أخبار اليوم - لم تكن الوقفة التي نظمها جرحى ومرضى في ساحة مجمع ناصر الطبي بمدينة خانيونس مجرد تجمع احتجاجي، بل كانت مساحة امتلأت بصرخات الألم، ورسائل استغاثة حملها رجال ونساء أنهكتهم الإصابات والأمراض، فيما يواصل إغلاق الاحتلال الإسرائيلي المعابر حرمانهم من حقهم في العلاج خارج قطاع غزة.
وخلال الوقفة، التي التقت خلالها صحيفة "فلسطين" أمس، بعدد من الجرحى والمرضى وذويهم، تكررت الرسالة ذاتها على ألسنتهم جميعًا: افتحوا المعابر… فالعلاج لم يعد يحتمل مزيدًا من الانتظار.
إلى جانب سرير ابنه يوسف، وقف جبر أبو جزر عاجزًا عن تقديم شيء سوى الدعاء، فمنذ أربعة أشهر ينتظر نجله إجراء عملية جراحية معقدة بعد إصابته بكسور في الساقين وعظمَي الفخذ، لكن نقص الإمكانات الطبية حال دون علاجه.
ويقول أبو جزر إنهم يراجعون المستشفى باستمرار، لكن الإجابة لا تتغير: المستلزمات الطبية اللازمة للجراحة غير متوفرة، ويضيف: “كل ما نريده أن يمشي مثل بقية الناس، لا نطلب المستحيل، فقط أن يُعالج، أين الرحمة؟ أين الإنسانية؟”.
أما ماهر أسعد حسين الأخرس (39 عامًا)، فلم يخسر ساقه بسبب السرطان فحسب، بل فقد أيضًا عائلته بأكملها في قصف إسرائيلي استهدف منزلهم في خانيونس، بينما كان يتلقى العلاج داخل المستشفى.
ويقول الأخرس: “أنا الناجي الوحيد من عائلتي، فقدت أطفالي وزوجتي ووالدتي وإخوتي، ولم يبقَ لي أحد".
ورغم هذه الفاجعة، لا يزال همه الأكبر اليوم هو استكمال علاجه خارج غزة، مضيفًا: “لا أريد أن أبقى أنتظر حتى أموت، أريد فقط أن أسافر للعلاج وأبدأ حياة جديدة".
وفي زاوية أخرى من الوقفة، جلست سعاد إبراهيم مصطفى أبو حسنة (25 عامًا)، وهي مريضة بالثلاسيميا، تحمل ملفها الطبي بيد، وأمل السفر بجميع حواسها.
تقول سعاد إن العثور على وحدات دم متوافقة مع حالتها أصبح مهمة شبه مستحيلة، فيما تتكرر أزمة نقص الأدوية، خاصة محلول إزالة الحديد الذي تحتاج إليه بشكل منتظم.
وتضيف أن الحرب قلبت حياتها رأسًا على عقب، فبعدما كانت تعيش بصورة شبه طبيعية قبل الحرب، أصبحت اليوم تراجع المستشفى أسبوعيًا، وتعاني من نقص الدم والكالسيوم وفيتامين (د)، وتحتاج إلى علاج مستمر.
وتقول: “كل ما أريده أن أخرج للعلاج قبل أن تُغلق المعابر مرة أخرى، نريد أن نعيش مثل أي إنسان".
ولم يكن محمد ضهير يحمل همّه وحده، بل كان يحمل وجع زوجته زينب إسماعيل ضهير، المصابة بالسرطان، التي تزداد حالتها سوءًا مع كل يوم انتظار.
ويقول إن زوجته أُبلغت قبل نزوحهما الأخير من رفح بأنها ستسافر إلى مصر للعلاج، لكن الرحلة لم تتم، ومنذ ذلك الحين تتكرر الوعود دون تنفيذ.
ويضيف: “في كل مرة يقولون لنا غدًا أو الشهر المقبل، لكن السرطان لا ينتظر. زوجتي كان يجب أن تكون ضمن الأولويات، لأنها لم تعد قادرة حتى على المشي لمسافات قصيرة".
ويوجه ضهير نداءً إلى منظمة الصحة العالمية والجهات الإنسانية بضرورة إعطاء مرضى السرطان الأولوية في الإجلاء الطبي، مؤكدًا أن استمرار التأخير يعني خسارة المزيد من الأرواح.
وتعكس هذه الشهادات جانبًا من معاناة آلاف الجرحى والمرضى في قطاع غزة، الذين يواجهون، إلى جانب آثار الحرب، انهيارًا واسعًا في المنظومة الصحية، ونقصًا حادًا في الأدوية والمستهلكات الطبية، وتعطلًا للخدمات العلاجية التخصصية، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى الإجلاء الطبي العاجل للحالات الحرجة.
وبين أسرة المستشفيات وخيام النزوح، لا يطالب هؤلاء المرضى بأكثر من حقهم في العلاج، فبالنسبة لهم، لم يعد فتح المعابر مطلبًا سياسيًا، بل بات الفاصل بين الحياة والموت، وبين أمل يتشبثون به كل صباح، ومصير يزداد قسوة مع كل يوم يمر.
المصدر / فلسطين أون لاين