أخبار اليوم – تالا الفقيه - لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للإعلان عن الملابس والمطاعم ومستحضرات التجميل، بل تحولت في السنوات الأخيرة إلى سوق مفتوحة لمنتجات تدّعي علاج الأمراض، وإنقاص الوزن، وزيادة النشاط، وتحسين الصحة، فيما يروج بعضها عبر حسابات تحظى بمتابعة واسعة، ما يضع المستهلك أمام سؤال خطير: من المسؤول عندما يتحول الإعلان إلى وصفة طبية غير آمنة؟
وتزداد خطورة الظاهرة عندما يدخل المشاهير والمؤثرون على خط الترويج، إذ يمكن لإعلان قصير من شخصية تحظى بآلاف أو ملايين المتابعين أن يمنح منتجاً مجهول المصدر ثقة لا يستحقها، خصوصاً عندما يظهر المشهور وهو يتحدث عن تجربته الشخصية مع المنتج أو يعد المتابعين بنتائج سريعة، من دون أن يكون ذلك بديلاً عن التقييم الطبي أو دليلاً على سلامة المستحضر.
وفي الأردن، أطلقت المؤسسة العامة للغذاء والدواء تحذيرات متكررة من شراء المستحضرات الصيدلانية ومنتجات التنحيف وغيرها عبر المواقع الإلكترونية ومنصات التواصل الاجتماعي، مؤكدة أن بعض هذه المنتجات غير مسجل أو غير مرخص، وأن بعضها يتم تعبئته وتغليفه في أماكن غير مرخصة.
ولم تقف التحذيرات عند التنبيه، إذ أعلنت المؤسسة مؤخراً استمرار عمليات الرصد والرقابة على الترويج الإلكتروني للأدوية خارج الأطر القانونية، وأشارت إلى إحالة 30 موقعاً وصفحة إلكترونية ومنصة رقمية إلى الجهات المختصة منذ بداية العام بالتنسيق مع الجهات الأمنية.
المشكلة هنا ليست إعلاناً تجارياً عادياً، فبيع أو الترويج لمنتج دوائي غير مجاز يمكن أن يعني تعريض صحة إنسان للخطر. وتؤكد المؤسسة أن تداول الأدوية وصرفها يجب أن يتم من خلال الصيدليات المرخصة وتحت إشراف صيدلي مرخص، فيما يجري اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين في هذا المجال.
والأخطر أن بعض المنتجات لا يكتفي مروجوها بالقول إنها «مكملات» أو «منتجات طبيعية»، بل يمنحونها ادعاءات علاجية واسعة، مثل علاج أمراض مزمنة، أو حرق الدهون، أو سد الشهية، أو تعزيز الطاقة، أو تحقيق نتائج صحية خلال فترة قصيرة.
وحذرت المؤسسة تحديداً من منتجات غير مجازة يتم الترويج لها بادعاءات مثل تخفيف الوزن وسد الشهية وتقوية وتنشيط الجسم وعلاج بعض الأمراض المزمنة، مؤكدة أن شراء هذه المنتجات من مصادر غير موثوقة يجعل المستهلك غير قادر على التأكد من تركيبها أو مأمونيتها.
ولا تتوقف المخاطر عند كون المنتج غير مرخص؛ فبحسب المؤسسة، المنتجات غير الموثوقة قد تحتوي على مكونات غير معروفة أو غير معلن عنها، وقد تتضمن مواد دوائية يمكن أن تسبب مشكلات صحية أو تتداخل مع أدوية أخرى، كما لا يمكن ضمان ظروف تصنيعها أو تخزينها أو نقلها أو حتى صلاحيتها.
وفي واحدة من الحالات التي تكشف خطورة هذا السوق، أعلنت المؤسسة ضبط مستحضرات تنحيف مزورة وغير مجازة، تبين احتواؤها على مادة Sibutramine الخطرة والمحظورة عالمياً، مع الإشارة إلى أنه جرى الترويج لها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
كما حذرت المؤسسة من مستحضرات طبية غير مجازة يجري الترويج لها إلكترونياً بادعاءات علاجية مختلفة، مؤكدة أن تركيبات ومكونات مثل هذه المنتجات قد تكون مجهولة وغير مضمونة المأمونية، وأنها أحالت الصفحات المروجة إلى الجهات المختصة.
وهنا تبرز مسؤولية المشهور أو المؤثر الذي يضع اسمه وصورته وشهرته خلف منتج صحي. فالمتابع العادي قد لا يملك القدرة على التمييز بين دواء مسجل وأخرى مجهول المصدر، وقد يفسر ظهور شخصية معروفة وهي تروج لمنتج على أنه بمثابة «شهادة ثقة» أو ضمان للنتيجة.
المسألة تصبح أكثر حساسية عندما يتعلق الإعلان بمرض أو دواء أو منتج تنحيف أو مادة يمكن أن تؤثر بشكل مباشر في جسم الإنسان. فالمتابع الذي يشتري هاتفاً أو قطعة ملابس بناء على إعلان مؤثر يستطيع في أسوأ الأحوال أن يخسر ماله، أما من يشتري منتجاً دوائياً مجهول المصدر فقد يدفع الثمن من صحته.
ومن الناحية التنظيمية، أكدت المؤسسة العامة للغذاء والدواء أن الترويج للأدوية يخضع لضوابط، وأن الترويج لأي دواء قبل تسجيله أصولياً محظور، كما شددت على منع نشر معلومات دوائية غير متطابقة مع المعلومات المعتمدة أو الترويج لاستطبابات غير معتمدة، واتخاذ الإجراءات بحق المخالفين.
لذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه ليس فقط: من يبيع هذه المنتجات؟ بل أيضاً: من يروج لها؟ ومن يتحقق من صحة ادعاءاتها قبل أن يظهر أمام ملايين المتابعين؟
وهل يكفي أن يقال إن الإعلان «إعلان مدفوع» لإعفاء صاحبه من المسؤولية الأخلاقية عندما يتعلق الأمر بمنتج قد يتناوله إنسان بناءً على ثقته بشخصية مشهورة؟
المطلوب اليوم ليس مطاردة المشاهير لمجرد الإعلان، وإنما فتح ملف واضح للترويج الصحي عبر منصات التواصل الاجتماعي، والتأكد من أن أي منتج دوائي أو مكمل يقدم للجمهور حاصل على الموافقات اللازمة، وأن الادعاءات التي يرددها المعلنون لا تتجاوز ما تسمح به الجهات المختصة.
كما أن على المتابع نفسه ألا يتعامل مع شهرة المعلن باعتبارها دليلاً على سلامة المنتج. فالمؤسسة العامة للغذاء والدواء تدعو المواطنين إلى التأكد من المستحضرات المسجلة والمرخصة لديها قبل شرائها، وعدم الانسياق وراء الإعلانات المضللة.
في النهاية، الشهرة تمنح صاحبها تأثيراً واسعاً، لكنها لا تمنحه شهادة طبية. وعندما يكون المنتج الذي يُسوّق له دواءً أو مستحضراً صحياً، فإن المسألة لم تعد مجرد «إعلان»؛ إنها قضية تتعلق بصحة الناس، وبحق المستهلك في معرفة ما الذي يدخل جسده، ومن أين جاء، وهل هو آمن فعلاً أم مجرد منتج مجهول يرتدي ثوب الشهرة.