أخبار اليوم - لم تعد الخيام في قطاع غزة، بعد نحو ألف يوم من الإبادة، مجرد مأوى مؤقت للنازحين قسرا تحت وطأة القصف والدمار، بل تحولت إلى بيئة مثقلة بمخاطر صحية جديدة تتسلل بصمت مع كل ليلة. فمع تراكم الركام وتكدس النفايات وتدهور شبكات الصرف الصحي، انتشرت البراغيث والحشرات بشكل واسع داخل مخيمات الإيواء، لتضيف عبئا جديدا على حياة مئات آلاف النازحين.
هذه الآفات الصغيرة لم تعد مجرد إزعاج يومي، بل أصبحت سببا مباشرا في أمراض جلدية وحساسية والتهابات، خاصة بين الأطفال. ومع ضعف إمكانيات المكافحة وغياب حملات النظافة المنتظمة ونقص المبيدات، يجد السكان أنفسهم في مواجهة مفتوحة مع واقع صحي متدهور، حيث تتحول الليالي إلى معركة صامتة داخل الخيام، ويصبح النوم ترفا صعب المنال في بيئة تزداد تلوثا يوما بعد يوم.
مشكلة ليست عابرة
في مخيم إيواء غرب مدينة غزة، تعيش رقيبة عامر، وهي نازحة من شمال القطاع، مع أربعة أطفال داخل خيمة لا توفر سوى الحد الأدنى من الحماية من الظروف الجوية، لكنها تحولت في الأشهر الأخيرة إلى بيئة مثقلة بالحشرات والبراغيث التي تهاجم أفراد الأسرة بشكل شبه يومي. تقول عامر لصحيفة "فلسطين": "إن المشكلة لم تعد موسمية أو عابرة، بل أصبحت جزءا من تفاصيل الحياة اليومية داخل المخيم، حيث تبدأ المعاناة مع حلول الليل وتشتد مع ساعات الظلام الطويلة".
يواجه أطفال رقيبة لسعات متكررة تترك آثارا جلدية واضحة، مصحوبة بحكة شديدة تجعل النوم شبه مستحيل، ما يدفعها إلى إبقاء الأطفال في حالة يقظة متواصلة ومحاولة تهدئتهم طوال الليل. وتشير إلى أن الخيمة تقع في منطقة قريبة من تجمعات نفايات ومياه راكدة، ما يجعلها بيئة مثالية لتكاثر الحشرات، في ظل غياب أي خدمات نظافة منتظمة أو حملات رش فعالة.
وتضيف أن محاولاتها الفردية للتعامل مع المشكلة، سواء عبر تنظيف الخيمة أو استخدام مواد متاحة في الأسواق، "لا تحقق سوى نتائج مؤقتة، إذ تعود الحشرات بعد أيام قليلة بشكل أكبر. كما أن الوضع الصحي للأطفال بدأ يتدهور، مع ظهور التهابات جلدية وندوب صغيرة في مناطق مختلفة من أجسادهم نتيجة اللسعات المتكررة، ما اضطرها للبحث عن علاجات موضعية رغم صعوبة توفرها وارتفاع أسعارها".
وتؤكد عامر أن أكثر ما يرهقها هو شعورها بالعجز أمام هذا الواقع، حيث لا توجد وسائل حماية حقيقية داخل المخيم، ولا إمكانية لتغيير مكان السكن، في ظل استمرار النزوح وتكدس العائلات في مساحات محدودة.
وبين الخوف على أطفالها والقلق من تفاقم الإصابات، تعيش رقيبة حالة من الضغط المستمر، حيث تحولت الخيمة من مساحة أمان إلى مصدر دائم للتهديد الصحي.
معركة يومية
في حي النصر غرب مدينة غزة، داخل أحد مخيمات الإيواء المكتظة، يعيش فتحي أبو هلال تجربة مشابهة في قسوتها، حيث أصبحت البراغيث جزءا من يومياته داخل الخيمة. يقول أبو هلال لصحيفة "فلسطين": إن "الليل لم يعد وقتا للراحة، بل تحول إلى مرحلة استعداد لمواجهة جديدة مع الحشرات التي تنتشر في الفراش والملابس وحتى الرمال المحيطة بالمكان".
ويحاول أبو هلال التعامل مع المشكلة بوسائل محدودة، أبرزها استخدام مبيدات حشرية متوفرة في الأسواق، بعضها مخصص للأغراض الزراعية، لكنه يؤكد أن هذه الحلول لا تقدم سوى نتائج مؤقتة، إذ تختفي الحشرات لفترة قصيرة ثم تعود مجددا بوتيرة أكبر.
ويشير إلى أنه اضطر أكثر من مرة إلى رش الخيمة ومحيطها بشكل كامل، في محاولة للحد من انتشار البراغيث، إلا أن غياب أي معالجة جماعية يجعل المشكلة تعود بسرعة، خاصة مع انتشار النفايات وتكدس الخيام في محيط ضيق. كما أن استخدامه لمبيدات غير مخصصة للاستخدام المنزلي يضيف مخاوف أخرى تتعلق بسلامة الأطفال داخل الخيمة.
ويؤكد فتحي أن المشكلة ليست فردية، بل عامة وتشمل معظم المخيم، حيث تعاني العائلات من نفس الظروف، ما يجعل أي جهد فردي غير كاف لمواجهة هذه الآفة. ومع مرور الوقت، تتحول المعاناة إلى حالة من الإرهاق النفسي والجسدي، حيث يشعر السكان أنهم محاصرون بين واقع النزوح القاسي وبيئة غير صحية تتفاقم فيها الأزمات يوما بعد يوم.
أزمة غير مسبوقة
ويؤكد المدير التنفيذي لمجلس الخدمات المشترك لإدارة النفايات الصلبة في محافظتي غزة والشمال، عبد الرحيم أبو القمبز، أن الأزمة البيئية في قطاع غزة "بلغت مستوى غير مسبوق من التعقيد"، نتيجة الانهيار شبه الكامل في منظومة إدارة النفايات والمياه والصرف الصحي، وهو ما أدى إلى خلق بيئة مثالية لتكاثر البراغيث والحشرات والقوارض داخل المناطق السكنية ومخيمات النزوح.
ويقول أبو القمبز لصحيفة "فلسطين" إن التقديرات البيئية الصادرة عن جهات مختصة تفيد بأن الحرب خلّفت ما يزيد على 60 مليون طن من الركام الناتج عن تدمير المباني والبنية التحتية، إلى جانب أكثر من 700 ألف طن من النفايات الصلبة المتراكمة في الشوارع والمناطق السكنية ومحيط المخيمات، في ظل عجز شبه كامل عن النقل إلى المكبات الرئيسية بسبب تدمير الطرق ومنع الوصول إليها أو توقفها عن العمل.
ويضيف أن هذا الكم الهائل من النفايات، بالتوازي مع انهيار منظومة الصرف الصحي، حيث تضرر أو دُمّر ما يصل إلى نحو 80% من شبكات المياه والصرف الصحي، خلق بيئة رطبة وملوثة تشكل وسطا مثاليا لتكاثر الحشرات الناقلة للأمراض، بما فيها البراغيث والبعوض، إضافة إلى القوارض التي تتغذى على المخلفات العضوية والقمامة المتراكمة.
كما يوضح أن البلديات كانت قبل الحرب تنفذ برامج مكافحة دورية تعتمد على مبيدات ومواد فعالة، إلا أن الوضع الحالي يشهد نقصا حادا في هذه المواد، حيث تشير التقديرات الميدانية إلى أن الاحتياج الفعلي لعمليات المكافحة في قطاع غزة يتجاوز 100 طن من المبيدات، في حين لم يتم إدخال سوى نحو 15 طنا فقط، وهو ما يغطي جزءا محدودا جدا من الاحتياجات الفعلية ولا يسمح بتنفيذ حملات شاملة.
ويحذر أبو القمبز من أن استمرار هذا العجز، إلى جانب الكثافة السكانية المرتفعة داخل المخيمات التي تضم مئات آلاف النازحين في مساحات ضيقة، يرفع احتمالات تفشي الأمراض الجلدية والوبائية المرتبطة بالحشرات بشكل كبير، خاصة في ظل غياب خدمات النظافة المنتظمة وصعوبة الوصول إلى المناطق المتضررة.
ويؤكد أن استمرار تراكم النفايات وعدم القدرة على تشغيل منظومة نقلها ومعالجتها، "يعني ببساطة استمرار توسع البيئة الحاضنة للبراغيث والحشرات، ما يحول الأزمة من مشكلة بيئية إلى تهديد صحي مباشر يتصاعد مع مرور الوقت، ويستدعي تدخلا عاجلا لإعادة تشغيل منظومة إدارة النفايات والمياه والصرف الصحي بشكل طارئ".
فلسطين أون لاين