معاً لعودة عمّان الاكثر نظافة

mainThumb
معاً لعودة عمّان الاكثر نظافة

18-08-2026 10:49 AM

printIcon

عبدالله موسى الطراونة

كانت عمّان، لسنوات طويلة، تتباهى بنظافتها، وكان الأردنيون ينظرون إلى مدينتهم باعتبارها واحدة من العواصم العربية التي تتميز بنظافة شوارعها وأحيائها، رغم اتساعها وكثافة سكانها. وكنا نتغنى بعمّان ونفاخر بها، ونطالب المواطن دائماً بالمحافظة على نظافتها وعدم إلقاء النفايات في الشوارع.

لكن المشهد اليوم مختلف، والمؤسف أن عمّان لم تعد كما كانت فأحياء عمّان الشرقية والغربية، وفي شمالها وجنوبها ووسطها أصبح المشهد واحدا وموحدا فمشهد الحاويات الممتلئة بالنفايات، وتراكم الأكياس والمخلفات حولها، أمراً يتكرر بصورة لافتة. ولم تعد المشكلة محصورة في منطقة دون أخرى، بل أصبحت ظاهرة يشعر بها سكان أحياء العاصمة. المختلفة
والأمر لا يتوقف عند الحاويات، فهناك شوارع وأزقة وحارات تعاني من انتشار الأوساخ والقاذورات، في مشهد لا يليق بعاصمتنا ولا بتاريخها ولا بصورة عمّان التي عرفناها.

نشر مواطنون كثر خلال الأيام والفترات الماضية صوراً متكررة للحاويات الممتلئة بالنفايات، وتداولوا المشاهد عبر مختلف وسائل التواصل والمنصات الإعلامية، في محاولة للفت الانتباه إلى حجم المشكلة ووضع الجهات المعنية أمام مسؤولياتها. ومع ذلك، ورغم كل هذه الصور والشكاوى والملاحظات، لم يحدث التغيير المأمول، وما زالت الحال على ما هي عليه في العديد من مناطق العاصمة، وما زالت الحاويات تمتلئ والنفايات تتراكم حولها.

وهنا يصبح السؤال مشروعاً: إذا كان المواطن قد قام بدوره، وصوّر المشكلة ونشرها ولفت الانتباه إليها، فلماذا لم نرَ حتى الآن استجابة ميدانية واضحة وحلاً جذرياً؟ وهل تحتاج المشكلة إلى مزيد من الصور والشكاوى حتى تتحرك الجهات المعنية، أم أن المطلوب هو النزول إلى الميدان ومتابعة الواقع كما هو؟
المواطن لا يريد تبريراً، ولا يريد حملة إعلامية جديدة، وإنما يريد أن يرى شوارع عمّان وأحياءها نظيفة كما كانت، وأن يشعر بأن شكواه تصل إلى المسؤول ويتم التعامل معها بجدية.

والأغرب من ذلك أن المواطن يرى في كل مكان يافطات تدعوه إلى المحافظة على النظافة وعدم إلقاء النفايات، وهي رسائل مهمة بالتأكيد، لكن المواطن اليوم يستطيع أن يعيد هذه الرسائل إلى الجهة المسؤولة عن النظافة نفسها، ويسأل: كيف نطالب المواطن بالمحافظة على النظافة بينما الحاويات ممتلئة والنفايات متراكمة حولها؟ او انه لا يوجد سلال وحاويات في مناطق وشوارع كثيرة من العاصمة عمان.
بينما نشاهد على الطرق الخارجية سلال وحاويات جميلة وفيها أكياس نفايات فارغة دون ان يستعملها أحد مثل هذه الحاويات التي نراها على بعض الطرق الخارجية وخاصة الطريق الى شمال الأردن مطلوب الاكثار منها في شوارع العاصمة عمان واحيائها.

المحافظة على النظافة مسؤولية مشتركة بين المواطن والجهات المعنية، ولا يمكن أن تنجح الرسائل التوعوية إذا لم يرافقها مستوى خدمة يضمن جمع النفايات في مواعيد منتظمة ومتكررة، وتوفير حاويات قادرة على استيعاب الكميات الموجودة، وتنظيف محيطها بصورة مستمرة.

ووفق ما يقوله البعض في عدد من المناطق، فإن جمع النفايات الذي كان يتم في السابق على ثلاث ورديات يومياً أصبح يتم في بعض المناطق مرة كل يومين وإذا كان هذا القول والواقع صحيحاً، فإننا أمام سبب واضح من أسباب تفاقم المشكلة، لأن الحاوية التي كانت تُفرغ عدة مرات في اليوم لن تستطيع بالتأكيد استيعاب النفايات إذا أصبحت عملية الجمع أقل بكثير.
وهنا يبرز سؤال مهم: أين الخلل؟ هل هو في أعداد الآليات؟ أم في أعداد العمال؟ أم في توزيع الورديات؟ أم في الإدارة والمتابعة؟ أم في آلية توزيع الحاويات؟ أم أن هناك أسباباً أخرى تحتاج إلى مراجعة عاجلة؟

هناك أيضاً ظاهرة أصبحت لافتة، وهي أن بعض عمال النظافة المرافقين لسيارات جمع الحاويات يكتفون بتفريغ الحاوية، ولا يقومون بجمع النفايات المتناثرة حولها، وكأن مهمة تنظيف محيط الحاوية ليست من مسؤوليتهم.

وقد يكون لهذا الأمر تفسير إداري أو تنظيمي، لكن النتيجة التي يراها المواطن واحدة: الحاوية تُفرغ، بينما تبقى النفايات المحيطة بها في مكانها، لتعود المشكلة بعد ساعات وكأن شيئاً لم يحدث.

وفي المقابل، أصبح المواطن يرى عمال النظافة في بعض التقاطعات والإشارات بصورة متكررة، حتى بات المشهد يوحي أحياناً بأن العامل موجود في المكان نفسه لفترات طويلة، بينما تحتاج الأحياء والشوارع الداخلية والأزقة والحارات إلى مزيد من الاهتمام والمتابعة.

ولا يعني ذلك بأي حال التقليل من جهود عمال النظافة أو تحميلهم وحدهم مسؤولية المشكلة، فهم في النهاية ينفذون ما يُطلب منهم وفق الآليات والتعليمات المقررة. لكن السؤال الحقيقي يجب أن يوجه إلى منظومة العمل كاملة: هل توزيع العمال والآليات والورديات يتم وفق الحاجة الفعلية لكل منطقة؟ وهل توجد متابعة ميدانية حقيقية تقيس مستوى النظافة في الأحياء وليس فقط عدد الحاويات التي تم تفريغها؟

لقد توقعنا خلال الأيام الماضية أن نرى تغييراً ملموساً وتحسناً في مستوى النظافة، لكن الواقع الذي يراه المواطن في أجزاء واسعة من العاصمة لا يزال مؤسفاً وعندما تصبح النفايات جزءاً من المشهد اليومي، فإن القضية لم تعد مجرد ملاحظة عابرة، بل أصبحت قضية خدمات عامة وصحة بيئية وصورة مدينة.

كما أن وزارة البيئة، باعتبارها الجهة المعنية بحماية البيئة ومتابعة الالتزام بالمعايير البيئية، لا يمكن أن تقف بعيداً عن هذا المشهد، ومن واجبها أن تتابع وتراقب وتطلب من الجهات المسؤولة معالجة أي مظاهر بيئية سلبية، وأن تكون هناك مساءلة ومتابعة حقيقية عندما يتراجع مستوى النظافة إلى هذا الحد.

أما أمانة عمّان، فإن المطلوب منها ليس فقط إصدار التعليمات أو وضع اليافطات التي تطالب المواطن بالمحافظة على النظافة، وإنما النزول إلى الميدان، ومراقبة أداء منظومة النظافة، والاستماع إلى شكاوى المواطنين، ومعرفة أسباب تراجع مستوى جمع النفايات، ومعالجة الخلل بسرعة.

فالمدينة لا تنظف باليافطات والارشادات والمخالفات وحدها ولا يمكن أن نقنع المواطن بأن يحافظ على النظافة إذا كان يضع النفايات داخل الحاوية ثم يعود في اليوم التالي ليجدها ممتلئة، والنفايات تحيط بها من كل جانب.
نحن بحاجة إلى إعادة النظر في منظومة النظافة في عمّان بالكامل، وليس فقط معالجة الحاويات الممتلئة.

نحتاج إلى زيادة وتيرة الجمع في المناطق التي تشهد كثافة سكانية عالية، وإعادة توزيع العمال والآليات وفق الحاجة، وتنظيف محيط الحاويات بعد تفريغها، ومراقبة أداء الشركات التي تم تكليفها بجمع النفايات ونظافة عمان وكذلك الكوادر والآليات ميدانياً، ووضع آلية واضحة للتعامل مع النقاط التي تتكرر فيها مشكلة تراكم النفايات.

كما نحتاج إلى إعادة الاعتبار للعامل الميداني، بحيث يكون وجوده في المكان الذي يحتاجه المواطن فعلاً، وليس فقط في التقاطعات والإشارات. فالنظافة تبدأ من الحارة والشوارع الداخلية والازقة والدخلات والممرات الجانبية، قبل أن تصل إلى الشوارع الرئيسية.

هذه ليست دعوة للانتقاد من أجل الانتقاد، ولا محاولة لتحميل طرف واحد المسؤولية، وإنما هي صرخة مواطن يرى مدينته التي أحبها وتغنى بنظافتها تتراجع أمام عينيه.
فالمدينة التي نحبها تستحق أن نراها تعود نظيفة كما كانت وكما كان يتغنى بها زوارها قبل سكانها ، لا أن تصبح النفايات جزءاً من صورتها اليومية.