معركة يومية يخوضها السكان للحفاظ على وجودهم.
وبينما يقف وسط أرض تضيق يوما بعد آخر، يكرر موقفه بوضوح: "قد نموت هنا، لكننا لن نرحل، وسنبقى صامدين في أرضنا مهما كانت الصعوبات".
وتُعد بيت إكسا واحدة من أكثر القرى الفلسطينية عزلة شمال غرب القدس، إذ تحاصرها المستوطنات والطرق الالتفافية والجدار الفاصل والحواجز العسكرية من مختلف الجهات.
ولا يملك سكان القرية، البالغ عددهم نحو ألفي نسمة، سوى مدخل واحد عبر حاجز عسكري إسرائيلي، ما يجعل الحركة اليومية إلى أماكن العمل والدراسة والخدمات الأساسية مرتبطة بإجراءات تفتيش وقيود متواصلة.
وتبلغ المساحة التاريخية لبيت إكسا نحو 14 ألفا و221 دونما (الدونم ألف متر مربع)، إلا أن الفلسطينيين لا يستطيعون البناء والتوسع العمراني إلا على مساحة تقدر بنحو 650 دونما فقط، وفق معطيات مجلس المحي.
الجزيرة