أخبار اليوم - لم يكن صباح السابع من أكتوبر/ تشرين الأول 2023، يومًا عاديًا في حياة الطبيب الفلسطيني حمزة أبو صبحة، فبعد سنوات طويلة من الدراسة والاجتهاد، كان يستعد للسفر في اليوم التالي، الأحد 8 أكتوبر، ضمن بعثة علمية إلى بلجيكا والسويد، لتفتح أمامه آفاقًا جديدة في مسيرته الطبية.
لكن مع اندلاع حرب الإبادة على قطاع غزة، اتخذ قرارًا غيّر حياته بالكامل؛ ألغى سفره، وقرر البقاء إلى جانب الجرحى والمرضى في مجمع ناصر الطبي، مؤمنًا بأن رسالته الإنسانية تقتضي ألا يُغادر وطنه في أكثر لحظاته احتياجًا إلى الأطباء.
ذلك القرار، الذي اتخذه بدافع الواجب الإنساني، انتهى باعتقاله بعد أشهر من داخل مجمع ناصر الطبي، ليصبح واحدًا من عشرات الكوادر الطبية القابعين خلف قضبان سجون الاحتلال، في حين يواصل القطاع الصحي في غزة مواجهة واحدة من أصعب أزماته.
قرار البقاء
تقول والدة الدكتور حمزة لصحيفة "فلسطين": إن "ابنها كان على وشك السفر في بعثة علمية إلى بلجيكا والسويد، إلا أن اندلاع الحرب في اليوم السابق دفعه إلى التراجع عن السفر دون تردد".
وتستعيد آخر حديث دار بينهما قبل أن يحسم قراره، قائلة إنه كان يردد دائمًا: "كيف أترك الناس الذين يحتاجون للجراحة والجبس؟ مستحيل أن أتركهم ولو على حساب حياتي".
وتضيف أن العائلة حاولت إقناعه بالاستفادة من فرصة السفر، لكنه أصر على أن مكانه الطبيعي هو إلى جانب الجرحى الذين بدأت أعدادهم تزداد مع الساعات الأولى للحرب، عادًّا أن رسالته الطبية والإنسانية تفرض عليه البقاء مهما كانت المخاطر.
واصل الطبيب الشاب عمله في قسم جراحة العظام والطوارئ في مجمع ناصر الطبي، متنقلًا بين غرف العمليات وأقسام الاستقبال لعلاج المصابين، حتى اقتحمت قوات الاحتلال المجمع في السادس عشر من فبراير/ شباط 2024، واعتقلته وهو على رأس عمله.
ومنذ ذلك اليوم، لم يعد الطبيب إلى منزله، بل انتقل من علاج الجرحى إلى زنزانة يواجه فيها ظروف احتجاز قاسية، وفق ما تنقله العائلة بعد زيارات المحامي.
وتقول والدته: إن نجلها يُعاني تدهورا واضحا في حالته الصحية داخل السجن، إذ يشكو من آلام شديدة في المعدة، ومشكلات في الأذن كادت أن تتسبب بفقدانه السمع، إضافة إلى إصابة في إحدى ساقيه تحتاج إلى تدخل جراحي.
وتضيف أن ظروف الاعتقال انعكست بصورة كبيرة على صحته، إذ فقد قرابة أربعين كيلوغرامًا من وزنه، مع نقص الغذاء، والحرمان من النوم على أسرّة مناسبة، وغياب الرعاية الطبية التي يحتاج إليها.
ورغم ذلك، تؤكد أن المحامي الذي تمكن من زيارته نقل للأسرة أن معنوياته لا تزال مرتفعة، رغم المعاناة اليومية التي يعيشها داخل السجن.
ولم تبدأ رحلة حمزة أبو صبحة داخل غرف العمليات، بل قبل سنوات طويلة قضاها طالبًا للطب في السودان، حيث أمضى تسع سنوات في الدراسة، وتخرج بتقدير امتياز، قبل أن يعود إلى قطاع غزة ليستكمل سنة الامتياز، ثم يجتاز امتحانات وزارة الصحة ويتعين رسميًا في مجمع ناصر طبيبًا في جراحة العظام.
وتقول والدته: إن ابنها لم يكن يرى الطب مجرد مهنة، بل رسالة إنسانية حملها منذ بداية حياته العملية، وكان معروفًا بين زملائه بحرصه على مساعدة الجميع دون تردد.
وتضيف: "كان إنسانًا قبل أن يكون طبيبًا، لم يكن يرد أحدًا، وأي مريض يحتاجه كان يذهب إليه فورًا، لم يبخل بجهده ولا بوقته".
وتشير إلى أنه كان حافظًا للقرآن الكريم، ويتمتع بأخلاق عالية جعلته قريبًا من زملائه ومرضاه، كما كان الأقرب إلى والديه وإخوته".
خسارات الحرب
لم تتوقف معاناة الأسرة عند اعتقال حمزة، إذ استشهد شقيقه الدكتور محمود أبو صبحة، اختصاصي التحاليل الطبية خلال الحرب، كما دمرت الغارات الإسرائيلية منزل العائلة بالكامل، إلى جانب منزل حمزة وزوجته.
وتروي والدته أن زوجة حمزة، وهي طبيبة أيضًا، وضعت طفلها الوحيد في ظروف الحرب داخل المستشفى، ثم اضطرت إلى مغادرته وهي لا تحمل سوى رضيعها، بعدما دمر الاحتلال الإسرائيلي المنازل بكل ما فيها.
وتعيش الأسرة اليوم نازحة في منطقة بئر 19 غرب مدينة خان يونس، بعد أن فقدت منزلها وكل ما تملك.
طفل ينتظر
كان الطفل محمد قد ولد قبل اعتقال والده بأربعين يومًا فقط، ولم تتح له فرصة أن يعيش طفولته إلى جوار أبيه، وبعد أن تجاوز عامين من عمره، أصبح يبحث عنه في كل مكان.
تقول جدته: "كلما رأى طفلًا مع والده يسأل: أين أبي؟ يبحث عنه في البيت وفي كل مكان".
وتضيف أن أكثر ما يؤلمها هو رؤية حفيدها يكبر دون أن يعرف والده إلا من الصور والحديث عنه.
ورغم كل ما خسرته العائلة خلال الحرب، تؤكد والدة حمزة، أن أكثر ما يثقل قلبها هو استمرار اعتقال ابنها.
وتقول: "لدي شهيد، لكن وجع الأسير مختلف، الشهيد عند ربه، أما الأسير فيعيش كل يوم معاناة جديدة، وأهله يعيشونها معه".
وترى أن الطبيب الذي رفض مغادرة غزة من أجل خدمة الجرحى كان يستحق الحماية، لا الاعتقال.
وتضيف: "كان يستطيع أن يسافر ويكمل مستقبله العلمي في أوروبا، لكنه اختار أن يبقى مع أبناء شعبه، اليوم يُعاقبه الاحتلال لأنه أدى واجبه الإنساني".
وتوجه نداءً إلى المجتمع الدولي والمؤسسات الحقوقية والإنسانية من أجل التحرك للإفراج عن الطواقم الطبية الفلسطينية المعتقلة، مؤكدة أن القطاع الصحي الذي استنزفته الحرب بحاجة إلى أطبائه أكثر من أي وقت مضى.
وقالت: إن "الأطباء مكانهم غرف العمليات وليس خلف قضبان السجون، فقد تعلموا من أجل فلسطين، ومن أجل إنقاذ الأرواح، لكن الاحتلال حرم المرضى منهم".
وختمت حديثها بأمنية تختصر شهورًا طويلة من الانتظار: "أريد أن أرى حمزة يعود إلى ضوء الشمس، ويعود إلى معطفه الأبيض، وأن يعود جميع الأسرى إلى عائلاتهم، هذا أقل حق لمن ضحوا بكل شيء من أجل شعبهم".
المصدر / فلسطين أون لاين