حي الزيتون .. مئات المواطنين بين النزوح تحت النار وكفاح البقاء

mainThumb
حي الزيتون.. مئات المواطنين بين النزوح تحت النار وكفاح البقاء

21-07-2026 09:27 AM

printIcon

أخبار اليوم - مع اتساع دائرة خروقات الاحتلال الإسرائيلي في حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة، وتحريك المكعبات الإسمنتية الصفراء باتجاه شارع صلاح الدين، وجد مئات المواطنين أنفسهم أمام واقع يعيد مشاهد النزوح القسري المتكرر؛ إما الرحيل وترك ما تبقى من منازلهم، أو البقاء في مواجهة القصف وإطلاق النار.

وخلال الأيام الماضية، شهدت المناطق المحيطة بمفترق دولة وامتداد شارع صلاح الدين حركة نزوح قسري متسارعة، بعدما اقتربت الآليات العسكرية الاحتلالية من مناطق سكنية جديدة، فيما حملت عائلات ما استطاعت من متاعها وغادرت باتجاه مناطق أخرى، بينما اختارت عائلات أخرى البقاء رغم تصاعد المخاطر، مؤكدة أن النزوح لم يعد يوفر لها الأمان ولا يضمن لها حياة مستقرة.

في الطرقات المؤدية بعيداً عن المنطقة، بدت مشاهد النزوح مألوفة لكنها أكثر قسوة؛ عربات تجرها الدواب، وسيارات صغيرة محملة بالفرش وأوعية المياه وأكياس الطحين وبعض الأمتعة الشخصية، تسير ببطء وسط طرق مدمرة، فيما يبحث أصحابها عن مكان جديد يحمّلونه عبء إقامة مؤقتة جديدة.

رحيل بعد عودة قصيرة

عبيدة شرير، أحد سكان المنطقة الشرقية من حي الزيتون، لم يكن يتوقع أن يحمل أغراضه مرة أخرى بعد أشهر قليلة من عودته إلى منزله.

يقول لصحيفة "فلسطين": "عدنا بعد وقف إطلاق النار، ورممنا غرفة واحدة فقط لنعيش فيها، لكننا اليوم نغادر من جديد بعدما أصبحت الدبابات أقرب، ولم نعد نستطيع النوم بسبب أصوات الرصاص والطائرات".

ويضيف أن عائلته اضطرت إلى أخذ الأوراق الثبوتية وبعض الملابس الأساسية مع اشتداد القصف، قبل أن يعودوا لاحقاً لجمع ما تبقى من حاجياتهم، موضحاً أن الخوف من التطورات الميدانية دفعهم إلى عدم الانتظار.

ويتابع: "كل تأخير كان يحمل خطراً، فالمنطقة لم تعد كما كانت، وأصبحنا نشعر أن الخطر قد يصل إلينا في أي لحظة".

بالنسبة لشرير، لا يمثل النزوح مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل يعني فقدان ما تبقى من استقرار هش حاولت العائلات استعادته بعد شهور طويلة من التهجير والدمار.

البقاء رغم الخوف

على بعد عشرات الأمتار من حركة المغادرين، كانت أم أحمد حجي تتابع المشهد دون أن تحزم أمتعتها، فقد قررت عائلتها البقاء رغم اقتراب الخطر.

تقول لصحيفة "فلسطين" إن تجربة النزوح السابقة كانت أكثر قسوة من البقاء، موضحة: "تنقلنا بين المدارس والخيام أكثر من مرة، ولم نجد مكاناً آمناً، وإذا خرجنا اليوم لا نعرف إلى أين سنذهب، فلا توجد خيام كافية ولا غذاء ولا ماء".

وترى حجي أن كثيراً من العائلات أصبحت أمام خيارين صعبين؛ فالبقاء يعني مواجهة الخطر، بينما النزوح يعني الدخول في معاناة جديدة تبدأ من البحث عن مأوى وتنتهي بمحاولة تأمين أبسط الاحتياجات اليومية.

ويؤكد سكان بقوا في المنطقة أن تكرار النزوح استنزف قدراتهم المادية والنفسية، خصوصاً بعد فقدان مصادر دخلهم، وتعرض منازلهم للدمار الجزئي أو الكلي، وعدم قدرتهم على تحمل تكاليف انتقال جديد.

"الخط الأصفر" علامة على اتساع الخطر

وكانت آليات الاحتلال الإسرائيلي قد تقدمت خلال الأيام الماضية في حي الزيتون وسط إطلاق نار وقصف مدفعي في محيط مفترق دولة، بالتزامن مع تحريك المكعبات الإسمنتية الصفراء عشرات الأمتار باتجاه الغرب، ما قلص المساحة المتاحة أمام السكان ودفع مزيداً من العائلات إلى النزوح.

وتقول حجي إن هذه المكعبات أصبحت بالنسبة للسكان "علامة يومية للخوف"، فهي تعني اقتراب المنطقة الخطرة من البيوت والخيام والأسواق المؤقتة التي يعتمد عليها الأهالي لتوفير احتياجاتهم الأساسية.

وتضيف: "كلما تحركت هذه المكعبات نشعر بأن مساحة الأمان تضيق أكثر، وأننا قد نضطر للرحيل في أي لحظة".

حياة معلّقة بين النزوح والبقاء

من جهته، يوضح الناشط ميسرة عرفات أن النزوح من حي الزيتون لم يشمل جميع السكان، إذ لا تزال عائلات تقيم في أجزاء من شارع صلاح الدين والمناطق الغربية من الحي، وتحاول مواصلة حياتها وسط ظروف بالغة الصعوبة.

ويقول لصحيفة "فلسطين": "في الليلة الأولى التي بدأت فيها قوات الاحتلال التقدم، تقدمت معها مجموعات مسلحة واختطفت عدة أشخاص من حي الزيتون، قبل أن يتم إرجاعهم بعد يومين".

ويشير إلى أن هذه الأحداث سببت حالة واسعة من الخوف بين السكان، دفعت العديد من العائلات إلى مغادرة المنطقة خشية الاستهداف أو الاعتقال.

ويضيف أن الحياة في الحي أصبحت هشة للغاية، في ظل تكرار إطلاق النار من الطائرات المسيّرة والآليات العسكرية بشكل مفاجئ، ما يدفع السكان والمارة إلى الاحتماء بين المباني المدمرة أو داخل الخيام.

ورغم الظروف القاسية، يحاول بعض السكان الحفاظ على الحد الأدنى من الحياة اليومية، حيث فتحت بعض البسطات الصغيرة أبوابها، فيما يواصل آخرون بيع الحطب والمواد الأساسية لتوفير احتياجات العائلات التي بقيت في المنطقة.

أزمة مأوى جديدة

ولا تقتصر معاناة النازحين على قرار الرحيل، بل تبدأ بعده رحلة البحث عن مكان يمكن الاحتماء فيه.

هذا ما يواجهه الستيني ناصر عاشور، الذي قرر منذ الليلة الأولى لتقدم آليات الاحتلال واقترابها من مكان سكنه البحث عن مكان بديل في حي تل الهوا غرب مدينة غزة.

لكن محاولته اصطدمت بواقع أكثر صعوبة؛ فلا أماكن متاحة للسكن، وإن وجدت فإن أسعار الإيجار المرتفعة تفوق قدرته في ظل ظروفه الاقتصادية والإنسانية الصعبة.

ويوضح إنّه لا يزال يبحث عن مكان يجمعه مع زوجته وبناته الثلاث، بعدما اضطر إلى وضع بعض أغراضه لدى جيرانه انتظاراً لإيجاد مأوى مؤقت.

وتزيد موجات النزوح الجديدة الضغط على المناطق الغربية من مدينة غزة، التي تعاني أصلاً من اكتظاظ شديد في مراكز الإيواء ونقص في المساحات المتاحة لنصب الخيام أو استقبال عائلات جديدة.

ويرى مراقبون أن التحركات العسكرية الأخيرة في حي الزيتون لا تمثل مجرد تطور ميداني، بل تحمل تداعيات إنسانية مباشرة، إذ تدفع إلى موجات نزوح إضافية، وتقلص المساحات المتاحة للسكان، وتفاقم أزمة المأوى والخدمات الأساسية.

وبين عائلات أجبرت على النزوح وأخرى تمسكت بالبقاء، يبقى حي الزيتون عالقاً في معادلة قاسية؛ فالنزوح لم يعد يعني النجاة بالضرورة، والبقاء لم يعد يعني الاستقرار، بل أصبح كلا الخيارين محفوفاً بالمخاطر، فيما يواصل السكان البحث عن مساحة آمنة تحفظ ما تبقى من حياتهم في واقع يزداد ضيقاً وتعقيداً يوماً بعد آخر.

فلسطين أون لاين