المديونية والسيادة الاقتصادية في الأردن .. ماذا تقول الأرقام بعيداً عن الشائعات؟

mainThumb
المديونية والسيادة الاقتصادية في الأردن.. ماذا تقول الأرقام بعيداً عن الشائعات؟

17-06-2026 02:58 PM

printIcon

الدكتور خالد محمد السُليمي: عقيد ركن متقاعد باحث ومحلل في الشؤون الاستراتيجية والعسكرية

بين الأرقام والحقائق ... الاشاعات والانطباعات
في الآونة الأخيرة، ومع زيارة وفود دولية ومؤسسات مالية إلى الأردن، وفي مقدمتها لجان من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، تصاعدت في الشارع الأردني موجة واسعة من التساؤلات والتكهنات بل والشائعات أحياناً، حول طبيعة هذه الزيارات وما إذا كانت تحمل شروطاً أو إملاءات تمس القرار الاقتصادي والسيادة الوطنية، وفي ظل محدودية التوضيحات الرسمية وغياب خطاب اقتصادي مبسط يجيب عن أسئلة المواطنين بوضوح وشفافية، وجدتُ أن الواجب الوطني والمسؤولية الفكرية يفرضان العودة إلى المصادر الرسمية الموثقة، من تقارير وزارة المالية والبنك المركزي الأردني وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بحثاً عن الحقيقة بعيداً عن الانفعال أو التهويل، فالقضايا المرتبطة بالدين العام والاقتصاد والسيادة ليست شأناً حكومياً فحسب، بل قضية وطنية تمس كل أردني، مهما اختلفت خلفيته العلمية أو الثقافية، ومن هنا جاءت هذه المقالة محاولةً لتقديم قراءة موضوعية تستند إلى الأرقام والحقائق، لا إلى الإشاعات والانطباعات.

الأردن ومديونية الدولة: بين ضرورة الإصلاح وحدود الارتهان المالي
ليست المديونية العامة في الأردن مجرد بندٍ في الموازنة أو رقمٍ في تقارير وزارة المالية، بل أصبحت أحد أهم محددات القرار الاقتصادي والسياسي للدولة، فبحسب بيانات وزارة المالية الأردنية حتى نهاية عام 2025، بلغ إجمالي الدين العام نحو 47.4 مليار دينار أردني، متجاوزاً حاجز 108% من الناتج المحلي الإجمالي عند احتساب ديون المؤسسات المضمونة حكومياً، ويتوزع هذا الدين بين دين خارجي يقارب 20.2 مليار دينار، ودين داخلي يتجاوز 16 مليار دينار، إضافة إلى مديونية مؤسسات عامة استراتيجية، وهذه الأرقام لا تعني أن الأردن يقف على حافة الانهيار المالي كما يروج البعض، لكنها في المقابل لا تسمح بالاطمئنان الكامل، فالدول لا تُقاس بحجم ديونها فقط، بل بقدرتها على خدمتها وتوظيفها في التنمية، والسؤال الذي يفرض نفسه اليوم: هل أصبح الدين أداة للنمو أم عبئاً يؤجل الاستحقاقات الاقتصادية من جيل إلى آخر؟

الأردن ومسار طويل من برامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي
منذ الأزمة الاقتصادية عام 1989، دخل الأردن في مسار طويل من برامج الإصلاح مع صندوق النقد الدولي، في واحدة من أطول العلاقات التمويلية في المنطقة، وتشير بيانات صندوق النقد الدولي إلى أن الرصيد القائم من التسهيلات الممنوحة للأردن بلغ نحو 1.57 مليار وحدة حقوق سحب خاصة (SDR)أي ما يعادل تقريباً 2.1–2.2 مليار دولار أمريكي حتى عام 2026، وعلى امتداد أكثر من ثلاثة عقود، وقّعت المملكة ما يقارب 11 برنامجاً إصلاحياً وتمويلياً مع الصندوق، استهدفت تعزيز الاستقرار المالي وضبط العجز وإصلاح المالية العامة، غير أن السؤال المشروع الذي يطرحه الأردنيون اليوم لا يتعلق بحجم القروض فحسب، بل بنتائجها أيضاً: إذا كانت برامج الإصلاح قد استمرت لعقود، فلماذا ما زالت المديونية ترتفع؟ ولماذا لم يتحقق التحول الاقتصادي المنشود بالسرعة الكافية؟

الخطاب الشعبي ... علاقة الأردن مع صندوق النقد الدولي
يختزل بعض الخطاب الشعبي العلاقة مع صندوق النقد الدولي بعبارة "تحكم الصندوق بالاقتصاد الأردني"، بينما يرى آخرون أن الصندوق كان صمام أمان حال دون وقوع أزمات مالية أعمق، والحقيقة أن كلا الرأيين يحمل جزءاً من الواقع، فالصندوق لا يمتلك سلطة دستورية أو تنفيذية داخل الدولة الأردنية، ولا يفرض قوانين أو يُعيّن حكومات، لكن الاقتصاد الحديث لا تحكمه النصوص القانونية وحدها، إذ إن الدول المدينة تصبح أكثر حساسية لشروط التمويل الدولية، ولتصنيفات الائتمان، ولثقة الأسواق العالمية، ومن هنا، فإن الحديث عن "سيطرة مباشرة" يفتقر إلى الدقة، بينما تبدو عبارة "تأثير اقتصادي مرتفع ناتج عن الاعتماد التمويلي" أقرب إلى الواقع، فكلما ازدادت الحاجة إلى التمويل الخارجي، ضاقت مساحة الخيارات الاقتصادية الوطنية، حتى دون وجود تدخل سياسي مباشر.

السؤال الأكثر أهمية لا يزال قائماً
هل كانت برامج صندوق النقد ضرورية لاستقرار الأردن المالي أم أنها زادت عبء المديونية؟ القراءة الموضوعية للأرقام تقود إلى إجابة مركبة، فمن ناحية، أسهمت هذه البرامج في الحفاظ على استقرار الدينار الأردني، وتعزيز الاحتياطيات الأجنبية لدى البنك المركزي، والحفاظ على قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها في بيئة إقليمية مضطربة، ومن ناحية أخرى، لم تتمكن برامج الإصلاح وحدها من تحقيق معدلات نمو مرتفعة تكفي لتقليص الدين بصورة مستدامة، إذ ظل الاقتصاد ينمو بمعدلات أقل من المطلوب لاستيعاب البطالة ورفع الإنتاجية، وبذلك، فإن المشكلة لم تكن في الإصلاح المالي بحد ذاته، بل في غياب نموذج اقتصادي إنتاجي موازٍ يُحول الاستقرار المالي إلى تنمية اقتصادية شاملة.

الأردن والقدرات الإستثنائية على الصمود أمام الأزمات الإقليمية والضغوط الجيوسياسية
لقد أثبت الأردن تاريخياً قدرة استثنائية على الصمود أمام الأزمات الإقليمية والضغوط الجيوسياسية، لكن مرحلة الصمود وحدها لم تعُد كافية، فالمستقبل الاقتصادي للدول لا يُبنى على الاقتراض الدائم ولا على التقشف المستمر، بل على خلق الثروة الوطنية، إن التحدي الحقيقي ليس في حجم الدين، وإنما في قدرة الاقتصاد على توليد قيمة مُضافة أعلى من كلفة هذا الدين، فالدول الناجحة لا تقترض لتستهلك بل تقترض لتستثمر، ولا تكتفي بإدارة الأزمة بل تصنع فرص النمو، ومن هنا، فإن المعركة الاقتصادية المقبلة للأردن ليست مع صندوق النقد الدولي، بل مع ضعف الإنتاجية، ومحدودية الاستثمار النوعي، واتساع الفجوة بين النمو الاقتصادي والطموح الوطني.

في الختام ... بين سيادة القرار وسيادة الاقتصاد في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس السيادة برفض المؤسسات الدولية أو القبول بها، بل بقدرة الدولة على تقليل حاجتها إليها، فكلما كان الاقتصاد أكثر إنتاجاً وتنافسية وابتكاراً، ازدادت حرية القرار الوطني واتسعت مساحة الخيارات الاستراتيجية، لقد نجح الأردن في الحفاظ على استقراره النقدي والمالي في واحدة من أكثر البيئات الإقليمية اضطراباً في العالم، وهو إنجاز وطني لا يمكن إنكاره، لكن الحفاظ على الاستقرار ليس خط النهاية، إنه نقطة الانطلاق نحو اقتصاد أكثر قوة وعدالة واستدامة، ويبقى السؤال الذي سيحكم مستقبل العقود المقبلة: هل نكتفي بإدارة الدين، أم نبني اقتصاداً يجعل الدين أداة للنمو لا عبئاً على الأجيال؟ إن التاريخ الاقتصادي للدول يثبت أن الأمم لا تنهض بما تملك من موارد فحسب، بل بما تمتلكه من رؤية وإرادة وقدرة على تحويل التحديات إلى فرص.

توصيات لصناع القرار الاستراتيجي في الدولة الأردنية
1. الانتقال من نموذج الاقتصاد الريعي والاستهلاكي إلى اقتصاد إنتاجي قائم على الصناعة والتكنولوجيا والمعرفة.
2. ربط أي اقتراض جديد بمشاريع رأسمالية ذات عائد اقتصادي قابل للقياس.
3. وضع هدف وطني ملزم لخفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي تدريجياً خلال عشر سنوات دون الميل والتوجه الى جيوب المواطنين الفارغة.
4. تعزيز استقلالية الاقتصاد الوطني عبر توسيع قاعدة الصادرات وتقليل الاعتماد على المساعدات الخارجية.
5. إطلاق برنامج وطني للاستثمار في رأس المال البشري والاقتصاد الرقمي باعتباره الثروة الاستراتيجية القادمة.
6. تعزيز الشفافية المالية بنشر بيانات الدين وكلفته وخطط إدارته بصورة دورية ومبسطة للرأي العام.

ملاحظات توثيقية: أهم المصادر الرسمية المعتمدة للأرقام الواردة:
1. وزارة المالية الأردنية نشرات الدين العام 2025. بلغت المديونية العامة نحو 47.4 مليار دينار ونسبة 108.8% من الناتج المحلي.
2. بيانات صندوق النقد الدولي. القروض القائمة للأردن بلغت 1.567 مليار وحدة حقوق سحب خاصة حتى مارس 2026، أي ما يقارب 2.1 الى 2.2 مليار دولار أمريكي، والأردن دخل 11 برنامجاً مع الصندوق منذ انضمامه عام 1952.
3. صندوق النقد الدولي. أكد استهداف خفض الدين إلى 80% من الناتج المحلي بحلول 2028 ضمن برنامج الإصلاح الحالي
4. استندت الأرقام الواردة إلى البيانات المعلنة من وزارة المالية الأردنية، والبنك المركزي الأردني، وصندوق النقد الدولي حتى 2025–2026.