عندما لا تكفي العلامة: نحو ثقافة جديدة لاختيار التخصص الجامعي .. رسالة إلى أولياء الأمور ومجلس التعليم العالي

mainThumb
عندما لا تكفي العلامة: نحو ثقافة جديدة لاختيار التخصص الجامعي..رسالة إلى أولياء الأمور ومجلس التعليم العالي

12-08-2026 01:49 PM

printIcon

الدكتور فايز السعودي


لم يعد كافيًا أن نسأل أبناءنا: كم حصلت في الثانوية العامة؟ ثم نبني على هذه العلامة قرارًا قد يحدد مستقبلهم لعقود.
السؤال الأهم الذي ينبغي أن نطرحه هو: ماذا يستطيع ابننا أن يفعل؟ وما الذي يميل إليه؟ وما القدرات والاستعدادات التي يمتلكها؟ وأين يمكن أن يبدع ويحقق ذاته ويخدم وطنه؟
هذه الأسئلة تبدو بسيطة، لكنها تمس واحدة من أهم القضايا التي تواجه التعليم العالي وسوق العمل في الأردن؛ وهي الاختلال بين تخصصات الخريجين واحتياجات المجتمع والاقتصاد، وبين ما يمتلكه الخريج من معرفة نظرية وما يحتاجه العمل من مهارات وقدرات عملية.
المشكلة تبدأ أحيانًا من الأسرة
لا يمكن أن نحمّل الجامعات وحدها مسؤولية ضعف بعض مخرجات التعليم العالي؛ فجزء من المشكلة يبدأ قبل أن يدخل الطالب الجامعة.
ففي بعض الأسر، تتحول رغبة الأب أو الأم إلى قرار حاسم في اختيار التخصص، ويُدفع الطالب نحو تخصص معين لأنه "أفضل"، أو لأنه أكثر مكانة اجتماعية، أو لأن أحد الأقارب أو الأصدقاء يراه مناسبًا، أو لأن الأسرة تريد أن تقول للآخرين إن ابنها يدرس تخصصًا مرموقًا.
وقد يتحول التخصص الجامعي إلى وسيلة للتفاخر الاجتماعي بدل أن يكون اختيارًا علميًا ومهنيًا مبنيًا على قدرات الطالب وميوله واستعداداته.
وهنا يجب أن نكون صريحين:
ليس كل طالب حصل على علامة مرتفعة في الثانوية العامة مهيأً للنجاح في كل تخصص، وليس كل طالب حصل على علامة متوسطة غير قادر على الإبداع والتميز.
فالعلامة تقيس جانبًا مهمًا من التحصيل، لكنها لا تختزل الإنسان، ولا تقيس وحدها الإبداع، والقدرة العملية، والذكاء الاجتماعي، والمهارات اليدوية، والقدرة على حل المشكلات، والميول المهنية، والاستعدادات الشخصية.
والقبول الموحد بحاجة إلى نظرة أوسع
أما أن يكون معدل الطالب في الثانوية العامة هو العامل الحاسم أو شبه الوحيد في توجيهه إلى التخصص الجامعي، فإن ذلك يستحق مراجعة جادة من مجلس التعليم العالي.
فالقبول الموحد، بصورته القائمة على ترتيب الطلبة وفق العلامة التحصيلية، قد يكون عادلًا من حيث تطبيق معيار موحد، لكنه ليس بالضرورة كافيًا لتحقيق العدالة في اختيار التخصص.
فالعدالة الحقيقية لا تعني فقط أن نضع جميع الطلبة في سباق واحد، وإنما أن نساعد كل طالب على الوصول إلى المكان الذي تتوافق فيه قدراته وميوله واستعداداته مع متطلبات التخصص وسوق العمل.
فهل من المنطقي أن تكون العلامة وحدها قادرة على تحديد مستقبل الطالب، بينما لا نسأل بالقدر الكافي عن قدراته الخاصة واستعداداته وميوله المهنية؟
حكمة الله في اختلاف القدرات
إن اختلاف قدرات الناس وميولهم واستعداداتهم ليس نقصًا في أحد، بل هو جزء من طبيعة الحياة الإنسانية.
فالله سبحانه وتعالى لم يجعل الناس نسخًا متشابهة؛ بل وزّع بينهم المواهب والقدرات والميول والاستعدادات بصورة تجعل المجتمع في حاجة إلى الطبيب والمهندس والمعلم والممرض والفني والمبرمج والمزارع والحرفي والباحث والإداري ورائد الأعمال وغيرهم من أصحاب المهن والمهارات.
وعمارة الأرض لا تقوم بتخريج أكبر عدد ممكن من حملة الشهادات في تخصصات محددة، وإنما بتوجيه كل إنسان إلى المجال الذي يستطيع أن يعطي فيه أفضل ما لديه.
ومن هنا، فإن احترام اختلاف القدرات ليس قضية تربوية فقط، بل هو قضية اقتصادية وتنموية ووطنية.
من الشهادة إلى الكفاءة
لقد آن الأوان لأن ننتقل من ثقافة تقول:
"المهم أن يحصل ابني على شهادة جامعية"
إلى ثقافة تقول:
"المهم أن يمتلك ابني المعرفة والمهارة والقدرة التي تمكنه من النجاح في الحياة والعمل."
فالشهادة الجامعية وسيلة وليست غاية.
وقد يحصل الطالب على شهادة في تخصص لم يكن مناسبًا لقدراته أو ميوله، ثم يتخرج وهو يحمل شهادة، لكنه لا يمتلك المهارات التي يحتاجها سوق العمل.
وهنا تظهر صورة أخرى من صور البطالة؛ وهي ما يمكن تسميته البطالة المرتبطة بفجوة المهارات: خريجون يبحثون عن فرص عمل، وفي الوقت نفسه يبحث أصحاب العمل عن مهارات وكفاءات لا يجدونها بالقدر الكافي.
وبذلك لا تكون المشكلة دائمًا في عدم وجود فرص، ولا دائمًا في عدم وجود خريجين، وإنما في عدم التطابق بين ما نُخرجه وما يحتاجه الاقتصاد والمجتمع.
اختلال هرم مخرجات التعليم
عندما تتجه أعداد كبيرة من الطلبة إلى مجموعة محدودة من التخصصات، بينما تتراجع أعداد الملتحقين بالتخصصات المهنية والتقنية والتطبيقية والتخصصات التي يحتاجها الاقتصاد، فإننا نُحدث خللًا في هرم الموارد البشرية.
فنحن بحاجة إلى هرم متوازن من الكفاءات، وليس إلى قاعدة واسعة من حملة الشهادات النظرية في بعض التخصصات، مع نقص في المهارات الفنية والتقنية والمهنية في تخصصات أخرى.
وهذا الاختلال لا يظهر فقط في الجامعات، بل ينعكس لاحقًا على البطالة، والإنتاجية، والاستثمار، والاقتصاد، وقدرة القطاعين العام والخاص على الحصول على الكفاءات التي يحتاجان إليها.
رسالة إلى أولياء الأمور
أيها الآباء والأمهات،
أبناؤكم ليسوا مشاريع للتفاخر أمام الآخرين، وليس نجاحهم في الحياة مرتبطًا باسم التخصص الذي يحملونه.
لا تجعلوا السؤال:
"ماذا سيدرس ابني حتى أفتخر به أمام الناس؟"
بل اجعلوه:
"أين يستطيع ابني أن يبدع، وأن يكون سعيدًا بعمله، وأن يكون منتجًا، وأن يبني مستقبله ويخدم وطنه؟"
استمعوا إلى أبنائكم، واكتشفوا قدراتهم، ولا تفرضوا عليهم أحلامكم التي ربما لم تتحقق لكم.
فقد يكون ابنكم متميزًا في مجال لا يخطر في أذهانكم، وقد يكون نجاحه الحقيقي في تخصص أو مهنة لا تحمل في نظر البعض المكانة الاجتماعية التي يبحثون عنها.
لا تحرموا أبناءكم من حقهم في اختيار المستقبل الذي يناسب قدراتهم من أجل نظرة اجتماعية عابرة.
ورسالة إلى مجلس التعليم العالي
أما مجلس التعليم العالي، فإن المرحلة تتطلب الانتقال من فلسفة "كيف نوزع الطلبة على مقاعد الجامعات؟" إلى فلسفة أكثر شمولًا:
"كيف نضع كل طالب في المسار الذي يزيد احتمالات نجاحه وإنتاجيته وقدرته على خدمة نفسه ومجتمعه؟"
وهذا يستدعي التفكير في تطوير منظومة القبول الجامعي بحيث لا تعتمد على معدل الثانوية العامة وحده، وإنما يمكن أن تتكامل فيها، وفق ضوابط علمية عادلة، عناصر مثل:
- قدرات الطالب واستعداداته.
- ميوله المهنية.
- متطلبات التخصص الحقيقية.
- الاختبارات أو المعايير الخاصة بالتخصصات التي تستلزم قدرات محددة.
- احتياجات سوق العمل الحالية والمستقبلية.
- التوازن بين التعليم الأكاديمي والتعليم التقني والمهني والتطبيقي.
- الإرشاد والتوجيه المهني المبكر، قبل الوصول إلى مرحلة القبول الجامعي.
ولا يعني ذلك إلغاء دور معدل الثانوية العامة، وإنما إعادة وضعه في مكانه الصحيح باعتباره أحد مؤشرات الجدارة الأكاديمية، وليس المقياس الوحيد لمستقبل الإنسان.
لنغيّر الثقافة قبل أن نغيّر الأنظمة
إن إصلاح التعليم العالي لا يبدأ دائمًا من الجامعة، ولا ينتهي عند تعديل تعليمات القبول.
إنه يبدأ من تغيير ثقافة المجتمع تجاه التعليم والعمل والنجاح.
علينا أن نعلّم أبناءنا أن قيمة الإنسان لا تحددها تسمية تخصصه، ولا اسم جامعته، ولا مقدار العلامة التي حصل عليها في الثانوية العامة، وإنما بما يمتلكه من علم ومهارة وأخلاق وقدرة على الإنتاج والعطاء.
كما يجب أن نعيد الاعتبار إلى التعليم التقني والمهني والتطبيقي، وأن نكسر الصورة النمطية التي تجعل بعض الأسر تنظر إلى بعض المهن باعتبارها أقل شأنًا من المهن الأكاديمية.
فالوطن يحتاج إلى كل الكفاءات، ولا يمكن أن تبنى دولة حديثة إذا أراد الجميع أن يكونوا في المهنة نفسها.
الخلاصة
إن استمرار توجيه الطلبة وفق رغبات الأهل من جهة، والاعتماد المفرط على العلامة التحصيلية في الثانوية العامة من جهة أخرى، قد يقودان معًا إلى نتائج لا نريدها: طالب في تخصص لا يناسبه، وخريج يحمل شهادة دون امتلاك المهارات الكافية، وسوق عمل يبحث عن كفاءات لا يجدها، وشباب يحملون شهادات ويواجهون صعوبة في الحصول على عمل.
ولذلك، فإن المعركة الحقيقية ليست مع الطالب، ولا مع الأسرة، ولا مع الجامعة؛ بل مع ثقافة تحتاج إلى التغيير، ومنظومة تحتاج إلى التطوير.
لقد آن الأوان لأن ننتقل من سؤال:
"كم حصل ابننا في الثانوية العامة؟"
إلى سؤال أكثر أهمية:
"ماذا يستطيع ابننا أن يقدم للحياة؟"
ومن:
"ما التخصص الذي يرفع مكانة الأسرة اجتماعيًا؟"
إلى:
"ما المجال الذي تتوافق فيه قدرات ابننا وميوله واستعداداته مع حاجات وطنه؟"
فحين نضع الإنسان المناسب في المكان المناسب، لا نحقق مصلحة الطالب وأسرته فحسب، بل نبني هرمًا متوازنًا للموارد البشرية، ونخفض فجوة المهارات، ونواجه البطالة من جذورها، ونرفع إنتاجية الاقتصاد، ونمنح الوطن فرصة حقيقية للتقدم.
إن مستقبل أبنائنا لا ينبغي أن تحدده علامة فقط، ولا رغبة الأهل وحدها؛ بل يجب أن تصنعه منظومة واعية تكتشف قدراتهم، وتحترم ميولهم، وتستجيب لحاجات وطنهم.
وهذه ليست مجرد قضية قبول جامعي؛
إنها قضية مستقبل وطن