أخبار اليوم - تحت سقف خيمة لا تقي حرّ الصيف ولا برد الشتاء، وبين طوابير المياه والخبز وانتظار الطعام أمام التكايا، يجد شعراء في قطاع غزة أنفسهم أمام واقع لم يختاروا أن يكون مصدر إلهامهم، لكنه فرض عليهم الكتابة.
فالحرب والنزوح والقتل والدمار تحولت في قصائدهم إلى شهادات تحفظ تفاصيل المأساة وتروي للعالم ما يعيشه الفلسطينيون في الخيام.
يقول الشاعر فايز صالحة، وهو لاجئ فلسطيني من قرية بربرة المهجرة، إن رحلة النزوح دفعته إلى الكتابة عن الحرب منذ لحظاتها الأولى، بعدما انتقل قسرًا من شمال غزة إلى رفح، ومنها إلى منطقة مواصي خانيونس عقب اجتياح رفح.
صالحة، الذي بدأ الكتابة في السجن عام 1986، متنقلًا بين القصة القصيرة والرواية والشعر العامي ثم العمودي، وجد في الخيمة مساحة جديدة للكتابة، لكن هذه المرة من قلب المأساة.
يقول لصحيفة "فلسطين" إن قصائده تناولت تفاصيل الحرب والخيام والحياة اليومية للنازحين، من طوابير المياه والخبز إلى التكايا، مرورًا بالحر والبرد، وكل ما يعيشه اللاجئ الفلسطيني داخل خيمة لا توفر الحد الأدنى من الحماية.
ويصف الخيمة بأنها مكان اضطر الفلسطينيون إلى التعايش معه رغم قسوته، مؤكدًا أن كتاباته لا تنطلق من الخيال، بل من واقع يراه ويعيشه ويسمع تفاصيله من المحيطين به.
نقل معاناة الناس
لم تكن تجربة صالحة مع الحرب مجرد مراقبة من بعيد، إذ فقدَ زوجته وأربعة من أفراد عائلته، كما أصيبت ابنته واستشهد عدد من أبنائها، في حين لا يزال يجهل مصير عدد من أقاربه بعد أن فقد الاتصال بهم.
لذلك، يقول إن الشعر بالنسبة إليه ليس مجرد تعبير عن وجع شخصي، بل نقل لمعاناة الناس من حوله؛ فيكتب عن الجيران والأصدقاء وأفراد عائلته وأطفاله، وعن الموت والدمار والجرحى، ليصبح النص شهادة على ما عاشه الفلسطينيون.
ولا تختلف تجربة الشاعر سالم سليم الدبجي كثيرًا، وإن اتخذت طريقًا مختلفًا. فالدبجي، المولود عام 1965 في مخيم جباليا، والذي يعمل معلمًا في المدارس الحكومية، توقف عن كتابة الشعر قرابة عام تحت وطأة الصدمة التي خلفتها مشاهد الدم والمجازر التي عاشها خلال الحرب.
يقول لصحيفة "فلسطين" إن الشاعر "مرآة المجتمع"، وإن مهمته أن ينقل صورة الواقع من الشارع إلى الورقة، ومنها إلى العالم.
وعندما عاد إلى الكتابة، وجد نفسه يرسم في قصائده تفاصيل حياة الأطفال والنساء والنازحين.
كتب عن الأطفال الذين يتوجهون إلى التكايا للحصول على الطعام، ثم يعودون لحمل المياه، حتى بات الطفل، وفق وصفه، يحمل مسؤولية أسرة كاملة.
كما كتب عن النساء اللواتي تبدلت حياتهن من الاستقرار إلى الخيام، واضطررن إلى إشعال النار والقيام بأعمال لم تكن تخطر لهن في السابق.
وفي خانيونس، وجد الدبجي وزملاؤه مساحة لاستمرار الكتابة والنقاش من خلال منتدى نبض الإبداع، الذي تحتضنه بلدية خانيونس، حيث يلتقي الشعراء بصورة دورية لقراءة نصوصهم ومناقشتها وتبادل الملاحظات والخبرات.
ويؤكد الدبجي أن الشعر في زمن الحرب لم يعد ترفًا أدبيًا، بل أصبح وسيلة لتسجيل مرحلة كاملة، معتبرًا أن القصائد التي تكتب اليوم يمكن أن تتحول إلى تاريخ يوثق ما جرى، ويمنح العالم صورة عن معاناة الفلسطينيين بعيدًا عن الأرقام وحدها.
وبين خيمة صالحة التي تختزن تفاصيل النزوح، وقصائد الدبجي التي ترسم تحولات الأطفال والنساء، يواصل شعراء غزة الكتابة وسط الفاجعة، فالحرب التي أغلقت أمامهم أبوابًا كثيرة، فتحت بالرغم من قسوتها دفترًا جديدًا للقصيدة، لتتحول الكلمة إلى ذاكرة تحفظ ما قد يطويه الركام، وإلى صوت يحاول الوصول من الخيام إلى العالم.
فلسطين أون لاين