سهم محمد العبادي
سوسن تفاحة، عندما أذكر هذا الاسم، أستذكر زمنًا كاملًا. زمنًا كانت فيه نشرة الثامنة تدخل بيوت الأردنيين بهيبة لا تقل عن هيبة الدولة، ولا عن هيبة الكلمة، وهيبة الحرف، وهيبة الرسالة التي يحملها الإعلام.
وكانت إلى جانبها أسماء كبيرة، أمثال إبراهيم شاهزادة، وغالب الحديدي، وجبر حجات، وعدنان الزعبي، وعفاف قضماني، وغيرهم ممن صنعوا مدرسة إعلامية بقيت حاضرة في ذاكرة الأردنيين. كان هناك احترام للكلمة، واحترام للمعنى، واحترام للرسالة، وكان من يقف أمام الشاشة يعرف أنه يحمل مسؤولية قبل أن يحمل ميكروفونًا.
وفي ذلك الزمن، كان الإعلامي يُبنى على قوة الخطاب، ورصانة اللغة، وقوة الشخصية، والقدرة على التأثير والإقناع، لا على الاستعراض. وكان القبول الذي يحظى به يولد من ثقافته، ومن احترامه لعقول الناس، ومن إيمانه بأن الإعلام رسالة قبل أن يكون مهنة، ولذلك بقيت أسماء ذلك الجيل حاضرة في وجدان الأردنيين حتى يومنا هذا.
في تلك الأيام، ما كان الصوت العالي مقياسًا للفهم أو للتأثير، وما كان الغنج، ولا "ردّي شعراتك مع كل فقرة"، ولا تدبيب "الخشم"، ولا "غمزة العين"، طريقًا إلى أن يُقال عن أحد إنه إعلامي أو مثقف. كانت الثقافة تُعرف من الكلمة، والحضور يُصنع بالرسالة، والاحترام يُكتسب من عقل الإعلامي، لا من استعراضه.
وتلك الحقبة ما عرفت تسفيه الإعلام، ولا تحويله إلى "عوالم"، على رأي أشقائنا المصريين، ولا سقوط رهيب بالكلمات والمفردات السوقية. كان هناك إعلام دولة، ورسالة إعلام، وكان الأردنيون يجتمعون أمام نشرة الثامنة، يستمعون بثقة، لأنهم يعرفون أن ما يصل إليهم رسالة تحترم عقولهم.
وأستذكر ذلك الجيل، لأننا، بكل تأكيد، ما شاهدنا فيه ما نشاهده اليوم من تسفيه للإعلام ورسالته، حتى بات كثير من الناس لا يراقبون المضمون، ولا الرسائل التي تحملها البرامج، بل فقدوا اهتمامهم بمتابعة كثير من البرامج أصلًا.
وأنا هنا لا أتحدث عن شاشة بعينها، ولا عن مؤسسة بعينها، وإنما عن حال الإعلام كله. متى أصبح المطلوب فيمن يقود الشاشة أن يكون "مغنوجًا"؟ ومتى تراجعت قيمة الأصول، والعادات، والأخلاق، والتقاليد؟ ومتى تراجع الإيمان برسالة الإعلام، ورسالة الدولة، والوطن، وشرف الكلمة؟
حتى باتت بعض البرامج، مع الأسف، تحتاج إلى مشاهد يمتلك القدرة على تحمّلها، أكثر مما تحتاج إلى إعلامي يمتلك القدرة على حمل الرسالة.
الإعلام اليوم يحتاج إلى ثورة بيضاء. لا أقول إننا نستدعي الماضي، فلكل زمن أدواته، لكنني أقول: لنتعلم من الماضي، ولنعد إلى ذلك الأساس القويم الذي منح الشاشة هيبتها، ومنح الإعلام احترامه، وجعل الكلمة تسبق الصورة، والرسالة تسبق الشهرة.
وسوسن تفاحة، بالنسبة لي، عنوان لمرحلة أثبتت أن الإعلام، عندما يحترم نفسه، يحترمه الناس... ويحترمه الوطن.